مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

هل يعطي مرسي قبلة الحياة لإيران؟

6 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

كتبه للمفكرة / شريف عبد العزيز

shabdaziz@hotmail.com

في خضم انتصارات سياسية داخلية متتالية حققها الرئيس مرسي في وقت وجيز، وبعد أن أنهى فعليًّا سيطرة العسكر على المشهد السياسي بضربة واحدة بعد أكثر من ستين سنة من الهيمنة العسكرية على السلطة في مصر، وبعد العديد من الجولات الدبلوماسية الناجحة جنوبًا وشرقًا، يبدأ الرئيس المصري جولة مكوكية على رأس وفد دبلوماسي واقتصادي كبير لدولتين من أكثر الدول إثارة للجدل على الساحة الإقليمية عربيًّا وإسلاميًّا وهما؛ إيران والصين، وذلك بسبب الموقف الإيراني والصيني من الثورة السورية ودعمها القوي عسكريًّا واقتصاديًّا لنظام الأسد، ثم بسبب الأجندة العدائية المتواصلة من كلا الدولتين للإسلام والمسلمين حول العالم، فإيران حاملة لواء التشيع حول العالم ومصدر القلق الإقليمي وملهمة التوترات الطائفية والسياسية في المنطقة بأسرها، وعدوة العرب والعروبة الأولى تاريخيًّا وعلى مر العصور، والمسئولة عن إزهاق أرواح مئات الآلاف من المسلمين السنة في إيران والعراق ولبنان واليمن وسوريا، والتي لم تكف أبدًا عن التدخل في شئون دول الجوار وغير الجوار بحجة نشر مبادئ التشيع، أما الصين فهي حاملة لواء الشيوعية البائدة والتي مُزجت بعقيدة وثنية؛ وهي البوذية لتنتج لنا خليطًا لا يقل عداوة وكراهية عن الخليط الإيراني تجاه كل ما هو عربي وإسلامي، والتي تمارس اليوم أبشع الاضطهادات والمذابح ضد المسلمين في دول الهيمنة الصينية مثل بورما ونيبال وبوتان، وما يجري لوقتنا الحالي في بورما خير دليل على النفسية الصينية تجاه كل ما هو مسلم، وعلى الجانب الآخر فالصين من أهم أسباب فشل الاقتصاديات المعاصرة عمومًا والعربية والإسلامية خصوصًا بسبب سياساتها التنافسية في السوق والتي أغرقت دول العالم أجمع بما في ذلك أمريكا نفسها!

ولدى النظام المصري الجديد ورئيسه مرسي العديد من المبررات والدواعي السياسية والاقتصادية والإستراتيجية لاتخاذ قرار الجولة في هذه المرحلة والتي من أبرزها استعادة دور مصر الإقليمي سياسيًّا ودبلوماسيًّا، وهو الدور الذي غُيِّب عمدًا على يد النظام البائد، وفتح مسارات جديدة للدبلوماسية المصرية تخرج بها من أسر النفوذ والتوجيه الأمريكي، وتوفير مصادر بديلة للتمويل العسكري كما هو متوقع من عقد مصر لصفقة شراء صواريخ صينية نووية تدخل بها مصر مرحلة جديدة من التسليح الخارجي تكسر به المنَّة الأمريكية التي لا تنتهي على مصر والمصريين بتسليح الجيش المصري.

كما يأتي على رأس أولويات جولة مرسي؛ حل الأزمة السورية بطريقة جديدة تختلف عن سائر الأساليب السابقة، بعد أن رأى النظام المصري الجديد الشعب السوري يباد والعالم لا يحرك ساكنًا بل يدعم بشار سرًّا وجهرًا، ولا نية عنده للتدخل العسكري أو حتى وقف الإمدادات العسكرية من روسيا وإيران إلى الأسد، ومن ثم كان لابد من التحرك على مسارات ومحاور جديدة لحل الأزمة ونجدة السوريين من بطش الأسد، وذلك من خلال محورين أساسيين؛ الأول: فتح حوار مباشر مع إيران من أجل وقف المجازر السورية، والتخلي عن دعم الأسد، في ظل إعراض سائر دول المنطقة عن الدخول في مثل هذه الحوارات المباشرة والاكتفاء بتوجيه أصابع الاتهام من هنا وهناك، وإعطاء الجانب الإيراني التطمينات اللازمة بأن النظام السوري الجديد لن يكون خصمًا لإيران ولن يستخدم كمحطة لضربها في المستقبل، وطمأنتها أيضًا على وضع الأقلية الشيعية في سوريا ولبنان، أما المحور الثاني ففتح استثمارات جديدة وضخمة مع الجانب الصيني تكون بديلاً ودافعًا للنظام الصيني للتخلي عن استثماراته مع سوريا وهي بالمناسبة أقل بكثير مما يحمله المصريون في مشاريع أجندة الزيارة. وربما كان النجاح الذي حققه مرسي في خطة التخلص من هيمنة العسكر والتي اعتمدت على أسلوب اختراق قواعد الدولة العميقة مباشرة وتفكيكها عبر آليات ووسائل من داخلها كما سبق وبيَّنا في مقال سابق، ربما كان هذا النجاح مغريًا لمرسي ورفاقه في تطبيق نفس الفكرة مع التحالف الإيراني الصيني المشترك مع نظام الأسد في سوريا. ومما قوى عزم المصريين على السير قدمًا في هذه الخطوة الجريئة، ما قام به العاهل السعودي من استضافة نجاد لمؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي الذي عقد في مكة أواخر رمضان، وجلوسه على يمين العاهل السعودي في خطوة بروتوكولية محسوبة بدقة، ومن ثم قررت أن تواصل طريقها نحو احتواء إيران.

