مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

الفساد في العراق .. تخطيط وتنفيذ أمريكي!!

8 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

ممدوح عثمان

مفكرة الإسلام: الفساد يكلف العراق نحو أربعة مليارات دولار سنويا، وتهريب البترول أسوأ وأكبر قضية فساد يشهدها العراق في الوقت الحالي‏، وسائقو شاحنات نقل البترول من الجنوب إلي الشمال يبيعون حمولتهم في السوق السوداء‏. الفساد في العراق أكثر من أي وقت مضى. تم تسجيل الأرقام المسلسلة لعشرة آلاف قطعة سلاح أمريكية فقط من بين‏370‏ ألف قطعة‏، وهو ما يخالف تعليمات وزارة الدفاع الأمريكية ويجعل من المستحيل تتبع أثر هذه الأسلحة ومن الجهة التي تمتلكها وتتحكم فيها في الوقت الراهن‏.‏ لقد اكتشف المفتشون الأمريكيون أن هناك أكثر من ‏14‏ ألف بندقية تم شراؤها من الميزانية المخصصة لعمليات إعادة الإعمار لصالح الحكومة العراقية ولكن لا يوجد أي أثر لها. ارتفاع معدلات التزوير في عقود إعادة الإعمار التي حصلت عليها شركات أمريكية وعدم وفاء أغلب الشركات بعقودها يرجع إلي عدم توافر الرقابة علي ذلك‏،‏ كما أن اختيار هذه الشركات للحصول علي عقود إعادة الإعمار لم يستند إلي خبرتها في هذا المجال ولكن لولائها السياسي لإدارة الرئيس الأمريكي "جورج بوش".

هذا الكلام الخطير الذي يؤكد مسئولية الأمريكان عن الفساد في العراق، ليس من عندياتنا، ولكنه نص حديث أدلى به ستيوارت بوين" كبير المفتشين الأمريكيين علي عمليات إعادة إعمار العراق لصحيفة الجارديان البريطانية، وهو مدخل مناسب لتناول هذا الموضوع المهم.

عصابات تهريب النفط

يخسر العراق ملايين الدولارات بسبب المهربين الذين يشحنون النفط إلى إيران ودول خليجية أخرى تحت سمع وبصر بعض مسئولي الحكومة. ويقول مسئولو صناعة النفط إن عصابات النفط أصبحت قوة نافذة في ظل فوضى العنف التي يشهدها العراق إلى حد أنهم يرسلون كميات هائلة من الخام والوقود إلى الخارج من دون أي خوف من الحكومة العراقية. ويزيد من حجم الخسائر سوء الإدارة والمنافسة على النفوذ في وزارة النفط التي تعد مغنماً للساسة الطائفيين الذين لا تهمهم المصلحة العامة.

إن معدل الإنتاج النفطي العراقي الحالي انخفض دون شك عما كان عليه قبل الغزو الأميركي، ولكن مع ذلك فإن صناعة النفط العراقية تضخ الآن بمعدل مليوني برميل يومياً، تذهب معظمها إلى السوق العالمية. فأين تذهب العائدات المالية لصادرات النفط العراقي؟ ومن يتحكم في صرفها: الحكومة العراقية أم سلطة الاحتلال الأمريكي؟

تواطؤ جنرالات أمريكا ووزراء العراق

إن المفترض أن نفقات العمليات الحربية والأمنية اليومية التي تقوم القوات الأميركية بشنها داخل الأراضي العراقية مستهدفة جماعات المقاومة أو تجمعات مدنية، تغطيها اعتمادات الميزانية الاتحادية الأمريكية التي يجيزها الكونغرس وفق طلبات يتقدم بها الرئيس بوش من حين لآخر. ومنذ الغزو وحتى اليوم بلغت هذه الاعتمادات مستوى فلكياً إذ تقدر بأكثر من 800 مليار دولار.

وإذا كانت هذه الأموال تأتي فعلاً من الخزينة الأميركية الحكومية ولا تتكبدها الخزينة العراقية، فأين تذهب الإيرادات المالية العراقية التي من المفترض أن تجنيها الحكومة من صادرات النفط الخام؟

التقارير الصحفية الغربية تؤكد أن هناك ما يشبه توزيع أدوار في ظاهرة الفساد، فالممارسة يتقاسمها مجموعة كبار الجنرالات في وزارة الدفاع الأميركية مع كبار المسئولين في الحكومة العراقية: الجنرالات يتصرفون في اعتمادات الميزانية الأميركية بالتواطؤ مع شركات السلاح الأميركية بينما يتصرف المسئولون العراقيون في أموال الصادرات النفطية.

