مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

ما وراء "هجليج".. بوادر الفتنة وآفاق الحل

7 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

بقلم: مجدي داود

Mdaoud_88@hotmail.com

لم يكن إقدام جنوب السودان على مهاجمة واحتلال منطقة هجليج السودانية الغنية بالنفط أمرًا مفاجئًا، بل إن خطوة كهذه كانت منتظرة منذ شهور، حيث كانت الأمور على وشك الانفجار، ويتم تسكينها ببعض الخطوات أو التصريحات، لكنها لم تكن حلولاً للمشكلة الكبيرة بين الطرفين، التي سببها انفصال جنوب السودان الذي تم العام الماضي بشكل سريع وقبل أن يتم حل كافة المشاكل والعلاقات الثنائية التي تحتاج إلى جهد كبير وتنازل من الطرفين مع تدخل وسطاء نزهاء يريدون تحقيق المصالح للبلدين وليس التآمر على أحدهما، ومجاملة الآخر وإعطائه ما ليس له ليس لشيء إلا لهدف الطرف الأول وخنقه.

لم يكن انفصال جنوب السودان حلاًّ لمشكلة الجنوب؛ لأن دولة الجنوب محكوم عليها بالفشل قبل أن تقوم، فهي دولة محصورة ولا تطل على البحر، وليس لديها أي موارد إلا النفط، ويعمها الجهل والفقر والمرض والقبلية العصبية، والفساد الذي استشرى داخل الحركة الشعبية، وإنما كان الانفصال جزءًا من مؤامرة كبرى على السودان وبداية مرحلة جديدة من هذه المؤامرة التي يتم التخطيط لها منذ عقود مضت، وقد أُجبر السودان إجبارًا على التوقيع على اتفاقية نيفاشا التي أدت إلى الاستفتاء ثم الانفصال، ولكن سرعة الجنوب في إعلان قيام الدولة قبل الانتهاء من تسوية المشاكل العالقة جعل هذا الانفصال قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أهم الأخطاء التي واكبت إعلان الانفصال هو عدم ترسيم الحدود بين البلدين والانتهاء من حسم المناطق المتنازع عليها، وعلى رأسها مدينة أبيي النفطية، وقد هدد الرئيس السوداني عمر البشير بالحرب إذا أصر الجنوب على ضمه، وكذلك منطقة جنوب إقليم كردفان شرق السودان، بالإضافة إلى مشكلة تصدير النفط الجنوبي عن طريق البنية النفطية التحتية لدولة السودان، علمًا بأن الجنوب بات يمتلك 75% من النفط الذي كان يمتلكه السودان قبل الانفصال، وهو ما شكل أزمة كبيرة عندما امتنع الجنوب عن تسديد تكاليف نقل النفط الجنوبي عبر الشمال لتصديره وهي أحد الأسباب الرئيسة لهذا الهجوم على هجليج.

فقد اندلعت الخلافات قبل شهور حول تكاليف نقل البترول الجنوبي عبر الشمال لتصديره من خلال الموانئ السودانية، ورفضت الحكومة الجنوبية تسديد هذه التكاليف التي تعتمد عليها الخرطوم اعتمادًا كبيرًا في ميزانيتها العامة بعد فقدانها 75% من الموارد النفطية، فاضطرت الخرطوم إلى وقف تصدير النفط الجنوبي، حتى تقوم بتسديد التكاليف، واتهمت جوبا الخرطوم بتصدير شحنة من النفط لصالحها، وتصاعد الخلاف بينهما، ووصل الأمر إلى اندلاع اشتباكات مسلحة بين الجانبين، وأخيرًا جلسا في مفاوضات مباشرة في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا بداية هذا الشهر، قبل أن يتم إعلان فشل المفاوضات في الخامس من أبريل.

لم تمر سوى أيام قليلة على فشل المفاوضات حتى شنَّ الجنوب هجومًا شديدًا على منطقة هجليج التابعة للشمال الغنية بالنفط، وقبلها بساعات أعلن وزير الإعلام في جنوب السودان بارنابا ماريال بنجامين إصابة أربعة مدنيين بينهم طفل بجروح نتيجة قصف الطائرات السودانية لمنطقة أبيمنون على بعد حوالي أربعين كلم من الحدود بين البلدين، واتهم بنجامين الجيش السوداني بالتحرك للاستيلاء على حقول النفط بولاية الوحدة بجنوب السودان.

