مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

المشروع المتوسطي

16 دقيقة قراءة نسخة أرشيفية

تتعدد المداخل التي يمكن من خلالها التعرض لمناقشة العلاقات بين الاتحاد الأوروبي، وبين دول جنوب وشرق المتوسط، التي يعبر عنها عادة بالمشروع المتوسطي، ومن أكثر هذه المداخل عرضاً ومناقشة على المستوى الرسمي والأكاديمي، المدخل الذي يتعرض لتفاصيل المشروع، والمراحل التي مر بها، وموقف كل طرف … الخ، ورغم أهمية هذا المدخل، فإن مناقشة المشروع المتوسطي من خلال تحديد الأهمية الإستراتيجية القصوى لظاهرة التكتلات الإقليمية والاقتصادية، والعلاقة بينها وبين العولمة، وتأثير كل منها على الدول بصفة عامة، ودول الشرق الأوسط بصفة خاصة، بحيث يمكن في نهاية البحث أن نصل إلى تقويم لمدى أهمية المشروع المتوسطي.

وسوف نتعرض في ما يلي لمناقشة النظام الدولي في مرحلة انتقالية، ثم للعولمة وسيادة الفكر الديمقراطي الرأسمالي الغربي وأثر ذلك على الدول النامية.

النظام الدولي في مرحلة انتقالية:

يمر المجتمع الدولي منذ فترة ليست بالقصيرة، بمرحلة انتقالية دقيقة وهامة، بها عديد من المظاهر المتداخلة والمتشابكة، بشكل غير نمطي وغير تقليدي، ورغم تعدد الآراء والنظريات التي حاولت إلقاء الضوء على هذه المرحلة فإنها تكاد تجمع على أن هناك تحولاً جذرياً يحدث في النظام الدولي، سواء بمحاولة إثبات أن التحول قد تم فعلاً، وأننا في مرحلة 'العولمة' بمعنى أننا أصبحنا فعلاً في نطاق نظام دولي جديد تكاملت أركانه ومقوماته، أو بالقول بأن ما يحدث هو تطور نمطي متدرج في النظام الدولي، قد يكون مختلفاً عما سبقه، إلا أنه لا يعد تحولاً من نظام إلى آخر، وأننا بالتالي لسنا بصدد نظام دولي جديد.

وبدون الدخول في تفاصيل هذه الآراء والنظريات، والفروق بينها وأهداف كل منها، الأمر الذي قد يخرج عن نطاق هذا البحث، فإنه من المؤكد أن هناك تحولاً جذرياً في النظام الدولي، وأننا نمر الآن بمرحلة انتقالية هامة، من النظام الدولي التقليدي، الذي بدأ يفقد كثيرا من ثوابته ومقوماته، إلى نظام دولي آخر جديد هو 'العولمة'، التي لم تستكمل بعد ملامحها وأبعادها المختلفة، وبالتالي لم تظهر وتتأكد بعد ثوابتها ومقوماتها.

وتتصف هذه المرحلة الانتقالية بكل ما تتصف به الفترات الانتقالية بشكل عام، من حيث تعدد الأخطار والتهديدات كماً وكيفاً، وعدم التيقن مما هو مؤكد وما هو مؤقت، وعدم وضوح قواعد وأصول اللعبة حالياً أو في المستقبل … الخ. ورغم أن البعض يشيرون إلى أن العولمة قد بدأت، أو استكملت أبعادها، في تاريخ محدد هو نهاية حقبة القطبية الثنائية، ورغم أهمية هذا الحدث، والتداعيات التي أدى إليها، والتي تجعله بجميع المقاييس حدثاً فريداً من نوعه، حيث حقق انتصاراً من نوع جديد غير مسبوق، لدولة عظمى على دولة عظمى أخرى دون صدام عسكري مباشر، فإننا نرى أنه لا يعد حدثاً مكوناً ومنشئاً لنظام دولي جديد، أو مؤدياً إلى استكمال واستقرار النظام الجديد بكل أبعاده وثوابته، بقدر ما يعد حدثاً كاشفاً لثوابت ومتغيرات نظام دولي جديد في طور التكوين، تتبوأ فيه الولايات المتحدة الأمريكية موقع ولقب الدولة العظمى الوحيدة - حتى الآن - ويسوده الفكر الديمقراطي الرأسمالي الغربي بأبعاده المختلفة.

