حاجتنا الماسة للمشروع الحضاري الإسلامي
د. علي عبد الباقي
مفكرة الإسلام: تزايدت في السنوات الماضية مطالبات العديد من الرموز والاتجاهات الإسلامية بصياغة "المشروع الحضاري الإسلامي" الذي من شأنه أن يخلص الأمة من كثير من الأزمات التي تواجهها ويضع قدميها على بداية طريق النهضة المأمولة.
ومما يزيد من أهمية هذا المشروع الحضاري المرتقب، ما يسود العالم الآن من الظلم والعنصرية والنهب والقهر والعنف والتطهير العرقي، واضطهاد الأقليات، حيث نأمل أن يقدم هذا المشروع البديل الإنساني والأخلاقي لشعوبنا بل ولشعوب العالم أجمع.
ومن شأن المشروع الحضاري الإسلامي المرتقب أن يقف في وجه عالم المنفعة اللاأخلاقية التي أدت إلى إفساد البيئة والحياة فوق بركان نووي وذري، في عالم يموت فيه سنويًا 50 مليونًا بسبب الجوع، منهم 15 مليون طفل، في عالم يستأثر فيه 20% من السكان بالخيرات على حساب 80% من السكان المساكين.
في هذا العالم المضطرب تبدو الحاجة ملحة إلى مشروع حضاري إسلامي يؤكد على قيمة الإنسان، ويتعامل مع الكون والطبيعة من منطلق الصداقة والتناغم والانسجام، وليس الصراع والسيطرة والمنفعة اللاأخلاقية، مشروع حضاري يؤكد على المحافظة على البيئة وربط الإنتاج بحاجة الإنسان دون إخلال بالتوازن البيولوجي أو الاجتماعي، مشروع حضاري يؤكد على اللاعنصرية والعدل والحرية والمساواة والمسئولية الأخلاقية والاجتماعية عن الفقراء والمستضعفين، عالم بلا فقر ولا مجاعة ولا ازدواج معايير، عالم بلا اضطهاد للأقليات، أو ممارسة التطهير العرقي، عالم التعاون بين البشر وليس نهب بعضهم لحساب البعض الآخر، عالم بلا استبداد وبلا قهر وبلا عنف، وهذا كله لا يتوفر إلا في قيم الحضارة الإسلامية.
ولقد كان هناك مشروع قومي عربي منذ بداية فترة الاستعمار الغربي للبلاد العربية والإسلامية، وقد واجه هذا المشروع الفكر الغربي ومشروعيه الحضاري داخل دائرته، والاستعماري خارجها، وتفاعل معه، وواجه المشروع الاستعماري الغربي بالمشروع الحضاري النهضوي العربي.
ونحن لا نريد أن نقلل من قيمة الجهد الذي بذله الفكر القومي والمشروع القومي، فقد كانت له نجاحات وإضافات، وكانت له على الجانب الآخر إخفاقات وهزائم.
وقد تأسس هذا المشروع في جانب منه على معطيات إسلامية، وفي جوانب كثيرة واجه الفكرة الإسلامية نفسها ودعاتها وهاجمها ووضع نفسه في مقابلها.
ونحن هنا لا نريد إثارة الأحقاد والضغائن والصراعات التاريخية، لكننا ندعو إلى التصالح والتسامح والتغافر، وندعو إلى إعطاء الجانب الإسلامي العاقل والرشيد الفرصة لكي يقدم تفاصيل مشروعه الحضاري.
بل إننا ندعو كل فئات الأمة أن تنهض وتشارك في صياغة المشروع الحضاري الإسلامي، الذي يستلهم قيم الإسلام الأصيلة، كما هي ودون الالتفاف عليها، أو إفراغها من مضمونها.
عطاء محدود للفكر القومي العربي
لقد ظهر الفكر القومي العربي بوضوح في أوساط أمتنا العربية بعد الغزو الاستعماري الأوروبي لوطننا العربي الذي بدأته الحملة الفرنسية على مصر 1798م، وبعد أن تتالت موجاته موجة إثر موجة في القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن العشرين، في ظل ضعف شديد عانت منه الدولة العثمانية.
