مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

الجريمة ضد الحرية

6 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

محمد الزواوي

zawawy@yhaoo.com

مفكرة الإسلام : منذ 43 عامًا وبالتحديد في الثامن من يونيو من عام 1967 وبعد أن شارفت نكسة يونيو ـ أو حرب الأيام الستة ـ على الانتهاء، قام الطيران الحربي الإسرائيلي باستهداف السفينة الأمريكية ليبرتي ـ والتي للمفارقة تعني "الحرية" أيضًا ـ التي كانت راسية على السواحل المصرية قبالة غزة والعريش لجمع معلومات استخباراتية عن سير الحرب وللتنصت على المحادثات المصرية والأردنية والسورية في المنطقة، ولمتابعة سير الحرب ورفع تقارير فورية إلى الإدارة الأمريكية للمتابعة عن كثب تطور الأوضاع في المنطقة.

ولكن الصهاينة كانوا في ذلك الحين يرتكبون جرائم حرب ضد الأسرى المصريين، وقتلوا أكثر من 400 أسير بدم بارد في خرق واضح للقانون الدولي، فما كان من القيادة الصهيونية إلا أن أعطت أوامرها بإغراق المدمرة الأمريكية على الفور، وحامت في البداية طائرات التجسس الإسرائيلية وتأكدت من أن السفينة أمريكية، ولكن ذلك لم يمنع من الاستمرار في استهدافها، فجاءت ثلاث قاذفات ميراج لتقصف السفينة، في الوقت الذي كانت تقوم فيه تلك الطائرات بعملية تشويش على الإشارات الصادرة من السفينة، وكانت تلك الطائرات غير معلمة ولا تضع العلم الإسرائيلي عليها، واستهدفت الطائرات السفينة الأمريكية بالذخيرة وبالقنابل وبالنبالم أيضًا، والذي استخدمته ضد القوات المصرية وهو محرم دوليًا، ثم أجهزت البحرية الإسرائيلية على السفينة باستخدام ثلاثة زوارق طوربيد، هذه المرة كانت تحمل بوضوح العلم الإسرائيلي، يبدو كان بالخطأ، وكل ذلك تم في المياه الدولية أيضًا، مما أسفر عن مقتل 14 أمريكيًا وجرح 171 آخرين، كل ذلك والعلم الأمريكي كان يرفرف بوضوح على متن السفينة ليبرتي.

وحتى اليوم ترفض الإدارة الأمريكية أن تجري تحقيقًا في تلك الحادثة المتعمدة بدم بارد من جانب الصهاينة وأسفرت عن مصرع وجرح عشرات الأمريكيين، فيما يحاول الناجون حتى اللحظة التحقيق في تلك الحادثة لمحاسبة إسرائيل، إلا أن الكونجرس الأمريكي أغلق القضية وخلص إلى أن ذلك الهجوم كان "حادثًا مؤسفًا" بطريق الخطأ.

واليوم تتكرر الجرائم الإسرائيلية ضد الإنسانية وضد الحرية في كل مكان، بعد أن استهدفت أسطولاً إنسانيًا يحمل مساعدات لغزة المحاصرة منذ سنوات من الجو والبر والبحر، وكان ذلك الأسطول يحمل مدنيين وناشطي سلام وشحنات إغاثية غير عسكرية، وهاجمتها إسرائيل في المياه الدولية بدون أن تدخل حتى إلى النطاق الإقلميي لغزة المحتلة والمحاصرة، وأسفر ذلك الهجوم عن مصرع ما يقرب من 19 وجرح العشرات.

إن ذلك الهجوم يكشف الوجه القبيح الحقيقي لإسرائيل أمام شعوب العالم، فالعربدة الإسرائيلية وصلت إلى منتهاها باستهداف تلك القافلة الإنسانية التي تحمل ناشطي سلام من جنسيات مختلفة، وبالأمس القريب استخدم الموساد جوازات سفر عدة دول لتنفيذ عملية اغتيال المبحوح على الأراضي الإماراتية، وقتلته بدم بارد وتحدت العالم كله بما في ذلك حليفتها بريطانيا، والتي كانت حذرت تل أبيب من قبل من استخدام جوازات سفر مواطنيها في عمليات الاغتيال، وهو ما يعرض أمن مواطنيها للخطر.