كل ذلك يصاحبه تطور علمي وتكنولوجي يخرج الإنسان لأول مرة من نطاق الكرة الأرضية إلى الفضاء الخارجي، حيث تصبح الإنسانية كلها في جانب - مهما كانت الخلافات

القائمة بين شعوبها ودولها - والفضاء الخارجي في جانب آخر، وهو ما يطلق عليه 'الكونية'

وبالتالي فنحن الآن ما زلنا في مرحلة انتقالية من نظام دولي إلى نظام دولي آخر، الأول ما زال بعض أسسه ومبادئه وثوابته قائماً، والثاني بدأت جزئياته وبعض ثوابته في الظهور والنمو، منذ فترة ليست بالقصيرة، جزئية وراء أخرى، وحدث وراء حدث، عام بعد عام، منذ أن بدأ المجتمع الدولي في التطور في العصر الحديث، والمحصلة أن التقدم الإنساني ما زال مستمراً، لم ينته أو يتوقف، بمعنى أن العولمة لم تصل إلى غايتها بعد .

العولمة وسيادة الفكر الديمقراطي الرأسمالي الغربي، وأثر ذلك على الدول النامية:

يقوم الفكر الديمقراطي الرأسمالي الغربي نظرياً، على أساس تحويل 'الصراع العدواني' باعتباره أحد النوازع الطبيعية اللصيقة بالإنسان منذ بدء الخليقة وحتى الآن، إلى ما يمكن أن نطلق عليه مجازاً 'الصراع الحميد' من خلال أسلوب بسيط في ظاهره، عميق في حقيقته، صعب في تحقيقه، وهو 'المنافسة' القائمة على قواعد عامة مجردة عادلة مقننة ومعلنة سلفاً، وهي بهذا المفهوم تعد البديل الحضاري للصراع، بعد نزع عامل العدوان منه.

فالمنافسة من الناحية السياسية تسمى ديمقراطية، حيث يكون لكل إنسان الحق في ترشيح نفسه لتمثيل مواطنيه أو لقيادتهم، فإذا نجح تبوء مكاناً يمكنه من خلاله تطبيق مفاهيمه وفكره، وإذا فشل تحول إلى نوع آخر من المنافسة ليحقق بها ذاته.

والمنافسة من الناحية الاقتصادية تسمى بالحرية الاقتصادية ونظام السوق، حيث يتنافس الجميع لزيادة دخولهم طبقاً لقدراتهم، فيصبح البعض أغنياء والبعض الآخر متدرجين من الغنى إلى الفقر، مع وجود نظام للضمان الجماعي لمن يحتاج إليه.

والمنافسة من الناحية القانونية تسمى عدلاً، حيث يأخذ كل ذي حق حقه من خلال قواعد عامة مجردة معلنة سلفاً، دون تمييز أو محاباة.

وهكذا في كل مناحي الحياة اجتماعياً وعلمياً ورياضياً … الخ، وكلما اتسع نطاق المنافسات لتشمل عددا أكبر من الأنشطة، واتسع نطاقها لتشمل عدداً أكبر من الأفراد، وازدادت عموميةً وتجرداً وعدالةً الضوابط التي تتم هذه المنافسات على أساسها، كلما ازداد المجتمع نضجاً، وازداد استقراره، فيزداد تقدمه، وذلك طبقاً لما هو معروف من أن مجموع المصالح المشروعة للأفراد تكون المصلحة العامة للمجتمع.

ولذلك فإن الإنسان الفرد أي 'الوحدة' المخاطبة بواسطة القانون الداخلي للدولة، في الفلسفة الديمقراطية الرأسمالية الغربية، هو المحور الذي يدور حوله وله وبه النظام الداخلي للدولة، وبالتالي فإن له حقوقاً أساسية لا يجوز التعدي عليها هي حقوق الإنسان، وأي خرق لها يعد جريمة يعاقب عليها.

ويصبح دور 'الدولة' الرئيسي هو ضمان استمرار المنافسات طبقاً لقواعد وأسس عامة مجردة عادلة مقننة ومعلنة سلفاً، والتدخل عند اللزوم لإيقاف من يخرج عن هذه الأسس ويتعدى على غيره، أو لتعديلها لتتناسب مع مواقف جديدة، وهكذا يتسع أو يضيق دور الدولة طبقاً للمفاهيم والتطبيقات التي تفرزها المنافسات على أرض الواقع.

