مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

جهود غربية أمريكية لإجهاض المقاطعة

5 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

تعرضت وما زالت المقاطعة العربية لإسرائيل لمعارضة وضغوط من الدول الغربية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، فالولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب عمومًا بدأت منذ عدة سنوات في مساندة إسرائيل واتخاذ إجراءات للضغط على الدول العربية؛ لإلغاء هذه المقاطعة بحجة تهيئة الأجواء لمفاوضات السلام العربية – الإسرائيلية وبناء جسور الثقة بين الطرفين، وعلى جانب آخر سعت هذه الدول إلى إضفاء الطابع العنصري على المقاطعة العربية لإسرائيل، والقول بأن المقاطعة ضد الشرعية الدولية وقوانين حرية التجارة العالمية، بل إن دولاً أوروبية [فرنسا] قامت بإصدار قانون في عام 1997م يرفض مبدأ المقاطعة، وبدأت هذه الدول في استخدام منظمات دولية لتفكيك عرى المقاطعة العربية لإسرائيل، ولعل أحدث مثال لذلك هو ما بدأته الرابطة الدولية لمناهضة العنصرية ومعاداة السامية 'ليكرا' في مايو 2000م من حملة ضارية ضد المقاطعة العربية للشركات الأجنبية التي تتعامل مع إسرائيل وساعدتها في ذلك غرفة الصناعة والتجارة في فرنسا؛ وذلك بهدف إرساء قاعدة قانونية واستصدار حكم قضائي من المحاكم الفرنسية يكون سندًا ومرجعًا لإرغام الشركات الفرنسية على عدم الانصياع لإجراءات المقاطعة العربية لإسرائيل، حيث قامت هذه الرابطة بمقاضاة شركة 'المييرام' الفرنسية التي أبرمت عقدًا مع إحدى شركات دبي لتزويدها بشحنة من الأدوات المنزلية، وقامت شركة دبي بالاشتراط عليها أن تصدر شهادة تؤكد أن هذه المنتجات فرنسية، ولا تحتوى على أي مكون إسرائيلي، وهذا المثال وغيره يؤكد أن الدول الغربية تسعى جاهدة إلى إجهاض المقاطعة العربية لإسرائيل.

لقد أصبحت المقاطعة العربية لإسرائيل رغم مشروعيتها وفاعليتها 'رهينة المحبسين': المحبس الأول: هو محبس من صنع الظروف الدولية الراهنة التي أدت إلى اتساع الثقوب في جدار المقاطعة العربية لإسرائيل والتي أثرت على فاعليتها، أما المحبس الأخير فهو من صنع العرب أنفسهم والذي جاء نتاج أنماط التنمية العربية والتوجهات الاقتصادية الخارجية للدول العربية خاصة نحو إسرائيل وأمريكا، ومن ثَم يثار هنا سؤال ألا وهو: هل تنجح المقاطعة العربية لإسرائيل في ظل الظروف الدولية الراهنة، وفي ظل الأوضاع الاقتصادية العربية الراهنة، وتشابك الاقتصاديات العربية مع الاقتصاد العالمي؟ ويمكن الإجابة عن هذا السؤال من خلال التعرف على حقيقة تلك الظروف.

أولاً: الظروف الدولية التي تؤثر على المقاطعة العربية لإسرائيل:

وتتمثل أهم هذه الظروف فيما يلي:

- انتشار النمط الدولي الجديد للإنتاج الذي يقوم على مفهوم 'تدويل الإنتاج' الذي يصعب معه تحديد منشأ السلعة بدقة حيث أصبحت أكثر من دولة تشترك في إنتاج نفس السلعة، ومن ثَم يكون هناك صعوبة في متابعة منشأ السلع الإسرائيلية والجزم بها أو تحديد المكون الإسرائيلي أو الأمريكي بها، وإن كان ذلك ليس مستحيلاً، ولكن يجب إدراك أن مقاطعة سلعة إسرائيلية أو أمريكية أو سلعة بها مكون إسرائيلي سوف تشمل مقاطعة دول أخرى مشاركة معها في الإنتاج بما فيها دول عربية تشارك إسرائيل في إنتاج بعض السلع مثل مصر والأردن؛ لوجود استثمارات إسرائيلية بتلك الدول العربية، أي أن تدويل الإنتاج أدى إلى توسيع دائرة المقاطعة وإلقاء مزيد من الجهد والأعباء على الأجهزة العربية للمقاطعة.