إن إسرائيل في عهد نتنياهو وليبرمان تخطت كل الخطوط الحمراء، ولكنها ليست جرأة بقدر ما هي حماقة سوف تؤدي إلى تداعيات خطيرة على ذلك الكيان الغاصب، فاليوم أصبحت شعوب العالم أكثر إدراكًا للهمجية والوحشية الصهيونية، وبالرغم من سقوط 19 شهيدًا في تلك القافلة، إلا أن تلك الحادثة سوف تمثل نقطة فاصلة في التاريخ الإسرائيلي، فالعالم اليوم أصبح قرية صغيرة ولم تعد الصهيونية العالمية هي المتحكمة في بث الأنباء حول العالم، ولكن الشعوب أصبحت الآن أكثر وعيًا وإدراكًا، ولم يعد ممكنًا التعتيم على جرائم مثل استهداف السفينة ليبرتي عام 1967، فاليوم يشاهد العالم بالصوت والصورة الإنزال الإسرائيلي المسلح على متن سفينة إغاثة إنسانية تحمل جنسيات مختلفة في المياه الدولية، واستهداف النشطاء العزل بالأسلحة الآلية وقنابل الغاز، وكل ذلك من شأنه أن يهدم القضية الإسرائيلية، وينزع الشرعية عن ذلك الكيان الغاصب أمام العالم، لتزداد عزلة إسرائيل عالميًا يومًا بعد يوم، وقد حذرهم القرآن في سورة الإسراء في وصف علو بني إسرائيل: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا 5 ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا 6 إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا 7 عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا 8 }، واليوم فإن الصهاينة في مرحلة الإساءة لأنفسهم بعد أن كانوا أكثر نفيرًا، {وإن أسأتم فلها}، ويتبقى وعد الله { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا}.

إن الكيان الصهيوني اليوم يتصرف بعنجهية وبتحد للعالم أجمع، دون مراعاة للأبعاد الإنسانية أو القانونية، ودون مراعاة للمدنيين أو نشطاء السلام الذين استهدفهم بدم بارد، وهذه بداية النهاية لهذا الكيان الغاصب، فاليوم توحد العرب والترك بل والعجم أيضًا في كره إسرائيل، واليوم لم تعد وسائل الإعلام حكرًا على الغرب، بل أصبحت القنوات تنقل تلك الإساءات والانتهاكات إلى العالم أجمع من قلب فلسطين المحتلة، وأصبحت إسرائيل أكثر عزلة على المستوى الدولي، كما ازداد كره الشعوب حول العالم لذلك الطفل اللقيط الذي أصبح يهدد الاستقرار والسلام في المنطقة والعالم.

بل أصبحنا نشاهد اليوم دولاً غربية تتحدى الحصار، وترسل سفن إغاثة بعد الاعتداء على قافلة الحرية، مثل إيرلندا المسيحية، بل وخرجت تصريحات الاستهجان من مختلف الدول الغربية حول العالم، ومن المؤسسات الدولية ومن الأفراد والدبلوماسيين في شتى بقاع العالم، ولم تعد إسرائيل تستطيع أن تبرر جرائمها بعد اليوم، ولم تعد تنطلي حملاتها المخادعة على أحد، كما بات نفيرها الإعلامي أكثر خفوتًا، وأصبح ذلك الكيان الغاصب أشبه بالقزم المختل بكذب بين وواضح للعيان.

