مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

أكذوبة مصر الباكستانية

7 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

كتبه للمفكرة/ شريف عبد العزيز

shabdaziz@hotmail.com

مادام الجيش مازال موجودًا وحاضرًا بقوة في المشهد السياسي المصري، فلن يحدث انتقال حقيقي للسلطة، وستظل مصر رهينة مرحلة انتقالية لا يعلم مداها إلا الله.

هذا هو التعليق الأولي لكثيرين من الخبراء والمحللين السياسيين والإستراتيجيين داخليًّا وخارجيًّا على الحالة المصرية التي أفرزتها صناديق الانتخاب، والتي أتت بأول رئيس مدني إسلامي للبلاد منذ انقلاب 52، فكثير من الآمال والطموحات والأماني قد تكسرت على صخرة بقاء المجلس العسكري بصلاحيات وسلطات نافذة وواسعة في السياسة العامة للبلاد، وسرت مخاوف من أطراف عديدة من تكرار النموذج الباكستاني في مصر، وقد عبر عن هذه المخاوف العديد من المحللين السياسيين مثل الدكتور عمار علي، حسن، والدكتور عمرو الشوبكي، والناشط القبطي مجدي خليل، ووجدت هذه المخاوف صدى واسعًا عند قطاعات قلقة ومتوترة من الأساس بسبب صعود تيار الإسلام السياسي، وفوز الدكتور محمد مرسي برئاسة البلاد بعد حرب شرسة مع الفلول ممثلين في أحمد شفيق. والحقيقة أني أتفق مع أي مخاوف تصدر من أي طرف في الظرف الراهن، وأعتبرها مخاوف مشروعة في ظل بقاء العسكر بكل هذه الصلاحيات والسلطات في المشهد السياسي المصري، فقد خلق وجود العسكر طوال الفترة الماضية أنواعًا شتى من التوترات والاضطرابات والاختلافات على شتى المسارات، وكانت إدارتهم للبلاد تتسم بالضبابية والفوضى والتخبط المنهجي وليس العشوائي.

هذا التصلب السياسي الذي اتسمت به إدارة الجيش للمرحلة الانتقالية، وإصراره على البقاء في السلطة، ثم صعود نجم الإسلاميين هو الذي دفع الكثيرين للتفكير في النموذج الباكستاني، فصحيفة الديلي تليجراف البريطانية نشرت تقريرًا عقب فوز الدكتور مرسي بالرئاسة قال فيه كاتبه شاشانك جوزي: إن المؤشرات الواقعة في مصر بعد الانتخابات توحي بأن العسكر في مصر قرروا ارتداء القميص الباكستاني عبر إنتاج ديمقراطية شكلية يكون مصير البلاد فيها الفشل الذريع، وقد لفت الكاتب النظر إلى أن الانقلاب القضائي الذي قاده العسكر في مصر ضد المجلس المنتخب تزامن مع قيام المحكمة العليا الباكستانية بعزل رئيس الوزراء رضا جيلاني بدعوى التورط في قضايا الفساد، ويقول: إن الجيشين المصري والباكستاني غير مستعدين للتنازل عن السلطة في البلدين، ويرى نفسه الأحق بقيادة البلاد.

ولكنَّ المتمعن في طبائع البلدين وتاريخيهما وظروفهما السياسية والاجتماعية والتركيبة السكانية فيهما يعلم جيدًا أن مصر لن تكون أبدًا باكستان، فثمة فوارق جوهرية لا يمكن تجاوزها بسهولة، واختصار المشهد السياسي بين البلدين في بقاء سلطة العسكر في كلا البلدين، والعلاقات المتينة بينهما وكذلك العلاقة المتميزة مع الأمريكان، هذه الأمور لا تكفي وحدها للحكم على تحول مصر إلى باكستان عربية، فالفوارق أكبر بكثير من المشتركات، وهي التي تحسم باستحالة تطبيق النموذج الباكستاني في مصر، ومن هذه الفوارق:

أولاً: طبيعة التركيبة العسكرية في البلدين؛ فالجيش الباكستاني صاحب خبرة طويلة في السياسة منذ الستينيات من القرن الماضي، وكوادره العسكرية ورتبه المختلفة معظمها تلقى تثقيفًا سياسيًّا مركزًا، وازدادت وتيرته أيام الجنرال ضياء الحق، بل نستطيع أن نقول: إن خبرة عسكر باكستان السياسية تفوق خبرات السياسيين المدنيين بها، كما أن عسكر باكستان ظلوا لفترة طويلة يتولون ملف العلاقات الخارجية وخاصة العلاقات مع أمريكا منذ بداية الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، مما جعلهم أكثر فهمًا ووعيًا وإدراكًا بسياسات الأمريكان ودسائسهم ومؤامراتهم، وأكثر مهارة وقدرة على مواجهة هذه السياسات، وهذا الأمر لا ينطبق على الجيش المصري الذي ظل مغيبًا عن العمل السياسي لأربعة عهود متتالية، في ظل تحييد السادات ومبارك لقيادات الجيش عن العمل العام، وأضف إلى هذا الغياب السياسي طبيعة العلاقة المصرية الأمريكية في عهد المخلوع مبارك والتي اتسمت بالتبعية التامة والولاء المطلق للإرادة الأمريكية، مما جعل العسكر المصري غير مؤهل ولا قادر على إدارة المرحلة الانتقالية.