وعلى الرغم مما يبدو في الظاهر من سهولة هذا الأسلوب 'التنافسي' كأساس للتقدم الإنساني، فإن حقيقة الأمر أن وضع هذا الفكر موضع التطبيق الفعلي أمر بالغ الصعوبة، فهو ما يمكن أن نطلق عليه السهل الممتنع، فالعدل أمر صعب التحقيق، وتحويل الإنسان من مرحلة الصراع العدواني، إلى مرحلة المنافسة العادلة أمر يحتاج إلى جهود علمية وعملية شاقة، وترويض كبير للنفس البشرية، وفترات زمنية طويلة من الممارسة الفعلية.

وبصفة عامة فالدول الغربية على جانبي الأطلنطي، تعد من أكثر المجتمعات التي أخذت منذ زمن ليس بالقصير بفلسفة المنافسة داخل أقاليمها، فرسخت مفهومها، ووسعت من نطاقها، ووضعت عديداً من الضوابط والأسس المجردة لضمان عدالة تنفيذها بقدر الإمكان، وبهذا استطاعت أن تقلل إلى حد ملحوظ من الصراع العدواني لمواطنيها، فحولت طاقاتهم العدوانية إلى طاقة تنافسية، وهو ما أدى بدوره إلى استقرارها وتقدمها، ويمكننا القول بأن هذا الفكر الغربي، بهذا التطبيق القائم في النظم الداخلية للدول الغربية، هو الذي أنتصر على الفكر الاشتراكي، الذي كان مطبقاً في الاتحاد السوفياتي، والكتلة الشرقية، وعديد من دول العالم الثالث.

والصعوبة أو بمعنى أصح الخطورة التي تواجه العولمة حالياً، هي أن النظام الدولي الجديد الذي يسوده الفكر الغربي الديمقراطي الرأسمالي، كما سبق أن ذكرنا، أصبح له هدفان، ومستويان للتطبيق، المستوى الأول يتعلق بالنظام الداخلي لكل دولة من دول العالم، والثاني يتعلق بالنظام الدولي ككل، وأدى التطبيق بهذا الأسلوب إلى عديد من التداعيات، وهو ما سنلقي عليه الضوء باختصار فيما يلي:

أولاً: بالنسبة للمستوى الأول الذي يتعلق بالنظام الداخلي لكل دولة من دول العالم الغير مطبقة للفلسفة الغربية، فهو يهدف إلى تغيير السلوك البشري للإنسان الفرد، وفي نفس الوقت تغيير فلسفة الحكم الداخلي للدولة في تعاملها مع هذا الإنسان الفرد، من قاعدة الصراع، بأبعادها وتسمياتها المختلفة التي كانت سائدة في هذه الدول من قبل كالشيوعية، والدكتاتورية، والقبلية، … الخ، إلى قاعدة 'المنافسة' بفكرها وتطبيقاتها وضوابطها الغربية المعروفة، وهي الديمقراطية سياسياً، ونظام السوق والحرية اقتصادياً، والعدل قانوناً، في نطاق قواعد عامة مجردة عادلة مقننة ومعلنة سلفاً، والتي يعد الإنسان الفرد هو المحور الذي تدور حوله وبه وله كل الأنشطة.

ثانياً: أما المستوى الثاني فهو يتعلق بالنظام الدولي الجديد نفسه، حيث أصبح الهدف هو إحداث تغيير في قواعد وأساليب ونظم المجتمع الدولي، بما يتناسب والفلسفة الغربية القائمة على قاعدة المنافسة، إلا أن التوجه الغربي على هذا المستوى الدولي ، أخذ منحى مختلفا عن التطبيق المستهدف بالنسبة للنظم الداخلية للدول، مع اختلاف كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على بعض إستراتيجيات ومراحل تطبيق هذا التوجه، كما سيأتي شرحه في ما بعد.

وأخذ ذلك عددا من الاتجاهات، يمكن إجمالها، والإشارة إلى أهمها في ما يلي:

1- اتجهت الدول الغربية بصفة عامة إلى قصر تطبيق المنافسة عالميا على البعد الاقتصادي فقط، بإقرار وترسيخ نظام السوق وقاعدة حرية التجارة والخدمات والمعلومات من خلال منظمة التجارة العالمية، ومنظومة ما بعد اتفاقية الجات الجديدة … الخ، مع إغفال البعدين الآخرين الأساسيين اللازمين لضمان تحقيق المنافسة، وهما الديمقراطية والعدالة، أي بدون قواعد عامة مجردة عادلة مقننة ومعلنة سلفاً، وبالتالي فقدت 'المنافسة' مقوماتها الأساسية، وبالتالي فقد الفكر الغربي دولياً، المقومات الأساسية التي كانت السبب في نجاحه داخلياً في الدول الغربية.