كل هذه المبررات قد تكون وجيهة ومقبولة من وجهة النظر المصرية، ولكن لنا أن نتساءل من المستفيد من هذه الزيارة الاستثنائية، والتي دفعت الصحف الأمريكية والصهيونية أن تفرد لها اليوم مساحات واسعة تعليقًا وتقييمًا؟ هل المستفيد مصر أم إيران؟ وهل ستحمل مصر الآثار السلبية لمثل هذه الزيارة التي ربما تصيب التحالف السلفي الإخواني بالتصدع، في ظل التعهدات السابقة من جانب مرسي بعدم التطبيع مع الشيعة وإيران؟ أم أن المستفيد الأكبر من هذه الزيارة هي إيران نفسها، وأن زيارة مرسي بمثابة قبلة حياة لها في هذه الفترة العصيبة في حياة إيران؟

للإجابة على هذا التساؤل لابد من الولوج قليلاً في الشأن الإيراني الداخلي وتأثيرات الطموحات الخارجية عليه، فصانع القرار الإيراني ما زال أسيرًا لمنطلقات أيدلوجية مسبقة، ويتحرك برؤية طائفية مقيتة وضيقة، وينتهج سياسات عقيمة بالية عفا على الدهر، ويعتمد أسلوب الاهتمام بالقضايا الخارجية وعلى رأسها قضية تصدير مبادئ الثورة الخومينية، وعسكرة العلاقات الخارجية لحل أوحد لخلق حالة من التوترات السياسية والاجتماعية الدائمة في المنطقة وهي الأجواء التي يفضلها الإيرانيون لنشر مبادئهم الشيعية. هذه السياسات البالية والأفكار السائدة عند صانع القرار في طهران والتي على ما يبدو ما زالت متأثرة بأجواء الحرب الباردة واختلاق الأعداء والقفز على الأزمات الداخلية باختلاق صدامات خارجية، كل هذه السياسات انتهت بإيران لأول مرة لئن تكون دولة مهتزة ومتوترة ومأزومة بعشرات القضايا العالقة، ولأول مرة نرى إيران منذ ثورة الخميني على وشك الانفجار اجتماعيًّا واقتصاديًّا، فإيران القوية "سابقًا" أصبحت تستورد القمح ورفعت الدعم عن البنزين وتقمع أي صوت للحرية والتعبير عن الرأي بالداخل، وتنتهج خطط تقشفية أشد من مثيلتها في اليونان، حتى أن إعلام النظام يمنع نقل مظاهر الترف والبذخ حتى في الأفلام والمسلسلات خشية استثارة مشاعر المحرومين في إيران، وعلى الصعيد الآخر نجاد الذي كان أسطورة الحاكم الشعبي البسيط الذي يحبه شعبه ويحب شعبه، أصبح ديكتاتورًا جاء بالتزوير في ولايته الثانية، ثم ما لبث أن فقد كثيرًا من صلاحياته لصالح قادة الحرس الثوري المهيمنين فعليًّا على مقاليد الأمور في إيران وربيبتها العراق، وأصبح وزراء نجاد ورجاله يقالون من مناصبهم ويتم حرقهم سياسيًّا وإعلاميًّا وهو لا يملك لهم يدًا، حتى أن نجاد هدد بالاعتزال عدة مرات واحتجب بالفعل لأيام اعتراضًا على تدخلات الحرس الثوري، ناهيك عن العقوبات الأوروبية والتهديدات "الإسرائيلية" حتى ولو كانت جوفاء إلا إنها تؤثر اقتصاديًّا بشدة خاصة على سوق البترول والطاقة والاستثمارات قصيرة الأجل، كلها أمور أضعفت الكيان الإيراني وجعلته يبحث عن طوق إنقاذ في المرحلة القادمة.

