حجم التغيير المحتمل على سياسة بوش في العراق
ممدوح عثمان
مفكرة الإسلام : ربما كانت هي المرة الأولى التي يستخدم فيها الرئيس الأمريكي بوش الابن لأول مرة تعبير أن الولايات المتحدة لا تكسب الحرب في العراق ولا تخسرها، فيما يمثل تراجعا عن تصريحاته السابقة التي كانت تؤكد أن واشنطن تكسب الحرب.
وأقر بوش في مقابلة مع صحيفة "واشنطن بوست" بأن عام 2006 كان عاماً صعباً للقوات الأميركية في العراق. وأقر بوش أيضاً في المقابلة ذاتها بأن المسلحين أحبطوا جهود الولايات المتحدة لبسط الأمن ونشر الاستقرار في أنحاء العراق.
طبعاً حينما يقول بوش ذلك فمعناه أن بلاده تخسر الحرب تماماً ولا تكسبها، فمن المعروف أن شخصية بوش المتعجرفة يستحيل أن تعترف بالهزيمة.
ويتوافق هذا الاعتراف النادر مع تأكيد استقالة الجنرال جون أبي زيد قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط مطلع السنة 2007، وهو الذي يُعد مهندساً للحروب التي قادتها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، منذ أن أصبح رئيسا للقيادة الوسطى في تموز (يوليو) 2003.
كما تأكد أيضاً استبدال خمسة جنرالات آخرين، يعملون في العراق منهم: المسئول السابق عن تدريب القوات العراقية اللفتنانت ـ جنرال ديفيد باتريوس، وقائد القوات المتعددة الجنسية في العراق اللفتنانت ـ جنرال بيتر تشياريللي، واللفتنانت ـ جنرال مارتن ديمبسي وهو قائد سابق لفرقة أميركية في العراق ويتولى حالياً قيادة جهود تدريب القوات العراقية.
بوش في مصيدة الديمقراطيين
تصريحات بوش المغايرة لنهجه الاستعلائي الفوقي مبعثها شعوره بمدى حرج موقفه السياسي بعد أن فقد حزبه الجمهوري السيطرة على الكونجرس، الذي أصبحت الغالبية فيه للديمقراطيين الذين يعارضون سياسة بوش في العراق.
إن الرئيس الأمريكي يضع السياسة وينفذها، والبرلمان يقرر الميزانية التي تصرف عليها ويراقبها، وبالتالي يستطيع الكونجرس أن يرفض أية سياسة ولا يمولها، وهذا توازن أساسي موجود داخل أمريكا.
الحزب الديمقراطي الأمريكي، الذي حقق الأغلبية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، والذي خاض المعركة الانتخابية تحت عنوان الانسحاب من العراق، بات ملزماً حيال ناخبيه بالعمل على ما التزم به تجاههم، ومنه أن سياسات بوش أدت إلى تراجع مكانة أميركا وهيبتها في العالم، وبالتالي فإن هناك مصلحة للديمقراطيين بالاستمرار في ممارسة الضغوط على إدارة بوش لدفعه إلى تغيير سياسته في العراق لتأكيد مصداقيتهم تجاه الناخبين، وفي الوقت ذاته من أجل تأمين الفوز في انتخابات الرئاسة، كل ذلك يؤكد أن الديمقراطيين سيضغطون أكثر على بوش لتنفيذ سياسة للانسحاب التدريجي من العراق.
ولدى الديمقراطيين الآن أوراق قوة، مؤثرة وفاعلة، للضغط على بوش وعرقلة سياساته، فقد أصبحوا يتحكمون بجميع القرارات والتشريعات والقوانين التي تصدر عن الكونغرس، خصوصاً الموازنات المتعلقة بالحرب في العراق وأفغانستان، والتي يحتاج إليها الرئيس لمواصلة سياساته.
وعليه، فإن قدرة بوش على الاستمرار في سياساته تبدو الآن شبه مستحيلة، فهو إلى جانب فقدانه الدعم الكبير والضروري الذي كان يحظى به من الكونغرس، بات اليوم مكبلاً لا يملك حرية التصرف واتخاذ القرارات بفعل وجود كونغرس معارض لسياساته سيلجأ إلى محاصرته، كما أن الحزب الجمهوري، الذي مني بهزيمة قاسية، بات يدرك أن فرصته لتعويض خسارته في الانتخابات المقبلة بعد سنتين مرتبطة بمراعاة التغير الحاصل في موقف الرأي العام، وبالتالي العمل على تعديل سياسات إدارة بوش الخارجية، خصوصاً في العراق.