وبدلاً من العمل على تحويل المجتمع الدولي من مرحلة الصراع إلى مرحلة المنافسة ولو بشكل تدريجي، أسوةً بما هو مستهدف تطبيقه في النظم الداخلية للدول، تحول المجتمع الدولي إلى مرحلة جديدة من مراحل الصراع أشد عنفاً، وأعمق أثراً، وأكثر دهاءً، عما كان عليه الصراع من قبل. إن الحرية الاقتصادية بمعنى حرية التجارة والخدمات والمعلومات، بما تستدعيه من إزالة كل إجراءات حماية الدولة لأسواقها الوطنية، وتحويل العالم إلى سوق واحدة تحكمها 'المنافسة' في غياب الديمقراطية والعدالة الدوليين - قياساً على الديمقراطية والعدالة في النظم الداخلية للدول الغربية - قد أدت وسوف تؤدي بشكل أكثر وضوحاً وحتمية، إلى سيطرة الأسواق الكبيرة القوية للكيانات الدولية الكبرى، على باقي الأسواق الأقل حجماً وقوة.

وهذا ما يفسر عديداً من الظواهر الجديدة، منها على سبيل المثال ظاهرة الاندماج بين كبرى الشركات العالمية العملاقة، بعد أن أكدت الدراسات الاقتصادية والمالية المتعمقة، أن معركة السيطرة على الأسواق ستكون بين عدد قليل من العمالقة، وسوف تحسم في النهاية

لصالح عدد أقل من ذلك في كل تخصص، بكل ما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من تأثير على الشركات والمؤسسات الخاصة في الدول الصغيرة.

2- اتجهت الدولي الغربية أيضا إلى إنشاء نظام قانوني دولي جديد، ليحل محل النظام القانوني التقليدي، من أهم مظاهره ما يلي :

أ - زيادة كبيرة للغاية في القوانين الدولية، من خلال عديد من المعاهدات الجماعية المشروعة الملزمة، التي تنظم عديداً من الأنشطة الدولية المرتبطة ارتباطاً مباشراً بالنظام الدولي الجديد، من حيث نطاقها، وتوجهها المشترك ، والتي تحقق الأهداف المرجوة من هذا النظام الدولي الجديد، منها على سبيل المثال معاهدات الفضاء الخارجي، والبيئة، وحقوق الإنسان، والحرب الكيماوية، والحرب البيولوجية، ومنع الانتشار النووي، ومنظمة التجارة الدولية … الخ.

ب - بعض هذه القوانين الدولية الجديدة تعطى للمجتمع الدولي - أي للقوى الكبرى من خلال وسائل مختلفة - الحق في مراقبة الالتزام الدولي بنصوصها، وفي توقيع العقاب على كل من يخالفها، مما أخل بالقاعدة القانونية الدولية التقليدية الخاصة 'بالسيادة' الكاملة والمطلقة للدولة على إقليمها، وعدم التدخل في الشئوون الداخلية للدولة، والتي كانت حتى وقت قريب تعد الأساس الذي يقوم عليه النظام القانوني الدولي التقليدي، والآداة الرئيسية التي كانت الدولة تستند إليها في حماية أمنها القومي .

ج - أن كل هذه القوانين الدولية الملزمة، قد تم إعدادها في غياب الديمقراطية والعدل

الدوليين، أي أنها تعد تعبيراً قانونياً عن المصالح والأهداف العليا للقوى الدولية الكبرى،

وأصبح بالتالي التدخل الخارجي في الشئوون الداخلية للدول مقنناً ومشروعاً، ليس بغرض

تحيقق العدل، ولكن بغرض تحقيق المصالح. والأمثلة على ذلك عديدة، فمعاهدة منع

الانتشار النووي npt تنص بعبارات قانونية واضحة على أن الدول الخمس الكبرى لها الحق

في الاحتفاظ بالأسلحة النووية، في نفس الوقت الذي تحرم فيه ذلك على باقي الدول الغير

نووية، طبقاً لنص المادة الأولى، وتفسيرها المشار إليه في المادة 9 فقرة 3 من المعاهدة.