من هذا المنطلق أعلنت طهران عن استضافتها مؤتمرًا لمنظمة دول عدم الانحياز وهي منظمة ميتة إكلينيكيًّا منذ عشرات السنين، وإحياؤها يأتي في صورة شرفية استعراضية تريد طهران منها تحسين صورتها الدبلوماسية وتظهر للعالم استقرارها الداخلي، وحرصت على دعوة كثير من الزعماء والرؤساء وفي مقدمتهم الرئيس المصري محمد مرسي الذي صار حديث المنطقة بجراءته وشعبيته وبساطته وقراراته الثورية، مما جعل أخبار الإعجاب والانبهار تنتقل من أردوجان التركي إلى مرسى المصري في أسابيع قليلة من حكمه، وما الحفاوة الشعبية والاستقبال الكبير وإسناد كلمة الافتتاح إليه ليلقيها، ودعوته لزيارة المنشآت النووية، إلا رغبة من طهران في تجميل صورتها بهذا الزعيم الذي يتزعم أكبر وأهم دولة عربية وإقليمية، وأيضًا للتدليل على إنهاء حالة القطيعة السياسية والدبلوماسية بين البلدين والتي امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، أي أن الرئيس مرسي سيعطي إيران قبلة حياة سياسية ودبلوماسية ربما تساعد طهران على تخفيف الضغوط الداخلية والخارجية عليها. وبالجملة لو أن المصريين سيستفيدون من زيارة إيران والصين قيراطًا فالإيرانيون سيستفيدون منها أربعة وعشرين قيراطًا، وهكذا الإيرانيون أسياد النفاق والاستغلال الدولي.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 28 أغسطس 2012
  1. كبير أساقفة سان فرانسيسكو: أشعر بالعار بسبب الخزي الذي جلبته للكنيسةاعترف كبير أساقفة سان فرانسيسكو بأنه جلب العار لكنيسته، على خلفية إلقاء القبض عليه وإيداعه السجن في عطلة نهاية الأسبوع لتورطه في قيادته السيارة وهو مخمور. وعين سالفاتوري كورديليون (56 عامًا) من طرف بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر في يوليو الأمريكتان · 1 د قراءة
  2. "إسرائيل" تعرض الإفراج عن المعتقلين المصريين مقابل "ترابين"أبدى الكيان الصهيوني استعداده لإطلاق سراح جميع المعتقلين المصريين في السجون "الإسرائيلية"، وعددهم 83، مقابل الإفراج عن الجاسوس الصهيوني "عودة ترابين" المسجون في مصر. وذكرت الإذاعة "الإسرائيلية" الرسمية أن مسؤولا أمنيا صهيونيا كبيرا زار القاالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  3. مرسي: يجب إزاحة الأسد وليذهب هذا النظام الذي يقتل شعبهدعا الرئيس محمد مرسي في ساعة مبكرة من صباح اليوم الثلاثاء حلفاء رئيس النظام السوري بشار الأسد إلى المساعدة في إزاحته عن السلطة. وقال مرسي: "آن الأوان لكي يقف هذا النزيف، وينال الشعب السوري حقه كاملاً، ويذهب من المشهد هذا النظام الذي يقتل شعالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  4. ليبرمان يدعو مرسي لزيارة "إسرائيل"!ذكرت الإذاعة العامة "الإسرائيلية" بعد ظهر اليوم الثلاثاء أن وزير الخارجية "الإسرائيلي" أفيجادور ليبرمان وجَّه دعوة للرئيس المصري محمد مرسي لزيارة "إسرائيل"، وذلك خلال كلمة ألقاها أمام نقابة المحامين "الإسرائيلية" اليوم في تل أبيب. وقالت الإالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  5. مجندات صهيونيات يقتحمن المسجد الأقصىمفكر الإسلام: اقتحمت مجندات صهيونيات المسجد الاقصى المبارك, بشكل جماعي تحت حماية قوات الاحتلال الصهيوني. وقالت "مؤسسة الأقصى للوقف والتراث" إن أكثر من مائة من عناصر الجيش الإسرائيلي من بينهم 60 مجندة ومستوطنين، اقتحموا المسجد الأقصى بشكل جمالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  6. الرئيس المصري: علاقاتنا ستكون متوازنة.. ولا مساس بكامب ديفيدأكد الرئيس المصري محمد مرسي أن سياسته الخارجية ستقوم على التوازن وطمأنة بعض الأطراف إلى عدم المساس بمعاهدة السلام "كامب ديفيد" التي أبرمتها مصر مع الكيان الصهيوني، وأشار إلى اتباع نهج جديد مع إيران. وقال مرسي في مقابلة مع رويترز: "العلاقات العالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: هل يعطي مرسي قبلة الحياة لإيران؟