تبنّى هذا الفكر القومي العربي تيار قومي ظهر في أوساط أمتنا، ركز فيما يخص الهوية والانتماء على دائرة الانتماء للوطن العربي، وغلّب هذا الانتماء على الانتماء للقطر أو الانتماء للدين أو الانتماء للحضارة أو الانتماء الأممي للعالم.
وبقيت القضايا التي برزت أمام المشروع منذ بدايته، مطروحة في المراحل التالية، وإن اختلفت درجة الاهتمام بكل منها، كما اختلف موقع كل قضية في ترتيب أولويات الانشغال بها. وهكذا رأينا قضية التحرير تبرز وتستمر، كما رأينا قضية الشورى والديمقراطية تبرز ويدور الحوار في مرحلة المد القومي حول الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية والعلاقة بينهما في ظل غلبة فكرة التنظيم السياسي الواحد، ثم تعود هذه القضية لتأخذ موقع الأولوية في مرحلة ما بعد النكسة، ويبرز فيها بقوة بعد حقوق الإنسان وتغلب التعددية والمشاركة.
والأمر نفسه يصدق على قضيتي الكفاية والعدل، وقد رأينا الفكر القومي العربي يعتني بالقضية الأولى عناية خاصة بعد أن نالت أقطار عربية استقلالها، ويتحدث في مرحلة تالية عن التنمية، ويتحدث فيما يخص القضية الأخرى عن العدالة الاجتماعية ثم الاشتراكية في مرحلة تالية ثم عن العدل.
مجموعة مشكلات اتصلت بهذه القضايا عُني بها المشروع في جميع مراحله التي مرّ بها، ومنها مشكلة التوفيق بين الانتماء القُطري والانتماء القومي والانتماء الحضاري، ومشكلة العلاقة بين الوطن - الدولة والوطن الكبير العربي ودائرة الحضارة الإسلامية، ومشكلة التقدم وكيفية الوصول إليه، ومشكلة العلمانية في مواجهة الدين، ومشكلة العلاقة بين "الأنا" ممثلاً بالهوية العربية و"الآخر" في عالمنا وبخاصة الغرب.
عُني المشروع القومي أيضًا بمجموعة موضوعات تتصل بهذه المشكلات، عالج بعضها على الصعيد النظري، وعالج بعضها الآخر على صعيد التطبيق العملي، ومنها موضوعات الشعب والأمة والدولة والجنسية والمواطنة القطرية والقومية والأقوام ضمن الأمة والصراع العربي – الصهيوني، ومداخل الوحدة، والعلاقة بين الوحدة والتحرير، والوحدات الإقليمية والانغلاق القطري فيما سمي "بالإقليمية"، والاستشراف ودراسة المستقبل.
وجاء دور الإسلاميين
وإذا كان المشروع القومي قد أخذ فرصته، ونجح في بعض الأمور وفشل في الكثير منها، فإن رواد الفكرة الإسلامية مدعوون لصياغة المشروع الحضاري الإسلامي، الذي يحفظ لأمتنا وحدتها، ولا يفجرها من الداخل، والذي يحترم كل التكوينات السياسية والثقافية والفكرية والدينية ويتفاعل معها ولا يقهرها، وينفتح على العالم ولا ينغلق على نفسه.
وإذا كان الإسلاميون هم الذين يشتبكون مع الغزوة الأمريكية الصليبية للعالم العربي والإسلامي، فإنهم بذلك يؤسسون لمشروع مقاومة الهيمنة والاستعمار، ليصبحوا هم قادته بلا منازع، لكن حبذا لو كان هذا البرنامج حاصلاً على تأييد الشارع الإسلامي بكل امتداداته، وليس مرتهنًا بتصور طائفة أو تنظيم أو جماعة.
ويجب أن يواجه هذا المشروع الاستبداد الذي نعاني منه، ويقيم نظمًا سياسية مفتوحة، وغير منغلقة على نفسها ونخبها.