وإذا كان منع الانتشار النووي يعد أمراً منطقياً ، يهدف إلى عدم تواجد الأسلحة النووية في أيد غير مسؤولة، فإنه من غير المنطقي أن تصر الدول النووية على استمرار احتفاظها بهذه المكنه، رغم زوال أسبابها بانهيار الإتحاد السوفيتي، هذا بالإضافة إلى أنها ملتزمة قانوناً - وفقا لنصوص معاهدة منع الانتشار - بإعادة النظر في استمرار احتكارها لهذا السلاح.

كما أن تطبيق هذه المعاهدة قد أدى إلى أن الدول التي قامت بالتصديق عليها - حتى ولو كان ذلك تحت ضغوط سياسية وضد أمنها القومي - قد أصبحت ملتزمة بأحكامها، في حين أن من لم يوقع عليها، ولم تمارس عليه الضغوط لتنفيذ ذلك، يمكنه عدم الالتزام بأحكامها، ولو أدى ذلك إلى الإخلال بأمن الدول الموقعة عليها، وهذا هو الواقع الفعلي في الشرق الأوسط، حيث صدقت كل دول المنطقة على معاهدة منع الانتشار النووي.

ورغم الأخطار العديدة التي تواجه دول المنطقة من جراء ذلك، في ضوء أن احتكار إسرائيل للسلاح النووي - والذي يأتي على قمة أسلحة الدمار الشامل تدميراً وفتكاً - يشكل أحد أهم التهديدات التي تؤثر على أمن وسلامة دول وشعوب المنطقة كلها، بما في ذلك إسرائيل، فإن هناك خطراً آخر لا يقل عنه أهمية، إن لم يزد، هو أنه يخل بجوهر النظام القانوني الدولي الجديد، الذي يعد الأساس الذي سيبنى عليه النظام الدولي الجديد كله.

فإذا كان القانون الدولي يحمي مصالح وأمن البعض، ويخل بمصالح وأمن الآخرين، فإن النظام القانوني الدولي يصبح مهدداً من أساسه، بكل ما يؤدي إليه ذلك من تعميق للصراع، وإهدار لقواعد المنافسة، أي إهدار للفلسفة الغربية التي سعت الدول الغربية، وما زالت تسعى، إلى إقرارها ونشرها. وبهذا التوجه، يصبح المجتمع الغربي كمن يحارب نفسه بنفسه، أو يحارب فكره بتطبيقه، فبعد أن نجح في نشر الفكر والمبادئ الغربية على مستوى العالم، فاقتنعت بها شعوب عديدة من الدول، وطبقتها في نظمها الداخلية، على أساس

أن ذلك هو الحل الصحيح والطريق القويم لرفع المعاناة والتغلب على الصراع، والتحول إلى مجتمع المنافسة والعدل داخلياً وخارجياً. في نفس هذا الوقت، اتجهت الإستراتيجية الغربية إلى محاربة وضع هذا الفكر موضع التطبيق على المستوى الدولي، أي في النظام الدولي الجديد، في الفرصة الأولى، وربما تكون الأخيرة، التي واتت الغرب لكي يوحد بين الفكر والتطبيق على المستويين الداخلي والدولي، أي توحيد الفكر والتطبيق ليكون أساسه الإنسان الفرد، أيا كان موقعه، سواء في دولة غربية أو في دولة أخرى؟؟.

فهل يستطيع الإنسان الفرد - في الدول التي تحولت إلى الفلسفة الغربية كنظام للحكم - أن يعتنق فلسفة وأسلوب حياة تقوم على معيارين مختلفين، بل ومتعارضين في نفس الوقت؟؟ ، الأول يطبقه داخلياً فينتخب أو ينتخب، ويشتري ويبيع، فيكسب أو يخسر، كل ذلك في نطاق نظام قانوني داخلي مستهدف يقوم على الديمقراطية والعدالة ولو نظرياً !!! … الخ، هل يستطيع أن يعتنق ويطبق ذلك في نفس الوقت الذي تواجه فيه دولته، وبالتالي هو، منافسة اقتصادية غير متكافئة، وتهديدات أمنية بسبب ازدواج المعايير، في مجتمع دولي يسيطر فيه القوي على الضعيف، من خلال اتفاقيات دولية ملزمة … الخ، أي في غياب الديمقراطية والعدل الدوليين ؟.