على الرغم من أن المنطقة ليست من المناطق المتنازع عليها، إلا أن احتلالها جاء لتحقق جوبا من وراء ذلك عدة أهداف سياسية واقتصادية، من ضمنها الوصول إلى تسوية مناسبة لتصدير النفط الجنوبي عبر الشمال، بما يحقق مصالح أكبر وأكثر لدولة الجنوب على حساب مصالح الخرطوم، خصوصًا أن خط الأنابيب المزمع إنشاؤه مع كينيا والذي أعلن عنه الجنوب بعد زيارة للكيان الصهيوني سيستغرق وقتًا طويلاً جدًّا، علمًا بأنه سيتكلف كثيرًا بما يفوق تكاليف نقله عبر الشمال لسنوات طويلة، وهو ما يعني خسارة كبيرة للجنوب، وفي ذات الوقت توقف بيع النفط يعود سلبًا على الاقتصاد الجنوبي المتدهور.

تعتبر منطقة هجليج من أهم المناطق السودانية حاليًا، نظرًا لأنها منطقة غنية بالنفط، وقيام الجنوب باحتلال المنطقة يمنع السودان من الاستفادة من هذه المنطقة، كما أن احتلالها دفع السودان إلى إعلان الحرب لتحرير المنطقة وهذا أمر منطقي، ولكنه أمر خطير اقتصاديًّا على السودان؛ إذ إنه سيتعرض لضغط اقتصادي كبير، مما يزيد الاقتصاد السوداني سوءًا على سوئه، وهو ما قد تكون له آثار سلبية على الصعيد السياسي قد يدفع الخرطوم لقبول شروط معينة أو الموافقة على الابتزاز الذي ستتعرض له عند الجلوس على طاولة المفاوضات، وفي ذات الوقت قد يستغل المتمردون في دارفور وشرق السودان هذا الأمر لتكثيف هجومهم على السودان، واستكمال تنفيذ المؤامرة على ذلك البلد العربي.

تهدف جوبا من وراء ذلك أيضًا إجبار الجيش السوداني على الانسحاب من منطقة أبيي النفطية المتنازع عليها، إذ رفض الرئيس الجنوبي سيلفا كير الانسحاب من هجليج والانصياع للنداءات الدولية مؤكدًا أنه لن ينسحب قبل انسحاب الجيش السوداني من أبيي، بل تجاوز ذلك إلى إعلان نيته إرسال الجيش الجنوبي إلى أبيي في حال لم تنجح الأمم المتحدة في إخلائها من القوات السودانية، إلا أن هذا التهديد يصعب تنفيذه حيث لن تستطيع جوبا فتح العديد من الجبهات مع السودان، ولأن أبيي توجد بها قوات دولية، لكنها قطعًا ستقاتل حتى النفس الأخير في هجليج كي تحقق هدفها بانسحاب الجيش السوداني من أبيي، كما تستهدف منها إرسال رسالة إلى الخرطوم مفادها أن المصالح السودانية الشمالية معرضة للخطر دومًا، وأن آبار النفط في مرمى النيران الجنوبية، في حال ما إذا كانت مصالح الجنوب معرضة للخطر، وأنها تستطيع من خلال هذا فرض ما تشاء على الخرطوم لتحقيق مصالحها.

يعاني جنوب السودان من مشاكل داخلية جمة، من أهمها الفقر والتخلف والمرض، والتنوع القبلي، ووجود مشاكل إثنية بين الجنوبيين وبعضهم البعض، وانتشار الفساد بين قادة الحركة الشعبية المسيطرة على الحكم، وتمرد بعض الفصائل المسلحة على الحكومة التي لم تأت عن طريق الانتخابات وإنما بحكم أنها هي التي كانت تقاتل السودان، وفشلت الحكومة في تحقيق مطالب الجنوبيين بعد الانفصال، وأدرك الجنوبيون أن وعود الحركة الشعبية لهم من أجل التصويت بالانفصال ليس لها وجود على أرض الواقع، ولهذا فإن شن حرب مع السودان يجعل الجنوب كله موحدًا خلف الحركة الشعبية وتهرب من الاستحقاقات المطلوبة داخليًّا في الجنوب والتغطية على فشلها.

