الزكاة حارس

كتبه : محمد بن عبد العزيز الخضيري
المال المزكى محفوظ هذه حقيقة دلت عليها نصوصالشرع وأثبتتها الوقائع والشواهد، وروى الآباء في تصديقها قصصاً كثيرة لاحصر لها، ومن شواهدها هذه القصة التي وقعت في مكة المكرمة.
قالالراوي: عزم قوم من أهل الثراء في بلاد الشام على الحج فأرادوا أن يصحبهممن يقوم على خدمتهم فأشاروا عليهم برجل خدوم طباخ خفيف الظل لم يحجّ،فعرضوا عليه أن يصحبهم ويخدمهم فيصنع طعامهم ويقضي حوائجهم وتكون أجرتهالحجّ معهم، فوافق فرحاً بهذا العرض السخيّ، وكان الحج من أمانيه التي حالبينه وبينها الفقر، وكم في المسلمين من نظرائه !!
عندما وصلوامكة استأجروا بيتاً وخصصوا فيه حجرة تكون مطبخاً وبدأ الخادم بالعمل جاداًفرحاً، وفوجئ ذات يوم وهو يدق بالهاون (وهي آلة تدق بها الحبوب القاسية ) أن الأرض تُطَبْطِبُ وتهتز وتوحي بأنّ شيئاً مدفوناً في قعرها، ودعته نفسهأن يبحث عن المُخبَّأ فلعل رزقاً ينتظره في جوف الأرض، وكانت المفاجأةالسعيدة: كيسٌ من الذهب الأحمر في صندوق صغير من الحديد، التفت يمنة ويسرةلئلا يكون أحد قد اطلع على الرزق المستور، وبعد تفكير رأى أن يعيده مكانهحتى يأذن القوم بالرحيل فيأخذه معه، ويخفيه عنهم ، وبدأ مع تلك الساعة سيلالأفكار والأماني، ماذا يصنع بهذا المال وكيف سيودّع أيام الفقر والحاجة،ونسي في غمرة ذلك أن هذا المال حرام عليه في بلد حرام لا تحل لقطته إلالمُنْشِد ولو كان شيئا قليلا ولكنه الإنسان كما وصفه الله (وإنه لحب الخير لشديد) [العاديات: 8].
لما آذنوا بالرحيل جعل الصرّة بين متاعه وحملهاعلى جمله وأحكم إخفاءها وخبرها، وسار القوم وصاحبنا لا يشعر بمشقة السفرولا بالضيق من بعد الطريق ، والأماني تحوم حول رأسه والخوف الشديد يحاصرهشفقة على المال من الزوال.
عندما وصلوا منطقة قرب تبوك نزلوا ليرتاحوا، ونزل صاحبنا وبدأ عمله المعتاد في الخدمة والطبخ، وفجأة
شرَدَجمل الخادم بما حمل، فتسارع القوم لردّه وكان أشدّهم في ذلك صاحبه ، ولكنّالجمل فات على الجميع ولم يدركه أحد فعاد الناس بالخيبة، وتأثر الخادم حتىبلغ الأمر حدّ البكاء الذي لا يليق بثبات الرجال.
لما رأىأصحابه منه هذا الجزع طمأنوه ووعدوا أن يضمنوا جمله ويعوضوه خيراً منهوخيراً مما عليه، لكنه أبدى لهم بأنّ عليه أشياء لا يمكنه الاستغناء عنهاوهدايا وتحفاً اشتراها من مكة والمدينة لأهله، وهذا سبب حزنه، لكن القوم لميلتفتوا لما أصابه وطلبوا الرحيل لمواصلة المسير والتعجّل إلى الأهل،ورَضخ مُكرهاً لطلبهم وسار معهم حتى وصل بلده مغموما من ذهاب الذهب وفقدانالأمل.
في العام الذي يليه رغب آخرون من الأثرياء الحجّ وسألواعمّن يرافقهم ويقوم بخدمتهم فأوصاهم الأوّلون بصاحبنا ومدحوه لهم، وأثنواعلى عمله خيراً، وفي طريقهم للحج نزلوا منزلاً قريباً من المنزل الذي فقدفيه صاحبنا جمله.
ولما ذهب لقضاء حاجته مرّ ببئر مهجورة فأطلّفيها فوجد في قاعها أثر جمل ميت فنزل والأمل يحدوه أن يكون الجملُ جملَه،فوجده بالفعل ميتا قد بليت عظامه وأما المتاع وكيس الذهب بحاله لم ينقصمنهما شيء، أخذ الذهب وأخفاه وعادت إليه أفراحه وأمانيه، وسكن مع أصحابه فيالبيت نفسه واتخذ من الحجرة التي خصصت له مطبخاً ورأى أن يعيد المال إلىمكانه ريثما ينتهي الحج فيأخذه مرة أخرى.
في تلك الأيام جاء رجلهِنْدي لعله صاحب البيت وطلب أن يأخذ شيئاً من البيت فأذنوا له، فدخل حجرةصاحبنا وقصد إلى موضع الصندوق فحفر ثم أخرج الصندوق، كان الخادم ينظر إليهوهو في غاية الذهول، فلمّا رآه قد عثر عليه وأخذه استوقفه قائلاً له، ماهذا الذي أخذت؟ قال الهندي: ذهب كنت خبّأته في هذا الموضع من سنين وقداحتجته اليوم وجئت لآخذه.
لم يتمالك صاحبنا نفسه أن قال للهندي: وهل تعلم أن مَالَكَ هذا قد وصل إلى أطراف بلاد الشام ثم عاد إلى هذه البقعة لم ينقص منه شيء.
قال الهندي: والله لو طاف الأرض كلها لعاد إلى مكانه وما ضاع منه شيء لأني أزكيه كل عام لا أترك من زكاته شيئا ، والله يحفظه لي.