كبار الجنرالات الأميركيين في واشنطن يلعبون دور وكيل لكبرى شركات صناعة السلاح الأميركية ـ بوينغ وماكدونيل دوغلاس وجنرال داينامكس - وغيرها. وبموجب هذا الدور يقوم الجنرالات بإعداد طلبيات أسلحة بأنواعها المختلفة من البنادق الخفيفة والمركبات إلى الطائرات والصواريخ والدبابات، ولهذه الغاية يقومون بإعداد تعاقدات شراء مع الشركات بأسعار مضخمة. وغني عن القول أن الجنرالات يقبضون نظير هذا الدور مكافآت أو عمولات سخية.

أما المسئولون العراقيون، ومعهم مستشارون أمريكيون في بغداد، فإنهم يتصرفون في أموال النفط العراقي عن طريق تعاقدات لمشاريع أو خدمات وهمية في العراق، إما مع شركات أمريكية أو شركات محلية يملكها المسئولون العراقيون أنفسهم.

الشفافية الدولية تكشف المستور

لقد كانت الفضيحة مدوية حينما أدرجت منظمة "الشفافية الدولية" في 2006م العراق إلى جانب هايتي وبورما بين أكثر الدول فسادا في العالم.

وما سبق أن حذرت منه منظمة "الشفافية الدولية" في مارس/ آذار 2005م قد تحقق، أو بات قاب قوسين أو أدنى: فالعراق على وشك أن يصبح "أكبر فضيحة فساد في التاريخ"، حيث يمارس عدد من المسئولين العراقيين في مستويات مختلفة، نهباً منظماً للدولة وثرواتها ومرافقها، يتكامل مع إقدام الاحتلال على تبديد مليارات الدولارات من الأصول العراقية التي تم الاستيلاء عليها بعد سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين.

ويشير تقرير المفتش الأمريكي الخاص حول إعادة إعمار العراق "ستيوارت بوين"، في عام 2005، إلى انتقادات لكيفية استخدام "سلطة الائتلاف المؤقتة" التي حكمت العراق بعد الغزو، من نيسان 2003 حتى حزيران 2004، لمبلغ 73 مليار دولار من الأموال التي جمعتها الأمم المتحدة من برنامج "النفط مقابل الغذاء" ووضع اليد على حسابات مصرفية تعود إلى النظام السابق.

وكانت المنظمة الدولية قد أسست، بطلب من إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش، "صندوق تنمية العراق" وكلفت "سلطة الائتلاف المؤقتة" الإشراف عليه. وأوضح تقرير بوين أن 8.8 مليار دولار من هذا الصندوق، حوّلتها "سلطة الائتلاف المؤقتة" إلى وزارات عراقية، لا يمكن التدقيق في كيفية صرفها. وقال بوين في عام 2006 إن فساد الحكومة العراقية قد يبلغ أربعة مليارات دولار سنويا، أي أكثر من 10 في المائة من العائدات العامة.

كذلك أشار تحقيق في كيفية إنفاق عائدات النفط العراقي خلال الأشهر الـ15 الأولى بعد الغزو، إلى أن تسعة مليارات دولار أنفقت من دون تدقيق مناسب.

نماذج من الواقع

وفي مؤشر إلى حجم الفساد في الوزارات العراقية، يروي رجل الأعمال العراقي محمد جواد: "بعدما ذهبت إلى وزارة النقل وبحوزتي اقتراح لإقامة خط جوي من الدول الاسكندنافية إلى العراق، تلقيت اتصالا هاتفيا من قريب للوزير يقول لي إن الصفقة لن تتم ما لم أدفع رشوة بقيمة نصف مليون دولار". وأشار جواد إلى أن فريق وزير لم يحدده طالب مقاولين يسعون إلى الفوز بمناقصة برفع قيمة العرض من 15 إلى 70 مليون دولار، كي يحصلوا على 40 مليون دولار.

ورأى جواد أن "حوالي 10 في المائة من الأعمال كانت فاسدة خلال عهد صدام. أما الآن، فالنسبة ترتفع إلى حوالي 95 في المائة. كان لدينا صدام واحد، أما الآن فلدينا 25 صداماً".