هذه هي أهداف الجنوب من احتلال هجليج، ولهذا فإن على حكومة الخرطوم تكثيف العمل العسكري الجاد والسريع لاستعادة هجليج، فإن الجنوب يراهن على أن الخرطوم لن تدخل في حرب من أجل استعادة هجليج، فاستعادة هجليج بشكل سريع وبسط السيطرة السودانية الكاملة عليها أمر ضروري، قبل أن يتم فرض وقف لإطلاق النار من قبل المجتمع الدولي، فهناك بعض الجهات الدولية تتحدث عن تأثير طلعات الجيش السوداني وغاراته الجوية التي يبدو أن المقصود منها إدانة السودان تدريجيًّا.

أيضًا على الجيش السوداني التنبه إلى المناطق النفطية التي تقع تحت مرمى نيران الجنوب أو المتمردين في دارفور وغيرها، فمن غير المستبعد أن يتم استهداف مناطق إنتاج النفط لتضييق الخناق الاقتصادي على حكومة الخرطوم، وكذلك الاستعداد لفتح أي جبهات جديدة مع الجنوب أو المتمردين بدارفور خاصة في حال تحقيق الجيش السوداني انتصارات في هجليج، حيث ستكون هناك محاولات لتشتيت جهوده في أكثر من مكان لتأخير وعرقلة استعادته لهجليج.

الخرطوم عليها أن تعمل على فضح مخططات جنوب السودان وعلاقاتها مع الكيان الصهيوني والتعاون العسكري بين البلدين، والاتفاقيات السرية بينهم التي يكشف عنها مسئولون جنوبيون، ومخططهم لاستكمال تقسيم السودان إلى أربعة دويلات، وخنقه اقتصاديًّا لدفعه للقبول بالشروط التي تفرض عليه، ولعل موقف الجهات الدولية المتخاذل من العدوان الجنوبي على الأراضي السودانية، وتسويتها بين المعتدي والمعتدى عليه، والدعوة لوقف فوري لإطلاق النار قد يشير إلى أن ما حدث قد تم بعلم مسبق لدى هؤلاء، أو أنهم لا يعارضونه بقوة.

على حكومة الخرطوم أن تروج لفشل حكومة جنوب السودان داخليًّا في تحقيق ما كانت تعد به الشعب الجنوبي قبل الانفصال، وعجزها عن مواجهة المشاكل الداخلية، والتأكيد على أن محاولة تصدير الأزمات السودانية إلى السودان، لن يجدي مطلقًا، بل سيعود سلبًا على الشعب الجنوبي، وسيزيد من تفاقم الأزمات الداخلية في حين أنه لن يخدم سوى الحركة الشعبية، وهذا الترويج من شأنه أن يفض بعض مؤيدي الحركة في جنوب السودان عنها، بعدما تتكشف لهم الحقيقة، كما أنه سيتم إضعاف موقف الحركة لدى بعض الدول الغربية والآسيوية مثل الصين التي ترتبط بعلاقات قوية مع السودان وتستورد النفط السوداني.

الإصلاح السياسي والاقتصادي السوداني الداخلي أمر في غاية الأهمية، لمواجهة مخططات اللعب على الانقسام الداخلي، ولتوحيد الصفوف خلف الجيش السوداني لمواجهة المؤامرات، ولكي تستطيع الحكومة دعم الجيش السوداني بما يحتاجه لاستعادة المنطقة، فإن لم يكن ذلك مستندًا إلى توافق شعبي ورسمي، فإن الحكومة السودانية ستبقى متخوفة من تحركات المعارضة التي تعلن صراحة نيتها الإطاحة بالبشير، وهو ما سيعود بالسلب حتمًا على أداء الجيش السوداني في المعارك لاستعادة هجليج، وهذا يقوي موقف الجنوب ويطيل مدة سيطرته على هجليج، وما يعنيه ذلك من تحصين المدينة وإحكام النفوذ بحيث يصعب على الجيش السوداني تحريرها.