هل في الإمكان الإبقاء على هذه الازدواجية، فتتحول دول وشعوب العالم عن فكرها ونظم حكمها السابقة، وتأخذ بالفكر والنظام الغربي داخلياً، ثم تجد نفسها في مجتمع دولي يطبق فكراً ونظاماً يختلف تمام عن جوهر الفكر الغربي ومبادئه وأساسياته ؟؟ بل ويتعارض معه ؟ بكل ما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من تداعيات، في ضوء ما سوف تواجهه هذه الدول من صعوبات اقتصادية ومالية، وبالتالي انخفاض في مستوى المعيشة، وانتشار للفقر، وزيادة في الأزمات، وارتفاع في معدل الجرائم كماً ونوعاً … الخ.

الإجابة واضحة ومحددة، أن كل المحاولات التي بذلت وتبذل لتغيير عقلية الإنسان الفرد في المجتمعات الداخلية للدول، من الشمولية والسيطرة 'الصراع' إلى العدالة والحرية 'المنافسة'، سوف تتكسر على صعوبات الواقع داخلياً ودولياً، وهو ما قد يعرض النظم الداخلية لعديد من الدول إلى انتكاسات عديدة.

المشروع المتوسطي:

رغم تعدد المحاولات والمشروعات التي طرحت وما زالت مطروحة في منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة، لإقامة نوع أو أكثر من الاتحادات أو التكتلات أو الأسواق المشتركة … الخ، ورغم تعدد طبيعة وعناصر وأهداف كل مشروع، ما بين مشروع قومي عربي، أو مشروع إسلامي، أو مشروع شرق أوسطي، أو مشروع متوسطي … الخ، فالملاحظة الرئيسية أنها جميعاً تواجه صعوبات شتى، وكلها متوقفة، ويرجع ذلك إلى عديد من الأسباب والذرائع، عبرت عنها رؤى نظرية وبحثية، ومواقف وتصريحات حكومية ورسمية شتى، وتمتد من مجرد عدم وضوح مفهوم كلمة مشروع، أو المقصود من كلمة قومي، أو اصطلاح الشرق أوسطية، أو المتوسطية، إلى كون المشروع يتجاهل ثوابت مهمة !!!! كالتاريخ أو العقيدة أو القومية أو الدين …. الخ، أو كونه يهدف إلى تسلط عربي أو استعمار أمريكي، أو سيطرة أوروبية، أو توسع صهيوني إسرائيلي، أو تطرف إسلامي … وهكذا.

والحقيقة أن كل هذه الرؤى والمواقف وغيرها، قد تكون صحيحة بشكل أو بآخر، ولكن الحقيقة أيضا أنه بالرغم من كل ذلك، فهناك مشروعات تنبع من منطلقات واقعية، هادفة، تتمشى مع تطور النظام الدولي، وبالتالي فهي تحتاج إلى التعامل معها بشكل جاد علمياً ورسمياً، لتطويعها بما يحقق الحد الأدنى لمصالح الأطراف المشاركة فيها.

والمشروع المتوسطي يعد - من حيث المبدأ - من أكثر المشروعات المطروحة على دول المنطقة واقعية، وإمكانية على النجاح، كما أنه يمكن أن يحقق المصالح العليا لدول الشرق الأوسط بصفة عامة، والدول العربية بصفة خاصة، فمن خلال المشاركة الاقتصادية في نطاق المشروع المتوسطي، وما يمكن أن يتلوها من خطوات مدروسة، يمكن أن تتحقق بدايات المشروع المتوسطي، وما يمكن أن يتلوها من خطوات مدروسة، يمكن أن تتحقق على تغيير المناخ الإقليمي من الصراع إلى المنافسة، كما أنه في نفس الوقت يسمح بتحقيق بدايات متدرجة صحيحة ومقبولة للتكتل العربي إقليمياً، بشرط أن يتم ذلك من خلال رؤية عربية جماعية علمية واقعية.

