استشهاد الإمام أحمد البريلوي

24 من ذي القعدة 1246هـ
مفكرة الإسلام : السيد الإمام الهمام، حجة الله بين الأنام، وأحد مجددي الإسلام، قامع الكفرة والمبتدعين، السائر على درب السلف والراشدين، مجدد الجهاد بأرض الهند، الإمام المجاهد، الشهيد السعيد بإذن الله أحمد بن عرفان بن نور الشريف الحسني البريلوي، ولد في صفر سنة 1201هـ ببلدة «راي بريلي» في زاوية جدِّه علم الله النقشبندي البريلوي، فنشأ في صيانة وديانة وزهد، وذلك لأن بيئته كانت صوفية ولكنها ليست صوفية غالية، واشتهر بالصيام والقيام والذكر، وكان يهتم بقضاء حوائج الناس خاصة اليتامى والأرامل، ولكن لم يُفتح عليه في التعليم فلم ينل فيه إلا قسطًا ضئيلاً منه.
ثم غلبت عليه نزعة حب الجهاد في سبيل الله عز وجل، وكانت بلاد الهند وقتها تمر بفترة عصيبة وواقعة تحت الاحتلال الإنجليزي الذي شن حربًا لا هوادة فيها على المسلمين، وتعاون مع كفار الهند من الهندوس والسيخ لمحاربة الحكم الإسلامي، فقرر الخروج للجهاد في سبيل الله وانضم لسلك الجندية ورحل إلى «لكهنؤ» في شمالي شرق الهند، والتحق بخدمة الأمير المجاهد «نواب مير خان» ولبث معه عدة سنين ثم تركه لما رآه عقد معاهدة سلام مع الإنجليز.
انتقل أحمد بن عرفان إلى منطقة «دهلي» عاصمة الهند الإسلامية ومقر الحكم الإسلامي القديم وكانت موطن العلماء والصالحين، فالتقى مع الشيخ عبد العزيز ابن العلاَّمة الكبير ولي الله الدهلوي وأخذ منه العقيدة السلفية وبرع فيها وذلك سنة 1222هـ، ثم خرج للجهاد فلم يجد راية إسلامية خالصة تجاهد في سبيل الله وتحرير البلاد، وعلم أن السبب في ذلك ضعف العقيدة وانتشار البدع والخرافات والفكر القبوري، فأخذ يدعو للعقيدة السلفية الصحيحة ومحاربة البدع والضلالات واحتج بالبراهين النيرة القوية، ودخل في مناظرات مع أقطاب التصوف فدحضهم وأبطل شبههم حتى أعلى الله مناره، واجتمعت على محبته القلوب ودخل الآلاف من الهندوس في الإسلام وخرج هو وجماعة من أعوانه وأتباعه للدعوة وحشد الرجال للجهاد في سبيل الله، وطاف معظم شمالي الهند شرقًا وغربًا ودخل مدن «بُهلت»، و«لوهاري»، و«سهارنبور»، و«رامبور»، و«بريلي»، و«شاه آباد» وانتفع به خلق كثير، وكلما ازداد عدد أتباعه ازدادت شناعة ودعاية مشايخ الصوفية ضده وبدَّعوه وكفروه وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي، وهم يكيدون له ويتربصون به وينجيه الله في كل مرة.
ثم عاد الإمام أحمد إلى بلدته «راي بريلي» وتزوج بأرملة أخيه إسحاق بن عرفان، وبذلك يكون قد أبطل عادة ذميمة وهي عدم التزوج من الأرامل، وبايعه الكثير من علماء وشيوخ «لكنهؤ» وتابعهم على ذلك الألوف من أهل لكنهؤ، ثم خرج هو ومجموعة من أصحابه لأداء فريضة الحج وذلك سنة 1237هـ، وكان أول من حج من مسلمي الهند منذ فترة طويلة بسبب تعطل هذه الفريضة تحت تأثير بعض الفتاوى التي أسقطت هذه الفريضة عن مسلمي الهند بدعوى البعد والمشقة، وأثناء رحلته للحجاز أخذ يدعو الناس في طريقه إلى العقيدة الصحيحة والجهاد في سبيل الله، بل أخذ في الدعوة وهو بأرض الحجاز.
عاد الإمام أحمد وأتباعه من الحجاز سنة 1239هـ إلى بلدته «راي بريلي» وأخذ في بث الدعاة من عنده إلى أنحاء الهند للتذكير والإرشاد، فازداد عدد من انضم لدعوته، واجتمع عنده ألوف الرجال، فلما استوثق من جمعه ونيتهم الخالصة للجهاد، أعلن عن حركته الجهادية، وقرر البدء بجهاد السيخ الكفار، وكان الإنجليز قد أقطعوهم إقليم البنجاب ذا الأغلبية المسلمة، فأقاموا عليه مملكة خاصة بهم، فتوجه الإمام أحمد إليهم سنة 1241هـ ودخل أولاً بلاد أفغانستان ليحرض أهلها على الجهاد فهم أهل نجدة وشجاعة، وبعث أصحابه إلى كابل وكاشغر وبخارى ليحرضوا ملوكها على الاشتراك في الجهاد فاستجاب له أعداد كبيرة من أهل هذه البلاد.
زحف الإمام أحمد ورجاله على إقليم البنجاب وحقق عدة انتصارات كبيرة ضد جيوش السيخ، حتى مد فتوحاته إلى بيشاور وقرئت باسمه الخطب في مناطق كثيرة، وأقام دولة إسلامية صغيرة في هذه المناطق أقام فيها الشريعة وأمات البدع والشركيات والخرافات، ودعا للعقيدة السلفية، فاستغل أعداؤه هذا الأمر وأشاعوا عليه الأباطيل والأكاذيب وكانت الطرق الصوفية منتشرة في أهل البنجاب وأفغانستان، فأخذ من بايعه من قبل في الانفضاض عنه شيئًا فشيئًا تحت تأثير الأكاذيب والأباطيل، وتمادى الأمر حتى أصبح في قلة من أصحابه، فاستغل أعداء الإسلام السيخ ومن والاهم من مشايخ الصوفية الفرصة وهجموا عليه في 24 من ذي القعدة سنة 1246هـ عند وادي بالاكوت (بأرض باكستان الآن) وظل أصحابه يدافعون عنه حتى قتلوا جميعًا وهو في مقدمتهم رحمه الله عز وجل.