مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

مصر وأمريكا.. والصراع في المنطقة العربية

7 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

حسن الرشيدي

istratigi@hotmail.com

مفكرة الإسلام : صعد توتر العلاقات المصرية - الأمريكية إلى السطح بشكل علني, وتتابع بطريقة غير مسبوقة في الأسابيع الماضية عبر انتقادات أمريكية لملف الحريات في مصر على لسان الرئيس جورج بوش قوبل باستنكار مصري باعتباره تدخلاً في الشئون الداخلية. وازداد التوتر بتصديق مجلس النواب الأمريكي على مشروع قانون المساعدات الخارجية, متضمنًا حجب 200 مليون دولار من المعونة العسكرية إلى مصر للضغط على الحكومة المصرية ما لم تحسن الأوضاع الأمنية على الحدود وتحقق تقدمًا في سجلها لحقوق الإنسان.

مظاهر التوتر بدأت تلوح عقب لقاء وفد من الكونغرس الأمريكي مع نواب من الحكم والمعارضة في مصر في مايو الماضي كان الثاني من نوعه خلال شهرين. وانتقدت مصر دعوة رئيس الكتلة البرلمانية لجماعة الإخوان المسلمين النائب سعد الكتاتني إلى حضور اللقاء واعتبرته تناقضًا في الموقف الأمريكي إزاء الحديث عن الديمقراطية.

وفاقم التوتر تصريح الرئيس جورج بوش في براغ أثناء حضوره مؤتمر الأمن والديمقراطية مطلع الشهر الماضي الذي تمنى فيه لو أن المعارض المصري المسجون أيمن نور تمكن من المشاركة في المؤتمر, وعلى الفور عبّر وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط عن الاستياء من تصريح بوش وقال: إنه تدخل غير مقبول في شئون مصر, فضلاً عن أن بوش - الذي لم يلتقِ بالرئيس حسني مبارك منذ أكثر من ثلاث سنوات - استقبل في براغ المعارض المصري سعد الدين إبراهيم الذي يعد من أشد المنتقدين علنًا للنظام المصري.

ولمعرفة أبعاد تلك الخلافات وما وراءها ينبغي دراسة أهداف واستراتيجيات الطرفين, أي الولايات المتحدة ومصر, وإدراك أين تتقاطع هذه الاستراتيجيات والأهداف وأين تلتقي, ومن ثم وضع اليد على الأسباب الحقيقية للتنازع.

ومن المعلوم أن دراسة هذه الخلافات وخصائص العلاقة بين النظامين الأمريكي والمصري يظهر لنا على نحو كبير طبيعة التفاعلات السياسية في الوقت الحالي, ويفسر كثيرًا من الأحداث التي تتابع بصورة سريعة وتمر بها المنطقة العربية.

موقع مصر في الاستراتيجية الأمريكية:

تاريخيًا تربط مصر بالولايات المتحدة الأمريكية علاقات قديمة تمتد إلى القرن التاسع عشر, وتعود بداية هذه العلاقات إلى توقيع المعاهدة الأمريكية – التركية التجارية في 7 مايو 1830, وفي 12 يناير 1832 جاء أول تمثيل أمريكي في مصر بالإسكندرية وكان الوكيل القنصلي بريطاني يدعى جون جليدون, وفي إبريل 1947 زار رئيس أركان الجيش المصري القواعد العسكرية والمصانع الأمريكية, وفي سبتمبر 1947 طلبت مصر رسميًا بعثة عسكرية أمريكية لتدريب القوات المصرية, وفي صباح يوم 23 يوليو 1952 وبعد نجاح الثورة توجه مندوب خاص عن مجلس قيادة الثورة إلى السفير الأمريكي في القاهرة وأبلغه رسالة مضمونها أن النظام القديم في مصر قد سقط, وأن نظامًا ثوريًا جديدًا قد قام, وأن هذا النظام يستهدف تحقيق الأماني الوطنية للشعب المصري, وتردد - ولعله أقرب للحقيقة - عن علاقات وثيقة للمخابرات الأمريكية بالقائد الفعلي لتنظيم الضباط الأحرار جمال عبد الناصر, وفي سنة 1953 زار وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جون فوستر دالاس مصر بعد انتخاب أيزنهاور رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية.

تركزت الاستراتيجية الأمريكية في فترة الخمسينيات في إنهاء النفوذ البريطاني في المنطقة والإحلال مكانه, واستغلت الولايات المتحدة العلاقات بين عبد الناصر والمخابرات الأمريكية في تحقيق ذلك الهدف لتصبح المنطقة العربية ذات فراغ استراتيجي, ولكن أمريكا وجدت الاتحاد السوفيتي غريمها الجديد يدق أبواب المنطقة.