ثانيًا: خريطة القوى السياسية؛ فالقوى السياسية في البلدين على النقيض، ففي مصر نجد أن تيار الإسلام السياسي بعد الثورة يتسم بالقوة والانتشار، ويتمتع بقاعدة شعبية واسعة، ويسيطر على الرئاسة ومؤسسات الحكم - قبل الحكم بحلها - ولكن علاقته مع العسكر يشوبها الكثير من التوترات والتقلبات والمواقف السلبية، وحدثت كثير من المساجلات السياسية بين الطرفين، في حين أن الأحزاب والقوى العلمانية والليبرالية ضعيفة مفككة لا تحظى بأي شعبية في مصر، وتعتمد على نفوذها الإعلامي وقربها من مراكز الدولة العميقة.

أما الوضع في باكستان فمختلف عن نظيره المصري، فتيار الإسلام السياسي الباكستاني يعاني من الضعف والتشتت، ولا يتمتع بنفس شعبية نظيره المصري، ولا يصل إلى المجالس المحلية والبرلمانية إلا وفق إرادة سياسية مقصودة من العسكر أو القوى العلمانية التي تسيطر على مؤسسات الحكم، كما حدث في ولاية برويز مشرف الذي اتفق مع العسكر على إفساح الطريق أمام جبهة العمل الإسلامي الموحد المكونة من ستة أحزاب إسلامية لدخول البرلمان سنة 2002 وذلك لأهداف معينة تخدم نفوذ الجيش في الحكم، منها مقاومة نفوذ وشعبية الحركات الإسلامية المجاهدة مثل طالبان باكستان وعسكر طيبة وجيش محمد ونفاذ الشريعة وهي الحركات التي سببت إحراجًا لباكستان أمام الولايات المتحدة، ومنها تحجيم الأحزاب العلمانية المناوئة لمشرف مثل حزب الرابطة الإسلامية وحزب الشعب، ومنها استيعاب المشاعر المعادية للأمريكان بعد احتلال أفغانستان سنة 2001، ولكم ما لبث أن انهار هذا التحالف برحيل مشرف، وعادت العلاقة بين الجيش والعلمانيين في الحكم مع بقاء النفوذ الحقيقي في يد العسكر، وتنحية الإسلاميين من المشهد السياسي.

ثالثًا: التركيبة السكانية؛ ففي مصر لا نجد ما يعرف بالصراعات الإثنية إلا على المستوى الديني، فثمة انسجام وتجانس في التركيبة السكانية المصرية، فالنسيج المصري لا يعرف طوائف ولا قوميات ولا عنصريات ولا لغات، وهذا يجعل صراعاتها الداخلية محدودة للغاية ولا تخرج عن نطاق مشاكسات الأقلية القبطية مع الأغلبية المسلمة وهي مشاكسات لا يخلو منها بلد، أما الوضع في باكستان مختلف تمامًا، حيث تعج باكستان بالصراعات الإثنية على كل الأصعدة الدينية والقومية والعنصرية والطائفية، بل إن صراعاتها الداخلية أدت لانشطار باكستان إلى دولتين ـ باكستان وبنجلاديش سنة 1972، وهذا التباين السكاني جعل فرصة العسكر أكبر وأقوى في السيطرة على حكم البلاد، في ظل سيطرة القومية البنجابية على المؤسسة العسكرية وهيكل السلطة الحاكمة، وكلما زادت المناحرات الداخلية كلما كانت فرصة الاستبداد العسكري أقوى وكِفَّته في الحكم أرجح.

رابعًا: دور الدين في بناء الدولة؛ مصر بلد عريق موغل في التاريخ منذ آلاف السنين، موجود منذ أيام الرسالات الأولى، ودور الدين فيه لاحق على قيام الدولة، فمصر قد مرت عليها الرسالات الثلاثة اليهودية والنصرانية والإسلام، حتى استقرت على الإسلام وصار الإسلام جزءًا من هويتها ومرجعيتها مع العروبة، أما الوضع في باكستان فمختلف تمامًا، فلم يكن هناك ما يسمى بدولة باكستان حتى سنة 1947، وانشطرت عن الهند الكبرى لتكون وطنًا قوميًّا للمسلمين الذين تعرضوا لاضطهاد بشع من الهندوس، فباكستان قامت على أساس الدين، فالدين هو المرجعية القومية ويلعب الدور الأهم والأبرز في تشكيل الهوية الوطنية للباكستانيين، والدستور الباكستاني يزخر بعشرات النصوص المستقاة من الشريعة الإسلامية، بل يعبر في كثير من مواده بلفظة "المسلمين" محل المواطنين، ولا يتسع المجال لذكر بعض الأدلة على ذلك، وهذا الأمر جعل من عمل التيار السياسي الإسلامي في باكستان مسألة صعبة، حيث إنه غير قادر على تقديم نفسه كممثل ومدافع عن الشريعة الإسلامية مثلما يفعل نظيره المصري؛ لأن معظم الشعب الباكستاني متدين، ونصوص الدستور تكفل هذا التطبيق ولو نظريًّا.