كما نأمل أن يؤسس المشروع لاستقلال اقتصادي عن الرأسمالية الغربية المتوحشة، وأن يقرب بين الطبقات، ويمنع الاحتكار والاستغلال، ويحقق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية المنتظرة والمرتجاة.
نحن نمتلك قاعدة المشروع
إن المسلمين يمتلكون قاعدة المشروع الحضاري وكثيرًا من وسائل تحقيقه، لكنهم لا يملكون المشروع بصفته مجموعة نظريات في التربية والاقتصاد والسياسة والنهضة ونحوها بصورة مؤصلة ومفصلة ومواكبة للسقف الحضاري المعاصر.
إن قاعدة المشروع؛ أي مشروع، هي رؤية للوجود والكون والحياة وللإنسان، تحمل درجة من التأهل لتقوم عليها نهضة حضارية للأمة، والمسلمون يمتلكون هذه القاعدة التي تحمل أعلى درجات الصحة واليقين والشمول لتفسير الوجود بكل موجوداته، لأن مصدرها الوحي الإلهي الذي يمثل علمًا ربانيًا منزهًا عن الخطأ والنقص.
أما وسائل تحقيق المشروع فمنها وعي العصر الذي يعيشون فيه، وتوافر الإمكانات المادية والبشرية، وكلها متوافرة أو ميسرة التوافر، نعم هناك تحديات عائقة لكنها يمكن أن تكون حوافز دافعة نحو مزيد من الإبداع والاستجابة الفاعلة.
أما المشروع ذاته من حيث هو نظريات شاملة في شؤون الاقتصاد والسياسة والتربية والدعوة والمرأة والعلاقة بالآخرين والفن والأدب... إلخ فإنه يكون مرتكزًا على تلك الرؤية الكونية ومستوعبًا لمتطلبات السقف الحضاري المعاصر بما فيه من منجزات وتحديات، فهذه فيها بلا ريب تخلف عن المفترض في مسيرة أمتنا المعاصرة، وإن كانت هناك جهود ومحاولات مشكورة من دول أو أفراد أو مؤسسات، لكنها لم تنضج أو تصل لدرجة الإقناع لكثير من فئات الأمة.
أما التحقق بهذا المشروع فهو أبعد من درجة التنظير السابقة، وما يوجد من تطبيقات فهي لا تزال جهودًا متناثرة لا تمثل مسارًا حضاريًا متكامل الجوانب.
المشروع الحضاري متماسك بين جوانبه من جهة، وبين جانبيه النظري والتطبيقي من جهة أخرى، إذ إن التطبيق هو الذي يكشف الجوانب السلبية والإيجابية فيتم التقويم والترشيد للاندفاع في النهوض الحضاري شيئًا فشيئًا.
وليس هناك شيء يكتمل مرة واحدة وإنما يتكامل وينضج بالتتابع الزمني للتنظير ومن ثم للتطبيق. فالمشروع الحضاري لأي أمة هو رؤية للوجود ينبثق منها تنظير لشؤون الحياة المختلفة تكون على مقاس هذه الأمة وفي حدود السقف الحضاري العالمي الذي تعيش فيه؛ وتقوم الأمة من خلال إرادة مشتركة بين عموم أفرادها وعبر مؤسساتها ودولها بتمثل هذا التنظير واقعًا أي تطبيقه في مجالات الحياة وإنضاجه خلال تتابع التجارب.
لكن العولمة والحراك السياسي العالمي الراهن والمشروع الصهيوني تحديات ضخمة أمام المشروع الحضاري الإسلامي، وهذه التحديات لن تسقط المشروع ولن تقضي على مستقبله إذا أحسن المسلمون التعاطي معها فاستغلوا ما تتيحه من فرص (معطيات العولمة الإعلامية مثلاً) واستثمروا التحديات المواجهة بجعلها عوامل تحفيز واستثارة لطاقة الأمة للمواجهة الرشيدة.