وفي الستينيات انتظر عبد الناصر في المقابل أن تعترف أمريكا بدور إقليمي له, ولكن هذا لم يحدث, وتغيرت الاستراتيجية الأمريكية في تلك الفترة لتضمن تحجيم النفوذ المضاد لها في المنطقة, وهو النفوذ السوفيتي, وفي ضمان أمن إسرائيل, وهذان الهدفان تطلبا تحجيم الدور المصري وإضعاف قوته العسكرية, وانتهى الدور المصري تقريبًا بكارثة 1967, والتي شاركت أمريكا فيها, وفي السبعينيات وما بعدها دخل عنصر جديد للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة وهو عنصر النفط, وأدرك السادات المطلوب منه أمريكيًا بدقة وهو إنهاء الدور الإقليمي في مصر وإخراج مصر من لعبة الصراع العربي الإسرائيلي, ونجح السادات إلى حد كبير.

وفي نهاية الثمانينيات ومع الصعود العراقي ليحتل دورًا إقليميًا فاعلاً جرى تنشيط الدور المصري ليشارك في تحجيم نفوذ صدام حسين, كما جرى استخدامه لجر العرب والفلسطينيين للتطبيع مع إسرائيل وفرض رؤيتها على المنطقة, وقد نجح الدور المصري نجاحًا لا بأس به في وجهة النظر الأمريكية.

ولكن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر دخل عنصر آخر في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة تمثل في حرب الإرهاب أو الحرب ضد الجماعات الإسلامية, وهنا تم تفعيل الدور المصري من جديد ليشارك في هذه الحرب بخبراته وتجاربه.

وهذه الأيام عندما اصطدمت الولايات المتحدة بإيران في المنطقة يجري الآن الاستعانة بالدور المصري للمشاركة في تحجيم ذلك النفوذ.

من خلال استعراض الاستراتجية الأمريكية السابقة في التعامل مع النظام المصري نجد أن الولايات المتحدة طوال نصف القرن الماضي قد نجحت في استخدام الحجم الاستراتيجي المصري في إنهاء أو تحجيم نفوذ أية قوة إقليمية أو دولية تريد فرض هيمنتها على الشرق الأوسط والنفط, وفي نفس الوقت يعمل الدور المصري على ضمان أمن إسرائيل, أما الهدف الأخير لهذه الاستراتيجية فهو ضمان أن لا يكون لمصر دور إقليمي فاعل إلا بقدر خدمة الدورين السابقين.

الرؤية المصرية لدورها الاستراتيجي في المنطقة:

يعرف المفكر السياسي الأمريكي بول كنيدي الجغرافيا السياسية بشكل مبسط بأنها تعني تأثير الجغرافيا على السياسة: أي الطريقة التي تؤثر بها عناصر الجغرافيا المختلفة في أحوال الدول والناس, ويفرق البعض هذا المفهوم عن مفهوم الجيوبوليتيك أو ما يطلق عليه علم سياسة الأرض أو السياسة الجغرافية, أي دراسة تأثير السلوك السياسي في تغيير الأبعاد الجغرافية للدولة. ولدى هؤلاء فإن الجغرافيا السياسية تدرس الإمكانات الجغرافية المتاحة للدولة, بينما الجيوبوليتيك تعنى بالبحث عن الاحتياجات التي تتطلبها هذه الدولة لتنمو حتى ولو كان وراء الحدود, وبينما تشغل الجغرافيا السياسية نفسها بالواقع فإن الجيوبوليتيك تكرس أهدافها للمستقبل.

وعناصر الجغرافيا السياسية عوامل طبيعية وبشرية:

فالعوامل الطبيعية تشمل: الحدود البرية والبحرية - الموقع الجغرافي – التضاريس – المناخ – الموارد الطبيعية.

أما العوامل البشرية فتتكون من: عدد السكان ومعدل النمو – التركيبة العرقية والمذهبية وغيرها.

ويُجمع كثير من الخبراء والمؤرخين على أن مصر تجتمع فيها كثير من هذه العناصر المكونة للجغرافيا السياسية وليس هذا مجال تفصيلها.

وأيقنت مصر منذ القدم أهمية هذه العوامل التي جعلت لها ثقلاً غير منكر من قبل الآخرين, وشهدت فترات التاريخ المختلفة فترات صعود مصرية معتمدة على هذه العوامل, وفي الخمسينيات من القرن العشرين حاولت مصر استغلال هذه العوامل الاستراتيجية ليكون لها دور إقليمي, ولكن الولايات المتحدة لم تتح لها هذا الدور, وانتهى الحال إلى هزيمة 1967, والمشكلة أنه منذ ذلك التاريخ قنعت مصر بدورها المحلي لتحافظ على نفسها ولا تمد عيناها إلى الخارج إلا بما يخدم الدائرة الداخلية الضيقة التي انزلقت إلى حد المحافظة على استمرارية الطبقة الحاكمة في تفردها بالحكم وما يتبعه من ثروات البلاد, وكان هذا التغير بمنزلة تحول استراتيجي حافظت عليه الدولة المصرية حتى هذا اليوم.