قد يكون العسكر في مصر معجبين بالنموذج الباكستاني ويحاولون تمريره في الحياة السياسية، ولكنهم قطعًا لن يستطيعوا فرضه على المشهد السياسي للتباينات التي ذكرناها بين الحالة الباكستانية والمصرية، فمسألة الشاسيه الإسلامي الذي يتولى الملف الخدمي، في حين تترك الملفات السيادية للعسكر، مسألة تكهنات وتخرصات، أما بعض الخطوات والإجراءات التي قام بها الرئيس مرسي، والتي تندرج تحت الوصف السياسي المحض الذي يتجنب به مرسي الصدام المبكر مع العسكر، ولا ترقى أبدًا لمستوى التنسيق المتبادل والاتفاق المسبق على قسمة السلطات بين الإخوان والعسكر، فمن يتداخل مع الشأن المصري ويتعامل بحيادية مع التيار الإسلامي والعسكر المصري يعلم يقينًا أنه لا يمكن أن يكون هناك استنساخ للتجربة الباكستانية في مصر، فمصر بتاريخها وهويتها ونسيجها القومي والوطني والسياسي والديني لن يسمح بمثل هذا الاجتزاء السياسي المخل.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 7 يوليو 2012
  1. تقرير يتحدث عن تورط "ضاحي خلفان" باغتيال المبحوحكشف تقرير نشره مركز الإمارات للدراسات والإعلام (ايماسك) عن تفاصيل جديدة حول عملية اغتيال القيادي بحركة حماس محمود المبحوح، تكشف عن تورط رئيس شرطة دبي "ضاحي خلفان" في العملية التي جرت بأحد فنادق دبي في العام 2010. واستند "ايماسك" في الرواية العالم العربي والإسلامي · 3 د قراءة
  2. محاصرة قرى المسلمين ببورما واعتقال نساء وأطفالفي تواصل لحملة الإبادة والقمع, اعتقلت السلطات في بورما قرابة 100 مسلم من إقليم أراكان في حي (هاري فارا) وحي (بومو فارا)، بينهم نساء وأطفال, كما حاصرت قرى المسلمين بالأسلاك الشائكة. وقال الناشط الأركاني محمد نور الله حبيب: إن "حالة من الذعر العالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  3. كلينتون تصل إلى كابول في زيارة مفاجئةوصلت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون إلى العاصمة الأفغانية كابول في وقت مبكر من صباح السبت. وتأتي تلك الزيارة المفاجئة في سياق جولة ماراثونية تستغرق نحو أسبوعين، تستهدف أن تعيد التأكيد على عدد من مبادئ السياسة الخارجية للولايات المتآسيا واستراليا · 1 د قراءة
  4. واشنطن تمنح أفغانستان وضع الحليف الرئيس من خارج الناتوقررت الولايات المتحدة منح أفغانستان وضعًا في مصافِّ الدول الرئيسة الحليفة لها من خارج حلف شمال الأطلسي "الناتو". وجاء الإعلان عن هذا القرار خلال زيارة مفاجئة قامت بها وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون لكابول فجر السبت. ويقول المراقبونآسيا واستراليا · 1 د قراءة
  5. اغتيال رئيس المجلس التشريعي لولاية جنوب كردوفانمفكرة الاسلام: أقدم متمردون على قتل رئيس المجلس التشريعي لولاية جنوب كردفان السودانية و7 من مرافقيه، وهو أرفع مسؤول يلقى حتفه منذ تفجر القتال بالمنطقة قبل عام. وقالت وكالة الأنباء السودانية الرسمية (سونا): إن ابراهيم بلندية رئيس المجلس التشالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  6. معارض سوري: موسكو ستدفع ثمن دعمها للأسدمفكرة الاسلام: صرَّح عضو المجلس الوطني السوري المعارض مؤيد غزلان بأن روسيا ستخسر كل شيء إذا لم تتوقف عن دعم النظام السوري. وقال غزلان وفق راديو (سوا) الأمريكي اليوم الجمعة: "روسيا تدعم النظام السوري بالعديد من الطائرات الهليكوبتر القتالية، العالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: أكذوبة مصر الباكستانية