معضلة الرئاسة المصرية

محمد سليمان الزواوي[1]
مفكرة الإسلام : تدخل مصر في الأيام القليلة القادمة معتركًا سياسيًّا جديدًا ألا وهو السباق على منصب رئيس الجمهورية؛ فللرئاسة مكانة مركزية في حياة الشعوب العربية عامة وفي الحالة المصرية خاصة، بعد عقود من تملك الرئيس لكافة خيوط الحياة السياسية في البلاد وتربعه على رأس أهم الأفرع والمؤسسات السيادية التي تتحكم بخيوط المجتمع، كما كان الرئيس في الحالة المصرية يعين رئيس الوزراء أيضًا حيث لا يأتي بالانتخاب ـ كالنظام الفرنسي الذي استقى منه المصريون نظامهم شبه الرئاسي على سبيل المثال ـ وكل الوزراء كانوا يعتبرون سكرتارية للرئيس؛ لذلك فإن المعركة القادمة ستكون حامية الوطيس، في البرلمان أولاً، من أجل تحديد شكل النظام السياسي المصري عبر الدستور، سواء كان برلمانيًّا أم رئاسيًّا أم مختلطًا.
وتشهد الحلبة صراعًا محمومًا بين مدرستين أحدهما ذات مرجعية إسلامية بمكوناتها وأطيافها المختلفة، والأخرى مدرسة ليبرالية بمكوناتها المختلفة أيضًا؛ ولكن حتى الآن لا يوجد مرشح رئاسي استطاع أن يرسم نفسه كرئيس مصر القادم بكاريزمية طاغية أو فارق واضح في الإمكانات ببون شاسع عن أقرب منافسيه، بل تشهد الحالة المصرية استقطابًا خاصًّا بين الإسلاميين؛ وهو ما ينذر بتشرذم الأصوات لصالح مرشحي النظام القديم، سواء كان شفيق أو عمرو موسى، أو الفريق حسام خير الله، الجواد الرابح الذي أتى من الخلف سريعًا ليصل إلى المقدمة، مدعومًا بأجهزة سيادية عملت على تلميعه بعيدًا عن الأضواء في الفترة الماضية.
ويأتي ترشح الرئيس أيضًا في ظل تجاذب للآراء داخل الصف الإسلامي: هل من المصلحة الدفع بمرشح إسلامي أيًّا كان انتماؤه؟ أم أن المرحلة تقتضي أن يكون البرلمان إسلاميًّا والرئيس من خارج الإسلاميين، لتحقيق مصلحة عليا في توازن دفة الوطن وعلاقاته الخارجية وشبكة تحالفاته العربية والغربية، كما أن هناك جدلاً نظريًّا يدور أيضًا بشأن نوعية الرئيس المطلوب في فترات التحول الديموقراطي: هل الأفضل رئيس كاريزمي ديماجوج يخاطب السواد الأعظم ويلتفوا حوله، أم زعيم صلب حاد يختار طريقًا ويسير فيه بدون الالتفات إلى غابة الآراء والتحليلات في الشارع، أم إلى رئيس توافقي يحاول أن يلم شعث الحركات والتيارات المتوالدة يوميًّا صعبة الإرضاء؟
لقد كان عبد الناصر صلبًا ديماجوجيًّا استطاع حشد الشعب من ورائه حتى النكسة، في حين كان السادات معتدًّا برأيه منفردًا وسار عكس اتجاه كل القوى الوطنية ووضعهم في السجون وسار إلى كامب ديفيد، أما مبارك فكان توافقيًّا مع الغرب و"إسرائيل"، قمعيًّا ضد شعبه، زوَّر إرادتهم وكبت أصواتهم طيلة ثلاثين عامًا، ونحن الآن في منحنى تاريخي صعب لم يعد بالإمكان إسكات الشارع أو قيادته كالنعاج، كما لا يستطيع الزعيم الجديد أن يصطدم بالقوى السياسية أو يضربها ببعضها البعض؛ كما أن لديه إعلامًا شرسًا وصحافة زاعقة، ومطالب لا تنتهي من الجميع، كما أن السياق الحالي عبارة عن تركة مهترئة اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا؛ وسيتم مقارنة أي رئيس بالفراعين السابقين ـ من ناحية الهيبة والزعامة الزائفة و"الهتيفة" ـ وسيكون على الرئيس القادم أن يثبت أنه على قدر المسئولية في بيئة صاخبة الجميع فيها يريد أن يكون ناقدًا وليس مصلحًا، وشارع يحمل لافتات: "يسقط الرئيس القادم" قبل أن ينتخب، وخزانة خاوية وتيارات متعارضة حتى داخل الصف الواحد، ورؤية ضبابية لمستقبل مصر في ظل التحولات الإقليمية والدولية.