- تزايد الضغوط الدولية ضد المقاطعة العربية لإسرائيل وخاصة من الدول الكبرى التي دخلت بدرجة أكبر في دائرة المقاطعة العربية لإسرائيل، وأصبحت أكثر عرضة للخسائر بسبب هذه المقاطعة في ظل تدويل الإنتاج.

- تزايد عدد الشركات الدولية النشاط التي تعمل بإسرائيل أو لها فروع وتوكيلات بها، خاصة في مجال التكنولوجيا، وتزايد نفوذ هذه الشركات وتأثيرها على مؤسسات صناعة القرار السياسي في العالم، وهو ما يعني تزايد المصالح للدول الغربية في إسرائيل مقارنة بما كانت عليه في بداية تطبيق المقاطعة، ولذلك من المتوقع أن يكون هناك أصوات عالية من الدول الغربية التي لها مصالح في إسرائيل تعارض قرار تنشيط المقاطعة العربية في حالة اتخاذه من جانب القمة العربية.

وهذه العوامل بلا شك تضعف قوة وفاعلية المقاطعة العربية لإسرائيل، وإن كان من الممكن التعامل معها من منطلق أنها توسع ساحة عمل المقاطعة وتجعلها أكثر حسمًا في حالة تطبيقها بحزم ودون تردد أو استثناء، وجعلها قضية أمن قومي للعرب.

ثانيًا: الأوضاع الاقتصادية العربية التي تؤثر على مقاطعة إسرائيل:

تتمثل هذه الأوضاع في الآتي:

- زيادة الانفتاح الاقتصادي للدول العربية على العالم، وتزايد درجة اندماجها في الاقتصاد العالمي، وهو ما يعني أن تأثر المصالح العربية بتنشيط المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل وللشركات التي تتعامل معها سيكون أكثر اتساعًا، مما كانت عليه في الماضي سواء كانت هذه المصالح متعلقة بالتجارة مع دول العالم - وبالتحديد مع الولايات المتحدة الأمريكية والتي تمثل الصادرات العربية إليها نسبة 11% من الصادرات العربية الإجمالية بينما تمثل إجمالي الواردات العربية منها 12% من الإجمالي - أم كانت تلك المصالح في مجال الاستثمارات الأجنبية في الدول العربية، وبالتحديد الاستثمارات الأمريكية في الدول العربية، حيث تعتبر الولايات المتحدة هي المستثمر الأجنبي الأول في الدول العربية.

- أنماط التنمية في العالم العربي التي خلقت وعمقت التبعية الاقتصادية للخارج، وجعلت الاقتصاديات العربية أكثر عرضة للتأثر بالتغيرات الدولية الخارجية وخاصة في مجال الغذاء، حيث تبلغ فاتورة الغذاء العربي 20 مليار دولار ممثلة 62.6% من الواردات العربية، وهو ما يعكس ضعف نسب الاكتفاء الذاتي العربي من السلع الأساسية، وهو ما يعني إمكانية استخدام هذا الضعف كسلاح ضد الدول العربية في حالة تشديد المقاطعة وتأثر الدول الغربية بها.

- تزايد حالة التفكك العربي وضعف التنسيق في مجال المقاطعة، وتراجع العديد من الدول العربية عن تطبيق تعليمات المقاطعة تحت تأثير الضغوط الغربية عمومًا والأمريكية خصوصًا.