والضامن الوحيد لاستمرار إسرائيل في جرائمها ليس عنجهيتها وتحديها لكافة القوانين والأعراف، ولكن الضامن الوحيد لها هو تفرق العرب والمسلمين، ولكن ذلك الوضع لن يدوم، وباتت تتشكل في الأفق علامات توحد الشعوب حول قضايا الحرية والعدل والحكم الرشيد، بل إن مثل تلك الجرائم هي الرابط الوحيد الذي يجمع شتات العرب والمسلمين في نواكشوط وصنعاء ووهران والقاهرة وأنقرة وكوالالمبور، ويخرج الناس في كل مكان تعبيرًا عن تضامنهم مع قافلة الحرية، كما كسب العرب والمسلمون اليوم حليفًا جديدًا في قضيتهم، حيث إن المصائب تجمع المصابينَ، ذلك الحليف الجديد هو أنقرة، التي باتت أكثر انحيازًا للقضايا العربية بسبب الدماء التي سالت واختلطت من الجانبين اليوم، وخرجت الجموع التركية تهاجم السفارة الإسرائيلية في أنقرة مثلما فعل العرب والمسلمون في شتى بقاع العالم، وأصبحت الاعتداءات الإسرائيلية قضية تركية أصيلة تلك المرة، وتلك خطوة أخرى على الطريق الصحيح.. الذي يلوح في نهايته المسجد الأقصى.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 1 يونيو 2010
  1. "الحرية" جرح بالعلاقة الأمريكية الإسرائيليةجلين كيسلر ـ واشنطن بوست ترجمة: محمد الزواوي مفكرة الإسلام : من المتوقع أن تؤدي العملية العسكرية الإسرائيلية في اعتدائها على أسطول غزة وما تلاه من إدانات دولية لهذا الهجوم إلى تعقيد جهود إدارة أوباما لتحسين علاقته الشائكة بتل أبيب ومن المتومقالات مترجمة · 5 د قراءة
  2. سقوط الدولة العامرية18 جمادى الآخرة 399 هـ مفكرة الإسلام : لقد مرت دولة الإسلام في الأندلس بعدة مراحل مختلفة تراوحت بين الضعف والقوة والوحدة والفرقة وصل عددها إلى عشرة مراحل، ويعتبر عصر الدولة العامرية أو ما يعرف بعصر الحاجب المنصور وأولاده من أزهى عصور الأندلحدث في مثل هذا اليوم · 2 د قراءة
  3. جولة في صحافة الثلاثاء 1 يونيونتناول في جولة الصحافة اليوم, الجريمة الإسرائيلية والمذبحة التي ارتكبتها في المياه الدولية بالبحر المتوسط. قالت صحيفة الديلي تليجراف في مقال عنوانه " إسرائيل وتركيا عندما تنتهي الصداقة " يتناول العلاقة بين إسرائيل وتركيا التي كانت أقرب صديقإريتريا · 17 د قراءة
  4. الناتو يعترف: طالبان أقوى من التوقعاتأعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي الناتو اندرس فو راسموسن اليوم الاثنين أن حركة طالبان الأفغانية أقوى مما كان يتوقع الحلف، زاعمًا أن قوات الاحتلال الأجنبية في أفغانستان ستحقق تقدمًا على الصعيدين العسكري والسياسي هذا العام. وتنتشر آلاف من العالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  5. أمريكا تعرقل إدانة العدوان الإسرائيليعرقلت الولايات المتحدة مشروع البيان الرئاسي الذي تقدمت به تركيا بدعم عربي إلى مجلس الأمن بشأن الهجوم الإسرائيلي ورفضت إدانة إسرائيل. وعطل الوفد الأمريكي مطالبة البيان بتحقيق مستقل في الهجوم على سفن أسطول الحرية الذي كان يحمل مساعدات إنسانيةالهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية · 2 د قراءة
  6. أنباء عن مصرع الرجل الثالث في القاعدةنعى تنظيم القاعدة في أفغانستان الرجل الثالث في التنظيم مصطفى أبو اليزيد، الذي وصف بالقائد العام لتنظيم قاعدة الجهاد في أفغانستان. جاء ذلك في بيان نشره موقع SITE الذي يراقب منتديات ومواقع الانترنت المقربة من تنظيم القاعدة الثلاثاء نقلا عن رسالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: الجريمة ضد الحرية