فإذا تتبعنا بشكل سريع المبادرات الأوروبية بخصوص المشروع المتوسطي، والتي بدأت بقمة باريس وإعلان السياسة المتوسطية الشاملة عام 1972، والحوار العربي الأوروبي عام 1974، ثم قرارات ستراسبورج وروما 1990، وبيان قمة لشبونة عام 1992، ثم بيان قمة برشلونة في نوفمبر 1995 _ وإعلان مبدأ الشراكة، فإننا سنجد أنها جميعا تتميز بالثبات نحو تحقيق الهدف الأوروبي الإستراتيجي البعيد، وهو الامتداد جنوبا لاستكمال إنشاء التكتل الإقليمي الأوروبي العملاق، في ضوء المعطيات المحيطة بالمشروع، المتمثلة في مواقف القوى المؤثرة داخل الاتحاد الأوروبي من جانب، والعلاقات الثنائية الأوروبية الأمريكية، سواء على مستوى التعارض أو التنسيق في إستراتيجيات التوجه نحو العالمية وإنشاء التكتلات وتوسيع دور حلف الأطلنطي من جانب ثان، بالإضافة إلى الموقف في الشرق الأوسط وتأثيره الأمني سلباً وإيجاباً على أوروبا، ومدى قدرة دوله على المشاركة الفعلية في تحقيق المشروع ووضعه موضع التطبيق من جانب ثالث.

ويمكن أن نشير إلى الخطوط العريضة للمشروع المتوسطي المتضمنة في إعلان برشلونة عام 1995، بأبعاده الثلاثة: المشاركة السياسية والأمنية، والمشاركة الاقتصادية والمالية، والمشاركة الاجتماعية والثقافية والإنسانية، وذلك من خلال التفرقة بين النصوص المتعلقة بالنظم الداخلية للدول، وتلك المتعلقة بالعلاقات الإقليمية بصفة عامة والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي بصفة خاصة.

روابط الملف الصحفي

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 19 سبتمبر 2002
  1. صورة المرأة العربية في وسائل الإعلام العربيةتقدم الدكتور جابر عصفور [ مفكر علماني بارز ]بورقة عمل للمنتدى عن صورة المرأة العربية في وسائل الإعلام العربية . ونظرا لما طرح في هذه الورقة للقارئ من فوائد وفقا لقاعدة ' اعرف عدوك ' فقد آثرنا أن نعرض اختصارا لها مكتفين بالتعليقات الموجزة جدحدث الساعة · 22 د قراءة
  2. آليات النظام الدولي الجديدمن الناحية المفاهمية، يمكن القول بأن هناك ثلاث ديناميات رئيسية حاكمة للتطورات والاتجاهات في النظام الدولي، يمكن الإستدلال عليها أمبريقيا، وهي: 1 - التفتيت: ويقصد بالتفتيت العمليات التي تجري لخلخلة الوحدة الإقليمية Territorial Unity والاندما9 د قراءة
  3. دور الإعلام الإسلاميلـيـست مهمة الإعلام الإسلامي إلا تبليغ رسالة الإسلام وتوضيح صورتها أمام من جهـلها والـذود عـنها ضد من عادها وما كان رسولنا الكريم إلا مبلغاً لهذه الرسالة عندما نزلت من السماء وفق الأمر الإلهي في قوله تعالى : [[يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ14 د قراءة
  4. وضع المرأة ككل و الدعاية الإعلانيةهناك دراستان فى الجامعات المصرية نوقشت موخرا عام 2000 الاولى للباحث أحمد حامد بكلية التربية جامعة عين شمس حيث يوكد فيها الباحث على أن 90فى المائة من الاعلانات تستخدم فيها المرأة وتستغل كأنثى من أجل الترويج لسلع استهلاكية وسلع لا تكون لها أي7 د قراءة
  5. الإعلام الغربي وتشويه حقائق الصراعلا جدال في أن من يملك الإعلام في هـــذا الزمان يملك زمام الشعوب؛ ففي عالم تحوّل إلى قرية صغيرة تطورت فيه وسائل الإعـــلام والاتصالات، وغزت فيه عالمنا الإسلامي الأفكار والقيم الواردة من كل أنحاء العالم... وأصـبح من المهم بل من الضروري البحث 23 د قراءة
  6. الطفلة الأنثىومن الدراسات القليلة التى تناولت الأنثى الطفلة الانثى بشكل تفصيلى دراسة معمقة بعنوان الاعلام المصرى ومشكلات الطفلة الانثى حيث تتوصل الباحثة فيها الى أن الفئة العمرية من الفتيات من سن صفر حتى ال 18 عاما والتى تشكل حوالى 15 من مجموع سكان مصر 5 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: المشروع المتوسطي