الانتهاء من ترسيم الحدود بين السودان وجنوب السودان وحسم تبعية المناطق المتنازع عليها بات أمرًا ملحًّا غير قابل للتأجيل أكثر من ذلك، إلا أن هذا لا يجب ولا يصح أن يحدث تحت إرهاب السلاح واحتلال هجليج، بل على الخرطوم أن تحذر من الجلوس على طاولة المفاوضات قبل تحرير هجليج وكافة المناطق التي تحتلها جنوب السودان، ثم بعدها يتم الجلوس إلى طاولة المفاوضات لحل المشاكل العالقة كافة بما في ذلك مشكلة نقل وتصدير النفط الجنوبي، ومشكلة إقليم أبيي الغني بالنفط.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 19 أبريل 2012
  1. معركة أجنادينمما يجب الإشارة إليه قبل الحديث عن هذه المعركة، أن هذه المعركة مذكورة في كتب السير والتاريخ مرتين: بأحداث مختلفة وسياق مختلف، وفي أوقات مختلفة، ولكن تحت المسمى نفسه، والقيادة نفسها، وضد العدو نفسه، وهذا أدى بالكثيرين إلى أن يجعلوها معركة واحدث في مثل هذا اليوم · 2 د قراءة
  2. مسلمو الفلبين وأفعى التنصير إلى أين؟إن سرطان التنصير الخبيث الذي تسلل إلى جسد الأمة الإسلامية في نعومة الأفعى وخطورتها, وما طمعت الدول الأوربية في الاستيلاء على بلد أو إقليم من الشرق عمومًا إلا وسبقت إليها بافتتاح المدارس بمرسَليها الدينيين ومن تخلق بأخلاقهم, ليعدوا لها طريق نحن والغرب · 9 د قراءة
  3. اضحك مع العنصريةقديمًا قالوا في الأمثال: إن "شر البلية ما يضحك" وهذا هو صلب موضوع اليوم الذي نستعرض فيه بعض المواقف العنصرية التي يتعرض لها إخوتنا أبناء الأقليات الإسلامية في عدد من الدول الغربية والشرقية والتي هي فعلاً من شر البلاء الذي يضحك مع أنه يدمي انحن والغرب · 7 د قراءة
  4. الأندلس دمعة لم تجفإخوتي.. أخواتي، نعرض في موضوعنا اليوم قضيةً من أهم قضايا العالم الإسلامي, وسنتفحص بعين ثاقبة جرحًا من أهم الجراح التي عانى منها جسد الأمة الإسلامية, وبيد طبيب سنكشف عن هذا الجرح علَّ الإحساس بآلامه يعود للأمة الإسلامية فتنهض بهمة لمحاولة إينحن والغرب · 7 د قراءة
  5. الانحراف الأسري خطر يهدد البيوتعمر السبع نناقش في هذا المقال قضية هامة تهدد مجتمعنا العربي والإسلامي وتهاجم كل البيوت إلا من رحم الله عز وجل، ألا وهي ظاهرة الانحراف الأسري، تُرى لماذا تنحرف البيوت؟! لماذا يضيع الأولاد؟! لماذا تفقد الأسرة سيطرتها على زمام الأمور؟! كثيرًا أطفالنا · 7 د قراءة
  6. فضيحة جديدة للجنود الأمريكيين في أفغانستاننشرت صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" الأمريكية عيِّنةً من مجموعة صور تُظهر عددًا من جنود جيش الاحتلال الأمريكي وهم يقفون بجانب أشلاء بشرية لمسلحين أفغان، الأمر الذي دفع واشنطن إلى التنديد بنشر صور هذه المشاهد. وقال وزير الحرب الأمريكي ليون بانيتا الأمريكتان · 2 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: ما وراء "هجليج".. بوادر الفتنة وآفاق الحل