وكان وزير الكهرباء العراقي السابق أيهم السامرائي، الذي يحمل الجنسية الأمريكية، قد فر من السجن في المنطقة الخضراء في 17 كانون الأول الماضي بمساعدة حراس السجن الأمريكيين، بعدما قضت المحكمة الجنائية العراقية في 12 تشرين الأول الماضي بسجنه عامين اثر إدانته "بإهدار المال العام".

وأشارت "الهيئة العراقية العليا للتدقيق في الحسابات" التي أسست عام 2004 كجزء مستقل عن "هيئة التفتيش الأمريكية الخاصة حول إعادة إعمار العراق"، إلى فساد واسع النطاق في الوزارات العراقية، وخصوصا في وزارة الدفاع.

وزير واحد سرق 3 مليار دولار!

من جهته، قال رئيس هيئة النزاهة العراقية القاضي راضي حمزة راضي، في تموز من العام 2006، إن الفساد ازداد واتسع بعد سقوط نظام صدام حسين، موضحا أن ثمانية وزراء من الحكومات المختلفة التي تعاقبت في العراق بعد الغزو، أحيلوا للقضاء بتهمة الفساد، ولكن المحاكمات لم تتم لأن أكثرهم هرب إلى خارج البلاد وبعضهم يتمتع الآن بحصانة برلمانية لم يتم رفعها عنه بعد، بينهم وزير الدفاع السابق في حكومة أياد علاوي، حازم الشعلان، المتهم بإهدار أكثر من 3 مليار دولار من المال العام" مع 27 مسئولا آخر من تلك الحكومة.

وكان وزيران من حكومة علاوي قد أحيلا في حزيران 2005 إلى التحقيق في قضايا فساد وهما وزير النقل لؤي العرس ووزيرة العمل ليلى عبد اللطيف، غير أنه لم تتم محاكمتهما.

وشدد راضي على أن مكافحة الفساد تواجه مقاومة كبيرة، مشيراً إلى مقتل 15 قاضياً ممن حكموا في قضايا فساد أو إرهاب و21 من محققي هيئة النزاهة خلال عامي 2005 و2006. وقال إنه تمت إحالة 1400 قضية فساد إلى القضاء خلال العامين المذكورين بينها 42 قضية تشمل مدراء عامين ووكلاء وزارات ووزراء.

وكان قد صدر أمر قضائي عراقي في 8 آب/ أغسطس 2004 بالقبض على الوزير السابق أحمد الجلبي بتهمة تزييف أموال عراقية، لكنه اتهم الإدارة الأميركية آنذاك بأنها لفقت ضده هذه التهمة "السياسية".

قد ننتظر سنوات طويلة قبل أن ندرك الحجم الحقيقي لكارثة الفساد في العراق، وأن نتبين حينها أيهما أكثر دموية: الإرهاب العلني الذي يضرب العراقيين، أم النهب الصامت لثرواتهم.

فساد في الإدارة والتوظيف

العراقيون، خاصة في الجنوب، يقولون: إن الأحزاب الشيعية الحاكمة اليوم تنهج نهج البعث في التعامل معهم، ويخصون بذكر من هؤلاء جماعة المجلس الأعلى، وذلك من خلال تجنيد الناس ليتجسس بعضها على البعض الآخر، تماما مثلما كان يفعل البعثيون زمن حكمهم، كما أن التوظيف في دوائر الدولة أو في المؤسسات العسكرية من شرطة وجيش لا يتم إلا بعد الحصول على تزكية من هذه الأحزاب التي تقوم بإعداد قوائم بأسماء بعض من منتسبيها، ثم ترفع إلى الجهة المسئولة عن التعين ليتم التصديق على تلك الدرجات الوظيفية.

وعلى هذا فإن المواطنين المستقلين أو من الأحزاب غير الشيعية المتعصبة، حتى لو كانوا من الشيعة، لا نصيب لهم في هذه التعيينات، كما حرم من هذه الوظائف أبناء الديانات والمذاهب الأخرى.

ولقد وردت قائمة قبل أسابيع مصدقة من رئيس الوزراء، وضمت 550 اسما، تم تعيين أصحابها في جهاز الشرطة، وبرتب تراوحت بين رائد، ونقيب، وملازم، وتوزعت على منتسبي الأحزاب الشيعية مثل: المجلس الأعلى، وحزب الدعوة، تنظيم العراق، وحركة مجاهدي الثورة الإسلامية القريبة من جهاز المخابرات الإيرانية. والغريب في الأمر أن هؤلاء مُنحوا هذه الرتب العسكرية الكبيرة دون أن يدخلوا كليات عسكرية، أو حتى دورات عسكرية قصيرة، هذا بالإضافة إلى أن البعض منهم لا يحمل حتى شهادة الدراسة المتوسطة التي تسبق دراسة المرحلة الثانوية.