خاضت الدولة المصرية منذ الأربعينات من القرن الماضي وحتى نهاية ذلك القرن صراعًا مريرًا مع الاتجاه الإسلامي الذي كان يريد تغيير الوجهة العلمانية للطبقة السياسية المصرية وإعادتها إلى جذورها الإسلامية, وفي نهاية الثمانينيات وفي التسعينيات بلغت المواجهة ذروتها بحرب عصابات, وحاولت الدولة المصرية إقناع القوى الإقليمية والدولية بالوقوف معها في هذه المواجهة, ولكن هذه الدعوة لم تلق تجاوبًا كبيرًا حتى وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وبالنظر إلى الاستراتيجيتين المصرية الأمريكية نجد أنها تلتقي في الحرص على بقاء دور مصر داخل حدودها, كما تتفقان في مواجهة الإرهاب, ولكن الاختلاف يظهر في الدور الإقليمي المنوط بمصر وبالطموحات الداخلية للطبقة السياسية في مصر, فإذا كانت أمريكا تريد لها دورًا إقليميًا معينًا ضد الطموح الإيراني ولضمان أمن إسرائيل بضبط الحدود مع غزة, فإن الدولة المصرية تريد في المقابل اعترافًا بطموحاتها السياسية في الشأن الداخلي المصري, وهذا لا تصرح به الولايات المتحدة حتى الآن, وترغب في إحاطته بقدر من الغموض لإرغام الجانب المصري على التنازل في الملفين السابقين.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 1 أغسطس 2007
  1. ماذا بعد قبول السودان بقرار مجلس الأمن؟بقلم "توم بيتر" محرر صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" الأمريكية مفكرة الإسلام : منذ اندلاع قضية إقليم دارفور السوداني، وهي تمثل نموذجًا بحق للكيل بمكيالين من قِبل الأطراف الغربية تجاه قضايا المسلمين، فبينما تغض الدول الغربية طرفها عن جرائم "إمقالات مترجمة · 5 د قراءة
  2. البرزاني: لو لم يحسم مصير كركوك ستندلع حرب أهلية بالعراقحذر زعيم المنطقة الكردية في شمال العراق يوم الثلاثاء من "حرب أهلية حقيقية" إذا لم تطبق الحكومة المركزية في بغداد بندًا في الدستور الحالي بشان مستقبل مدينة كركوك الغنية بالنفط. وكانت قضية السيطرة على كركوك والثروة النفطية المحيطة بها قد أصبحالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  3. عشر منظمات حقوقية تطالب بفتح معبر رفح فورًاطالبت عشر منظمات حقوقية فلسطينية وأوروبية و"إسرائيلية" كلا من مصر والكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية والاتحاد الأوروبي بفتح معبر رفح، وإنهاء مأساة العالقين فورا "بعيدا عن الحسابات والمواقف السياسة تجاه حماس". ونقل موقع "الجزيرة نت" عن المنالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  4. الخرطوم تدرس قرار مجلس الأمن بشأن دارفور وتشدد انتقادها لواشنطنقال مندوب السودان لدى الأمم المتحدة السفير "عبد المحمود عبد الحليم محمد": إن بلاده تدرس قرار مجلس الأمن رقم 1769 الصادر أمس بشأن نشر القوات المشتركة في إقليم دارفور غربي السودان. وانتقد السفير السوداني عقب انتهاء جلسة المجلس الولايات المتحدالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  5. مشعل يزور موسكو على رأس وفد حمساوي الأيام القادمةكشف القيادي في حركة المقاومة الإسلامية حماس "خليل الحية" النقاب، عن أن حركته تلقت دعوة رسمية من قبل الحكومة الروسية لزيارتها، مؤكدًا أن الاتصالات بين حركة "حماس" والحكومة الروسية متواصلة. وأضاف الحية لصحيفة "فلسطين" المحلية: إن الدعوة الروسالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  6. قيام الحرب العالمية الثانية17 رجب 1358هـ ـ 1 سبتمبر 1939م مفكرة الاسلام: عندما أعلن إمبراطور ألمانيا «فولهام» أثناء زيارته للسلطان عبد الحميد الثاني في دمشق سنة 1314هـ «أنه يمكن لثلاثمائة مليون مسلم أن يعتمدوا على صداقة ألمانيا»، كان بذلك قد جاوز كل الخطوط الحمراء وخحدث في مثل هذا اليوم · 3 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: مصر وأمريكا.. والصراع في المنطقة العربية