شاليط ورقة التوت الاسرائيلية

مفكرة الإسلام : احتلت قضية جلعاد شاليط الجندي الاسرائيلي الأسير لدى حركة المقاومة الاسلامية "حماس" مكانة بارزة فى ساحة الشرق الأوسط على مدى أربع سنوات متتالية، هى فترة أسره التي تخللتها أحداث خطيرة ومتعددة كادت أن تؤدي إلى اندلاع حرب إقليمية شاملة بمنطقة الشرق الاوسط، وكانت كلمة السر فى كل هذه الأحداث، جلعاد شاليط .
وبعيداً عن ما تروج له آلة الإعلام الصهيونية بشأن أسر شاليط وصفقة تبادل الأسرى بين حماس وتل أبيب، التى تطفو على الساحة من حين لآخر، فقد أصبح هذا الجندي رمزاً للإنكسار والفشل الإسرائيلي، وأن عجز حكومتين إسرائيليتين على التوالي فى الإفراج عنه- حسب ما أكده عدد كبير من المحللين والمعلقين الصهاينة- يكشف مدى ضعف ووهن القيادة الذي تعاني منه إسرائيل، وكسر شوكتها وقوة ردعها أمام المقاومة الفلسطينية. فى المقابل بات اسر شاليط رامزاً لصمود وانتصار حركة حماس التى نجحت فى أسره وإخفائه طوال تلك السنوات. لكن هذه القضية منذ بدايتها أثارت العديد من التساؤلات وعلامات الإستفهام، التى ظلت معلقة بدون إجابة أو رد حتى الآن وهى : هل تعجز إسرائيل حقاً بكل ما تمتلكه من أجهزة مخابراتية وتقنيات متطورة، تدعي بأنها الأفضل عالمياً فى معرفة مكان الجندي شاليط داخل قطاع غزة، الذى لا تتجاوز مساحته الـ360كيلو مترمربع؟ بما يعني قدرة فائقة للمقاومة الإسلامية حماس على إخفائه والمساومة به كورقة رابحة !
أم أنها تعلم بمكانه وتتركه ليكون بمثابة ورقة مساومة وضغط أخيرة تلاعب بها تل أبيب حركة حماس لتتخلى عن ثوابتها وحق المقاومة، أو ليكون ذريعة لها لتبرير أي عدوان صهيوني متوحش ضد قطاع غزة، على غرار عدوان 2008؟!.
فى حقيقة الأمرقد يكون لكل هذه التساؤلات إجابات متفاوتة ولا يمكن استبعادها ببساطة ، خاصة وإننا اعتدنا من الكيان الصهيوني الإلتزام بسياسة التلاعب والمماطلة، لكن هناك أسبابا خفية أخرى تتعلق بضرورة بقاء شاليط فى الأسر الفلسطيني لأطول فترة ممكنة، لأنه يمثل الآن الورقة الرابحة "الجوكر" فى حلبة الساحة السياسة الإسرائيلية القذرة، التى تشهد ركوداً أحياناً، ونشاطاُ أحيانا أخرى بسبب الجندي شاليط. وقد لاحظنا ذلك عبر وسائل الإعلام العبرية المختلفة على مدى السنوات الأربع المنقضية، ولمسنا كيف تحول شاليط إلى ورقة تتلاعب بها كافة الأحزاب الإسرائيلية، لتحقيق مكاسب سياسية محددة بداية من حكومة إيهود أولمرت، التى خُطف شاليط فى عهدها , ثم تسيبي ليفني , خصوصا بعد هجمة إعلامية وسياسية داخلية قوية في إثر حرب لبنان , ثم العدوان السافر على قطاع غزة وحربها ضد القطاع تلك الحرب التي لم تكن إسرائيل لتشنها بهدف تحرير شاليط حتى في هدفها المعلن , وإلا فما سبب القذائف العشوائية بآلاف الأطنان على البيوت والطرقات والتي قد يكون بديهيا من أثرها القضاء على أي مكان يكون شاليط مخبأ فيه !!