مداخل أساسية
الإطار العام لهذا المشروع هو حشد طاقات الشعب وتوحيد جهوده في إطار عقيدة الأمة وقيمها وتراثها وتاريخها، وهو ما يعني بناء وترسيخ ونشر المبادئ والقيم السامية التي دعا إليها ديننا الإسلامي الحنيف، وإعداد المواطن الملتزم الواثق في نفسه، المعتز بهويته، القادر على إحداث التغيير في ذاته وفي ما حولـه، المستعد دومًا لتحمل مسؤولية النهوض بالأمة وخدمة مصالحها وتحقيق أهدافها.
وللوصول لهذا الهدف فإن هناك خطوات سياسية يجب اتخاذها مثل إرساء مبدأ أن السيادة للشرع والسلطان للأمة، مما يعني حق الأمة في دستور يعزز دورها، ويؤكد حقها في تقرير وتصريف الشئون العامة من خلال المؤسسات الدستورية، وفي اختيار ممثليها وقياداتها، وفي ممارسة النصح والإرشاد لهم، وفي مراقبتهم ومحاسبتهم وعزلهم.
وكذلك إرساء دعائم العدل، وضمان استقلال القضاء ونزاهة وحرية القضاء.
وأيضًا إرساء وترسيخ دعائم حرية الرأي والعمل السياسي وحق المواطنين في تأسيس والانضمام إلى التنظيمات والأحزاب السياسية والنقابية.
وتحقيق أمن المواطن على دينه ونفسه وعرضه وماله، وحماية حقه في الحياة الحرة الكريمة الخالية من كل أنواع الضغوط وصور الإكراه والإرهاب.
وضمان احترام حقوق الإنسان، وحماية الحريات العامة والحرية الشخصية، وصون الحرمات، وكفالة مصالح الناس.
وتحقيق المساواة بين المواطنين أمام القانون، وفي التمتع بالحقوق السياسية والمدنية، وفي تكافؤ الفرص، وفيما يفرض عليهم من الواجبات والتكاليف العامة دون أي تمييز بينهم.
وهذا يتطلب محاربة الاستبداد والظلم والاستغلال والفساد، والمحافظة على الاستقلال الوطني وتعزيزه، وإقامة سياسة خارجية أساسها الاستقلال والسيادة الوطنية، وإقامة علاقات دولية مؤسسة على المساواة والاحترام المتبادل وحماية المصالح، ومقاومة كافة أنواع الهيمنة الأجنبية وسياسة الاستقطاب.
ويستتبع ذلك، من الناحية الاقتصادية، إرساء قواعد التكافل الاقتصادي والاجتماعي، سعيًا إلى تحقيق عدالة في توزيع الدخل بين طبقات المجتمع وضمانًا للسلام الاجتماعي المنشود، ويكون ذلك بضمان تكافؤ الفرص في جميع المجالات، ومحاربة الفساد والرشوة والجشع والربا والاحتكار، والعمل على دعم التعاون والتكامل الاقتصادي العربي.
وعلى المستوى الاجتماعي لابد من تحقيق المصالحة الوطنية، ورفع المظالم، ومواجهة المشاكل الاجتماعية القائمة، وترسيخ الأخلاق الحميدة والقيم الفاضلة، وتشجيع الممارسات والعادات الاجتماعية النابعة من ديننا الحنيف والمؤسسة على القيم والمثل العليا التي جبلت عليها مجتمعاتنا، وإرساء دعائم التكافل الاجتماعي، وتنمية علاقات التضامن والمودة والتراحم في المجتمع، وتنمية القواسم المشتركة، وأواصر الترابط والتسامح والأخوة بين كافة أبناء الأمة، والاهتمام بالأسرة وحفظ كيانها، وتعزيز أواصر القربى والنسب وصلة الرحم، والحث على الزواج وتذليل العقبات التي تعترض إقبال الشباب عليه.
وكذلك التأكيد على دور المرأة الأساسي في مجال تكوين الأسرة وتربية النشء، وإعدادها للقيام بهذا الدور، وإفساح المجال أمامها للمساهمة الفعالة الإيجابية في مجالات الحياة.