الحديث عن الفساد في دولة العراق تحت ظلال المدفع الأمريكي حديث طويل، ومتشعب، ولا يمكن لدارس أن يلم به، وهو في عجالة من أمره، خاصة في النواحي الاقتصادية، وفي الهدر الفظيع الذي تتعرض له الثروة العراقية، وفي الإصرار على تحطيم الاقتصاد الوطني من خلال تدمير الصناعات الوطنية التي أنفق عليها الشعب العراقي الملايين العديدة من الدولارات، وذلك من خلال جعل السوق العراقية تعج بالبضاعة الرديئة المستوردة، خاصة تلك البضائع القادمة من إيران، التي راحت تغرق بها الأسواق العراقية على رداءة تلك البضائع.

وعراقيو الجنوب يتذكرون كيف تسمم الناس في مدينة العمارة من الشراب الإيراني المسمى "زمزم كولا"، مثلما يتذكر أهل محافظة الكوت كميات الدجاج الإيراني الفاسدة، والتي تعرض معها الكثيرون من العسكريين إلى التسمم كذلك.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 25 أبريل 2007
  1. واشنطن.. نار البعثيين ولا جنة المقاومةسام داغر ـ كريستيان ساينس مونيتور ـ بغداد ترجمة: شيماء نعمان مفكرة الإسلام : بالرغم من إجبار مئات البعثيين على ترك وظائفهم بالوزارات والمؤسسات الحكومية والجيش العراقي عام 2003 بموجب سياسة ما يسمى باجتثاث حزب البعث، تسعى الولايات المتحدة في مقالات مترجمة · 8 د قراءة
  2. د.المسيري: المشروع الصهيوني علماني لا صلة له باليهودية- مؤسسو الصهيونية الحقيقيون كانوا ملاحدة غير متدينيين. - أوروبا نقلت اليهود إلى فلسطين لأنها اعتبرتهم مصدر ضرر لها. - الحضارة الغربية مادية حسية فيلسوفها ونبيها داروين وليس المسيح. - الغرب حوّل إسرائيل إلى دولة استعمالية لخدمة أغراضه ومشروعحوارات · 17 د قراءة
  3. التسطيح والإثارة والتبعية والابتذال أمراض تهدد الفضائيات العربية- رغم إيجابيات الفضائيات إلا أن لها مثالب ومآخذ كثيرة تهدد الظاهرة كلها. - الفضائيات أسست لظاهرة "التدجين السياسي" للمواطن العربي. - الفضائيات حولت الصراعات السياسية الداخلية إلى معارك متلفزة. - لابد من ميثاق قومي يلتزم به الجميع، ليضبط أداتحقيقات · 14 د قراءة
  4. دعوات فلسطينية لإيقاف إدخال الموسيقي إلى مواد التعليموزع مركز البيان الإعلامي في قطاع غزة بيانات شديدة اللهجة تنتقد وزارة التربية والتعليم ومدارس وكالة الغوث بغزة؛ وذلك بسبب المهرجانات الموسيقية التي تعقد في نهاية العام الدراسي. وجاء في البيان الذي وزِع على كافة مساجد غزة، وحمل عنوان "مدارس لالطفل · 1 د قراءة
  5. التميمي يطالب بقمة إسلامية عاجلة لحماية المقدسات الإسلاميةطالب الشيخ تيسير التميمي قاضي القضاة اليوم الأربعاء بعقد قمة إسلامية عاجلة لبحث الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة على المقدسات الإسلامية، مؤكدًا أن مدينة القدس تتعرض لمذبحة حضارية وعملية تطهير عرقي لم يشهد العالم لها مثيلاً من قبل. وأضاف التالمحاولات الصهيونية للمساس بالأقصى · 1 د قراءة
  6. زعيم الأغلبية بالكونجرس يصف تشيني بـ "كلب بوش"مفكرة الاسلام: اتهم نائب الرئيس الأمريكي دك تشيني زعيم الأغلبية في الكونجرس السيناتور الديمقراطي هاري ريد بتعمد انتهاج استراتيجية متخاذلة فيما يتعلق بالموقف من الأوضاع في العراق للفوز بشعبية داخل أمريكا. وذكرت وكالة "أسوشيتيد برس" أن السيناالأمريكتان · 2 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: الفساد في العراق .. تخطيط وتنفيذ أمريكي!!