ولا شك أن هذه الظروف العربية تَغُلّ يد المقاطعة العربية، وتجعلها تتحرك بتحسب خوفًا من ردود الأفعال العالمية، ومن تعطل بعض المصالح للدول العربية نفسها، ولكن يمكن القول: إن هذه الظروف الدولية والعربية رغم تأثيرها على المقاطعة العربية لإسرائيل فإنها لا تفقد هذا السلاح العربي فاعليته، ولا تجعله عديم التأثير على الاقتصاد الإسرائيلي وفرص الازدهار الاقتصادي والحربي الإسرائيلي، وفي أسوأ الظروف فإنها تضع على كاهل الدول العربية مزيدًا من الجهد والأعباء لاستخدام هذا السلاح مقارنة بالماضي، ويبقى سلاح المقاطعة العربية لإسرائيل سلاح فعَّال ومهم، وتأتي أهميته من أنه يقع في المنتصف بين خيارين: الحرب أو السلام، فليس هناك إجماع عربي على خيار إعلان الحرب على إسرائيل، وليس هناك اقتناع إسرائيلي وتوجه حقيقي نحو السلام، ومن ثَم يبقي خيار المقاطعة العربية لإسرائيل البديل المطروح والذي سيلقى إجماعًا عربيًّا، وسيكون له نتائج ملموسة بشرط أن تأخذ الدول العربية جميعًا بمبادئ مقاطعة مشددة على إسرائيل، وتعيد النظر في توجهاتها الاقتصادية تجاه إسرائيل وأمريكا على وجه الخصوص.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 2 يوليو 2003
  1. سقوط إنطاكية – أول دخول للصليبيينالزمان / 3 جمادى الأولى – 491هـ المكان / إنطاكية – شمال الشام الموضوع / أولى الحملات الصليبية على بلاد المسلمين الأحداث / لابد أن نفرق بين عدوين اختلط أمرهما على الكثير حتى عدوهما واحداً لكونهما من النصارى , العدو الأول الدولة الرومية أو ال4 د قراءة
  2. طبيعة المقاطعة العربية لإسرائيلتنقسم درجات المقاطعة إلى ثلاث: الدرجة الأولى: تشمل مقاطعة السلع ذات شهادات المنشأ الإسرائيلي. الدرجة الثانية: تشمل مقاطعة الشركات الأجنبية العاملة في إسرائيل. الدرجة الثالثة: تشمل مقاطعة الشركات الأجنبية التي لها علاقة بالشركات الإسرائيلية.5 د قراءة
  3. دور الشعوب في عملية المقاطعةفي ظل غياب الضبط والتوجيه العربي الرسمي لها، فليس من المنطق في ظل تصرفات إسرائيل وفي ظل احتمالات تأثر الاقتصادات العربية بعملية المقاطعة أن نطالب الشعوب العربية التي هبت للمقاطعة ومناصرة الشعب الفلسطيني بعدم المقاطعة أو تأجيلها حتى تقوم الأ3 د قراءة
  4. دور الأجهزة والشركات العربيةلا يمكن للتحركات الفردية والشعبية أن تعمل بفاعلية في مجال المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل بمعزل أو في ظل غياب دور فاعل الأجهزة والشركات العربية فكلاهما مدعم للآخر ومكمل له، بل إن الدور الرئيسي يقع على عاتق هذه الحكومات والأجهزة والشركات، وإذا 4 د قراءة
  5. خسائر إسرائيل بسبب المقاطعةجهاز المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل الذي أنشأته جامعة الدول العربية هو الجهاز العربي الوحيد الذي عمل بكفاءة وفاعلية منذ بدايته في عام 1951م، وحتى بدأت عملية السلام على المسار الفلسطيني في بداية التسعينيات، حيث نجح هذا الجهاز في بلورة أحكام ال2 د قراءة
  6. تاريخ المقاطعة العربية لإسرائيلعام 1920 بمدينة نابلس الفلسطينية ولدت فكرة المقاطعة العربية لإسرائيل من رحم الصراع مع اليهود، كان ذلك في مؤتمر الجمعية الإسلامية المسيحية الذي دعا فيه وجهاء فلسطين ومزارعوها إلى 'مقاطعة اليهود مقاطعة تامة'؛ وذلك ردًّ على مقاطعة اليهود لمنتج3 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: جهود غربية أمريكية لإجهاض المقاطعة