على المسار ذاته سارت تسيفى ليفني التى تولت الحكومة الاسرائيلية خلفاً لاولمرت واستخدمت شاليط كورقة دعائية فى الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة التى فاز فيها حزبها، "كاديما" ، بفارق صوت واحد عن حزب "الليكود" الذى يقود الحكومة الصهيونية الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو، الذى اعتبر بدوره الجندي الأسير " بوليصة التأمين" التى تضمن له بقاء إئتلافه الحكومي الهش، يستخدمها ويلوح بها عندما يشعر بأن حكومته على وشك السقوط فى الهاوية وباتت فى مهب الريح، وذلك لاكتساب الشعبية المطلوبة فى الشارع الإسرائيلي. وفى هذا الصدد اعترفت أوساط صهيونية بأن الحكومة الاسرائيلية تستخدم شاليط كوسيلة لتبرير سياستها العدوانية ضد الفلسطينيين وهو ما أشار إليه الكاتب والمفكر الإسرائيلي دافيد جروسمان الذي أكد بمقالة له بصحيفة هاآرتس العبرية بتاريخ 6/7/2010 بأن حكومة تل أبيب تستخدم شاليط كذريعة لمواصلة الحصار الذي تفرضه على قطاع غزة، مشيراً إلى أنه ليس هناك أي مبرر للتعنت فى الاستجابة لمطالب حماس بالإفراج عن الأسرى الفلسطينيين الذين تطالب بالإفراج عنهم فى مقابل تحرير الجندي الأسير الذي بسببه يفرض حصار قطاع غزة. وفى نهاية مقاله أكد جروسمان، أن هذا الحصار ليس مفروضا فقط على غزة، بل على إسرائيل، والذي سيرفع عنها بالإفراج عن الجندي شاليط . ويتفق مع هذا الرأي السياسي الإسرائيلي "ليف جرينبرج" الذي أكد فى مقالة له بصحيفة يديعوت أحرونوت بعنوان " شاليط- ذريعة لسياسة الحكومة" بأن الجندي جلعاد شاليط أصبح بمثابة سلاح تستخدمه حكومة نتنياهو فى حربها الاعلامية ضد الفلسطينيين عموماً ، وضد حركة حماس على وجه الخصوص. وكشف اليساري "جرينبرج" عن عدم رغبة إسرئيل فى الإفراج عن شاليط لتثبت أمام العالم كم هم سيئون رجال حركة حماس.
تساؤلات أخرى متتابعة من قبيل السؤال عن سبب التعنت الإسرائيلي في الإفراج عن هؤلاء الأسري برغم كون معظمهم قد انتهت مدة محاكمتهم , وكون غالبهم من المدانين بجرائم لا من ابناء المقاومة - بحسب الشرط الإسرائيلي - , كذلك تساؤل آخر عن علاقة السلب والإيجاب في تحريك ملف شاليط بعدا أو قربا مع حماس متعلقا بالرغبة الأمريكية في الانفتاح على حماس ومساومتها من عدمه , وتساؤل ثالث حول التباطؤ في إنفاذ صفقة الأسرى بمقابل شاليط برغم أثرها الإيجابي داخليا في تحسين وتلميع صورة الحكومة الإسرائيلية , مع بساطة وسهولة اعتقال أفراد الشعب الفلسطيني الأعزل في مواجهة الآلة اليهودية العاتية في أية لحظة وأن لا حدود للرغبة اليهودية في تعقيد الأمور ( سبق واعتقلت اسرائيل رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني وكثير من القادة الفلسطينيين ليس آخرهم مروان البرغوثي ) ما ينبىء برؤية إسرائيلية خاصة وراء التصريحات السياسية الظاهرة .
على أية حال وبعيداً عن مفاوضات الشد والجذب بين حركة حماس وتل أبيب بشأن إتمام صفقة تبادل الأسرى والتى فى إطارها ستفرج إسرائيل عن 1000أسير فلسطيني فى مقابل الإفراج عن شاليط، يمكننا أن نجزم وبشكل لا يدع مجالاً للشك أن شاليط صار يعتبر ورقة التوت الأخيرة التى تخفي عورة الكيان الصهيوني وعجزه فى كسر إرادة وصمود الشعب الفلسطيني وحركة حماس، التى أختارها الفلسطينيون بإرادتهم . فقد اعترف قادة الكيان الصهيوني فى أكثر من مناسبة بقوة بأس حركة حماس، على الرغم من محاولات آلة الإعلام الصهيونية للترويج من أكاذيب واتهامات باطلة لها، بداية من تجسيدها كشبح إسلامي يهدد استقرار الدول العربية البراجماتية، مروراً بوصفها الذراع الطولى الجديدة لطهران فى قلب الوطن العربي، وأن حماس فى غزة ستكون نقطة إنطلاق لنشر المذهب الشيعي فى مختلف الدول العربية السنية، وانتهاء بتعكير صفو العلاقات بين الفلسطينيين والقاهرة، ولعل خير دليل على ذلك التصادم الأخير بين حركة حماس والإدارة المصرية.
فإسرائيل حتى الآن عجزت فى إسقاط حركة حماس بكافة الوسائل، فهل بانتهاء أزمة الجندي شاليط عاجلاً أم آجلاً ستسقط عنها ورقة التوت الأخيرة وتكشف عورتها أمام العالم ليعرف مدى قبح الوجه الصهيوني؟....هذا ما ستكشفه لنا الأيام القادمة.