ونعود إلى الإشكالية الكبرى: هل من المصلحة أن يتحمل الإسلاميون تركة مبارك بكاملها ـ برلمانًا ورئاسة ـ أم أنه من الحكمة توزيع الحمل على اثنين: برلمان إسلامي مع رئيس ليبرالي؛ فالإخفاق سيكون على الجميع والنجاح كذلك؟ وإذا جاء إسلامي هل من المصلحة أن يأتي من أقصى اليمين ـ حازم أبو إسماعيل ـ أم من أقصى اليسار ـ عبد المنعم أبو الفتوح ـ أم من الوسط غير المحسوب على طرف ـ محمد سليم العوا ـ ؟ أم أن وجود رئيس ليبرالي سيؤدي إلى توحيد الصف الإسلامي في مواجهته حيث إنه من المتوقع نشوب معارك برلمانية بشأن الصلاحيات كما يحدث في معظم دول العالم، وستدور رحى معارك حول الثوابت من جديد، مما سيؤدي إلى تقارب الأجندات الإسلامية كما شهدنا في معركة الهجوم على الإخوان وانحياز السلفيين إلى صفوفهم، ومن ثم تبني الحركة الإسلامية مجتمعة لها منصات قفز جديدة للمرحلة التالية، بدلاً من أن تدخل في مرحلة تكسير عظام بين بعضها البعض في حال وجود رئيس إسلامي يحار في مغازلة الجميع فيختار الانحياز ويحدث الاستقطاب والتشرذم؟
إن الأنباء التي رشحت عن انحياز الإخوان إلى ترشيح منصور حسن كرئيس توافقي ـ وهو رجل "بلا بصمات" بوجه خشبي لا ينبئ بما ورائه ولا يحمل كاريزما ولا قدرات ديماجوجية ولا نوايا صدامية ـ ربما تقوي سيناريو أن الإخوان سيعملون على تعديل الدستور لتصبح مصر دولة برلمانية ويحتفظوا بمنصب رئيس الوزراء لأنفسهم ـ ربما خيرت الشاطر ـ وعمل حكومة ائتلافية من كل القوى الوطنية وتوزيع الحمل على الجميع، أملاً في أن يتم تعديل الدستور بعد ذلك عندما تسنح الظروف، بالرغم ما بذلك الخيار من سلبيات جمة شهدتها مصر قبل انقلاب 1952 في عدم استقرار الحكومات الائتلافية الهشة والحال كذلك أيضًا في الكثير من الدول البرلمانية ـ مثل الكيان الصهيوني وتركيا قبل قدوم العدالة والتنمية ـ، وهل هذا الخيار سيكون في صالح مصر ـ المريضة اجتماعيًّا والمفلسة اقتصاديًّا ـ؛ خاصة في ظل التخفيض الدائم للتصنيف الائتماني لمصر بسبب عدم استقرار حكوماتها؟
يبدو أن الجميع اتفق على ألا يتفق، فكل حزب بما لديهم فرحون: الإخوان ماضون في طريقهم، وكذلك السلفيون، ما بين رأيين: نرشح مرشحًا إسلاميًّا للرئاسة فقد كسرنا التابوه وفرضنا واقعنا على الغرب، وفريق إسلامي يرى أن ذلك ليس من المصلحة الآن لعدم تكرار تجربة حماس، وبقية الأحزاب الأخرى تتصارع على كعكة اللجان البرلمانية، والشوكة الإسلامية ثلاثية الأسنان من مرشحي الرئاسة سوف تحطم بعضها بعضًا في الأصوات الانتخابية، بدون نية على الإطلاق للتنسيق فيما بينهم، والشارع يمضي في طريقه مطالبًا بالرئاسة أولاً، والعسكري ماض في طريقه بالالتزام بالجدول الزمني، وتظل معضلة الرئاسة المصرية تسير في طريق الاحتكام إلى الصناديق بدون تنسيق يذكر أو النظر إلى المصلحة العليا المشتركة للبلاد ولفصائل الإسلاميين.
ينبغي على الجميع أن ينظر إلى مصلحة الدولة المصرية كحالة الحجر الأسود عندما قام النبي صلى الله عليه وسلم باقتراح الثوب ليحمله الجميع فيه، يجب أن تكون الحلول في مصر الثورة توافقية وأن تتقارب الرؤى والفصائل خاصة داخل التيار الواحد، لذلك أدعم خيار الحلول التوافقية بين القوى والفصائل السياسية حتى لو كان ذلك منصور حسن نفسه؛ فمنصب الرئاسة انطفأ بريقه وسيعد حملاً ثقيلاً بعد أن استلم الشعب زمام المبادرة من جديد: فلن يصفق أحد ولن نسمع طبلاً أو "بالروح بالدم نفديك"، كما أن الرئيس الجديد لن يملك جوقة بصناعة ثورية؛ ولنا في منصف المرزوقي آية، كما أن منصب الرئيس سيتحمل الضربات وسوف ينال نصيبه من الهجوم كرئيس الوزراء ولن يملك الرئيس "صدادة" كما كان السابقون يفعلون برؤساء وزرائهم ويستبدلونهم بحكوماتهم بعد أن يهترئوا ويصبحوا مثل المصفاة التي لا تمنع نقدًا ولا تحجب ضوءًا؛ كما أن أبو الفتوح نفسه إذا أصبح رئيسًا وخرج عليه شاب يقول له: إنك تقرب المنافقين ـ مثلما فعل مع السادات عندما كان أبو الفتوح شابًّا بعد أن دار الزمان دورته ـ لن يستطيع حينها أن يقول له أبو الفتوح: قف مكانك؛ فالشعب لم يعد هو الشعب، والسياق لم يعد هو السياق، فالرئيس القادم سيكون بمثابة كيس الملاكمة الذي سيتلقى الضربات ـ مثله مثل رئيس الوزراء ـ وعلى الحكماء أن يبتعدوا حتى تعبَّد الأرض للسباق وحتى ينجلي الغبار ويظهر ضوء الصباح في الأفق من جديد.
[1] باحث في العلوم السياسية ومدير تحرير "مفكرة الإسلام".