كما أن الرأي العام الأميركي أصبح الآن يزيد من ضغطه على بوش للانسحاب من العراق، خصوصاً مع ارتفاع أعداد القتلى في صفوف الجيش الأميركي، ثم إن تقرير بيكر- هاميلتون للخروج من المأزق العراقي يمثل ضغطاً كبيراً على إدارة بوش لتغيير سياستها تجاه العراق.
الخروج من المأزق
تتحدث وسائل الإعلام البريطانية هذه الأيام عن إستراتيجية أمريكية للخروج من العراق بأقل الخسائر، بحيث تحفظ ماء الوجه لإدارة الرئيس بوش الابن.
وحسب هذه الإستراتيجية، فإن طارق عزيز، نائب رئيس الوزراء السابق، سوف يُطلق سراحه من السجن بنهاية هذا العام، على أمل أن يتفاوض مع الولايات المتحدة بالنيابة عن قيادة حزب البعث.
كما أنه، وبطلب من الإدارة الأمريكية، فإن هناك جهات خليجية تستعد للتوسط بين الولايات المتحدة وجماعات المقاومة السنية (من غير تنظيم القاعدة).
والإدارة الأمريكية أصبحت الآن تطلب من الحكومة العراقية الشيعية أن تشمل المقاومة والمعارضة العراقيتين في أي مبادرة نحو المصالحة الوطنية، وأن تصدر عفواً عامّاً عن مقاتلي المقاومة المسلحة، وأن تحل اللجنة العراقية المكلفة بحظر حزب البعث، وأن تبدأ بحل الميليشيات وفرق الموت، وأن تلغي أي اقتراح للفيدرالية لتقسيم العراق إلى ثلاث مناطق، وأن توحد السلطة المركزية للحكومة المركزية، مع حكم ذاتي أكبر للحكام المحليين، وأن توزع عائدات النفط بطريقة عادلة على جميع العراقيين، بمن فيهم السنة الذين تفتقر مناطقهم إلى هذا المورد.
لكن على أرض الواقع فإنه ليس بمقدور رئيس الوزراء المالكي أن يتقبل المقترحات الأمريكية بسبب ولائه المؤسسي للأحزاب الشيعية، التي تعتقد بأن لحظتها التاريخية قد حانت لتنتقم من السنة وتهمشهم وتعزلهم. وهذا سيضع الجهود الأمريكية على المحك، فإما الضغط الشديد على الشيعة إذا كانت النية خالصة، وإذا كان هناك استعداد لتنفيذ روح تقرير بيكر – هاميلتون، وإما أن تبقى الأمور على حالها، ويتضح أن هذا هو نهاية التفكير الأمريكي وأن الأمور لن تتغير أكثر من ذلك.
تمايزات داخل صفوف الجمهوريين
وإذا كان هذا هو الحال في الحزب الديمقراطي، فإن هناك مدرستين داخل الحزب الجمهوري هما المدرسة الواقعية، ونجومها هم المجموعة التي أعدت تقرير بيكر ـ هاميلتون، هذه مدرسة واقعية تنظر إلى السياسة في العموم على أساس المصالح. وفي المقابل هناك مدرسة المحافظين الجدد الذين يرون السياسة على أساس أنها أهداف بعضها أيديولوجي.
هاتان المجموعتان بينهما صراع دائم، لأن الواقعيين ينظرون إلى المحافظين على أنهم مثل الليبراليين، يمشون وراء أهداف قد تكون جميلة ولكن ليس لها علاقة بالواقع، وليس بالضرورة أن تتحرك الناس على أساس فكرة ولكنها تتحرك على أساس.
ومن هنا نستطيع القول إن تكليف بيكر بإعداد تقريره كان بمثابة تنازل في المعركة الداخلية داخل الحزب الجمهوري والتسليم بأن الطريق المحافظ الجديد غير ناجح.
إن تقرير بيكر يدعو للانسحاب المنظم و شبه المشرف من العراق، ولا نعتقد أن هذا مقبول بالنسبة لبوش، ومن هنا فلا نستبعد أن يأخذ بوش من التقرير بعض المقترحات المتعلقة بالشرعية الدولية ـ أن تنشأ لجنة دولية إقليمية لموضوع العراق ـ وربما يأخذ ببعض عمليات تنشيط مشروع السلام العربي الإسرائيلي، وربما يأخذ من التقرير بعض الأجزاء المتعلقة بسورية، ولا نستبعد أن يزيد من عدد القوات في العراق ويبدأ في البحث عن إستراتيجية مختلفة لمعالجة الموضوع على أرض الواقع وبعض الملامح بدأت تظهر حاليا، فهناك حديث عن أن عدد المدربين للجيش العراقي ممكن أن يتضاعف لزيادة عدد الجيش العراقي، وممكن التفكير بدعوة بعض وحدات الجيش العراقي السابق للعودة مرة أخرى.
إن القوات الأمريكية في العراق الآن تصل إلى 150 ألف، وهناك احتمال أن يتم رفعهم إلى 200 ألف مع القوات العراقية، وتنسحب القوات الأمريكية من كل المدن والمناطق السكانية، وبالتالي يقل حجم تعرضها لعمليات جماعات المقاومة.
أي أن التغييرات في السياسة الخارجية الأميركية، إن حصلت، ستكون محدودة، وتطاول مجالات بعينها، من دون غيرها، وهذا التقدير لا يتعلق فقط بما تبقى لإدارة بوش، وإنما يتعلق، أيضاً، بأي إدارة مقبلة سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية.
وهكذا فإن إدارة بوش ربما تعمد إلى إدخال تعديلات أو تغييرات محدودة على سياساتها الخارجية. ففي العراق، مثلاً، وبحكم التكاليف الباهظة لوجودها العسكري، من النواحي السياسية والبشرية والاقتصادية، وخصوصاً مع إخفاق مشروعها وتخبط سياستها فيه، قد تجد الإدارة الأميركية نفسها معنية بإدخال تغييرات على سياساتها العراقية، مثلاً، عبر إعطاء صلاحيات أكبر للحكومة العراقية، ولقوات الأمن العراقية، وعبر فتح الحوار مع دول الجوار، في شأن الأمن والاستقرار في العراق، في إطار أفق بعيد لإيجاد نوع من الخروج المشرف من العراق مستقبلاً.
هل يمكن أن يتجاهل بوش الضغوط؟
إن إدارة بوش تستطيع الاستمرار في السياسات التي تنتهجها، على رغم الانتقادات التي تتعرض لها لعدة أسباب، منها وجود نوع من التوافق بين الجمهوريين والديمقراطيين، في مجالات السياسة الخارجية، وضمنها السياسة المتعلقة بالشرق الأوسط، بدءاً من محاربة الإرهاب، إلى محاولات نشر الديمقراطية، مروراً بدعم إسرائيل، وكبح نفوذ إيران، وتحجيم دور سورية الإقليمي، فليس ثمة معارضة جوهرية أو جذرية لسياسات بوش.
كما أن هذه الإدارة بالذات، لكونها في السنتين الأخيرتين من الولاية الثانية لبوش، في استطاعتها الذهاب بعيداً في السياسات الخارجية التي تنتهجها على الصعيد الدولي.
ثم إن المعارضة الدولية والإقليمية للسياسات الخارجية الأميركية، في السنوات الماضية، ظلت دون الحدود الدنيا، إذ استطاعت إدارة الرئيس بوش أن تعزز هيمنة الولايات المتحدة على الصعيدين الدولي والإقليمي، على رغم كل المآخذ عليها، وبالخصوص على رغم إخفاقها في معالجة عدد من الملفات الإقليمية، وضمنها محاربة الإرهاب، ووضع حد للصراع بين الفلسطينيين واليهود، وجلب الأمن والاستقرار للعراق، وفرض الديمقراطية على الأنظمة الشرق الأوسطية. والمعنى من ذلك أن الولايات المتحدة لن تذهب بعيداً في تغيير سياساتها، طالما أنه لم تتوافر الظروف ولا الضغوط التي تضطرها لذلك.