مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

القضية الصحراوية قضية تصفية استعمار

6 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

مفكرة الإسلام : تعتبر القضية الصحراوية من القضايا العربية التي لم تنل حظها الموازي لأهميتها عبر المشكلات والأحداث العربية المتواصلة والمتلاحقة؛ حيث تم تغييبها بقصد أحيانًا وبغير قصد أحياناً أخرى وخاصة في تلافيف ومنحنيات السياسة بالقياس إلى قضايا ومسائل أخرى نالت اهتماماً أكبر وهي أقل أهمية قياسًا بإشكالية الصحراء الغربية.

ولعله من الأهمية بمكان التذكير بأساس هذه القضية للمساعدة على فهم حقيقتها وطبيعتها؛ فقضية الصحراء الغربية في حقيقتها قضية تصفية استعمار يعود بالأساس إلى تعارض فريقين؛ الفريق الأول وهو المغرب الذي يدعي أن له حقوقًا تاريخية في الصحراء الغربية، والفريق الثاني وهم سكان البلاد أو الصحراويون الذين يؤكدون على حقهم غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال، تدعمهم في ذلك الجزائر.

ويستند المغرب فيما يدعيه على حجج قدمها لمحكمة العدل الدولية في لاهاي ضمن مذكرة أثناء مداولتها حول الصحراء الغربية سنة 1975، بعدما أحيلت إليها القضية الصحراوية من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة بناءً على طلب من مندوب المغرب عام 1974، سعيًا من المغرب لإثبات تواصل ممارسته للسيادة تاريخيًا على منطقة الصحراء الغربية، ومن هذه الحجج:

· ظهير 'مرسوم ملكي' تعيين القادة في الصحراء الغربية.

· جباية الضرائب.

· تبعية بعض القبائل للسلطان.

· دور الشيخ ماء العينين كممثل شخصي للسلطان في الصحراء الغربية.

· مقاومة الاستعمار.

· حملات السلاطين في المنطقة الجنوبية من السوس عامي 1882 و 1886.

· مجاورة الصحراء الغربية للمغرب والطبيعة الصحراوية للإقليم 'اعتبار الإقليم امتداداً طبيعياً للمغرب'.

· الأحداث الدولية المتعلقة بالصحراء الغربية 'اتفاقيات، معاهدات، مراسلات دبلوماسية'.

لكن محكمة العدل الدولية اعتبرت أن المعلومات المقدمة من طرف المغرب غير كافية لإثبات قيام سلطة مغربية فعلية في الصحراء الغربية، حيث أن:

· المغرب لم يقم أبداً بجباية الضرائب من الإقليم.

· حملات السلاطين لم تصل وادي درعة فما بالك بالصحراء الغربية.

· نشاط الشيخ ماء العينين لا يعد دليلاً على وجود سلطة للسلطان في الإقليم.

· حجة المجاورة غير واردة ولا يمكن تطبيقها على هذه الحالة، لوجود مطالب آخر 'موريتانيا' بنفس الحجة، ولأن الأرض مأهولة بقبائل منظمة على المستوى السياسي والاجتماعي.

أما الحجج المتعلقة بالأحداث الدولية التي قدمها المغرب كدليل على اعتراف دول أخرى بسيادته على الإقليم، فبعد أن صنفتها المحكمة ورتبتها من حيث الأهمية، فإنها خلصت إلى أنها لا تثبت الاعتراف الدولي من قبل حكومات أخرى بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، لأن الأحداث الدولية والأحداث الداخلية تقود إلى نفس النتائج، حيث إن الأولى تؤكد الثانية، فلا هذه ولا تلك تثبت وجود روابط قانونية أو سيادة إقليمية بين الصحراء الغربية والمملكة المغربية في فترة استعمارها من قبل أسبانيا.

ثم أعطت المحكمة رأيها الاستشاري الذي نص على حق الشعب العربي الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال.

والصحراويون إذ يؤكدون على أنهم لم يشكلوا جزءاً من المملكة المغربية من الناحية التاريخية ويتمسكون بحقهم في تقرير المصير والاستقلال فهم يستندون في ذلك على كثير من حقائق التاريخ والجغرافيا التي تثبتها كل الوثائق والكتابات سواء من المغرب نفسه أو من غير المغرب وهو ما استندت عليه الجمعية العامة في عام 1963 عندما أدرجت الصحراء الغربية في لائحة المناطق التي تجب تصفية الاستعمار منها من قبل الأمم المتحدة لتعترف بعد ذلك في العام 1966 بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال ولا زالت تؤكده حتى اليوم.

وفي ذلك الإطار تضافرت جهود الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية بحثًا عن حل لنزاع الصحراء الغربية ما أفضى إلى انبثاق مخطط للسلام وافق عليه الطرفان وصادق عليه مجلس الأمن الدولي سنة 1991 يتم بمقتضاه وقف إطلاق النار وتحديد هوية المصوتين ثم عودة اللاجئين الصحراويين ومركزة قوات الطرفين وتبادل الأسرى ويختم باستفتاء لتقرير المصير يختار فيه الصحراويون بين الاستقلال أو الانضمام إلى المغرب، على أن يتم كل ذلك في فترة أقصاها ستة أشهر من تاريخ وقف إطلاق النار الذي تم بالفعل في سبتمبر من عام 1991 تحت إشراف بعثة الأمم المتحدة لإجراء الاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة باسم المينورسو 'MINURSO'.

ولكن وحتى الآن والاستفتاء لم يتم، ومحنة الصحراويين لم تنته بعد، بسبب العراقيل المغربية التي تنوعت إلى درجة يصعب معها إحصاؤها، فتارة تقوم بنعت الصحراويين بأنهم مرتزقة من كوبا أو فيتنام وتارة بالانفصاليين المناوئين للوحدة الترابية من صنع الاستعمار ونتاج الحرب الباردة, وأحياناً تلجأ إلى ثنائية المشكل مع الجزائر، لكن الشمس لا يمكن تغطيتها بالغربال، فمنظمة الوحدة الأفريقية تعترف بالدولة الصحراوية والجمعية العامة للأمم المتحدة لا تزال تؤكد على أن قضية الصحراء الغربية، قضية تصفية استعمار لم تستكمل فصولها بعد، ومجلس الأمن يتابع عن كثب كل تطورات هذه القضية ويتلقى التقارير شهريًا من الأمين العام للأمم المتحدة.

لقد نجحت المملكة المغربية في تقديم قضية الصحراء الغربية على مستوى الساحة العربية على أنها مسألة تحرير واسترجاع أراض مغربية كانت مستعمرة، وقدم النظام المغربي نفسه بصفة 'البطل القومي'، مستغلاً مشاعر القومية النبيلة والتعلق القوي بالوحدة العربية ومعاداة كل توجه مناقض لذلك، وأوهم الكل 'على مستوى الساحة العربية'، بأنه يواجه فعلاً تياراً صحراوياً انفصالياً، ودعمته في ذلك آلة إعلامية غربية قوية 'فرنسية، أمريكية' وإسرائيلية تحالفت معه لتحقيق أهدافه، بينما انقسم الإعلام العربي بين داعم ومؤيد للموقف المغربي من منطق التحالف الأيديولوجي ومنطق السلطة وبين محايد حياداً سلبياً منبعه الفعلي جهل معطيات القضية وما يجري على الساحة الصحراوية ومبرره الظاهري رفض التجزئة دون تكلف عناء البحث عن الحقيقة.

مضت ثلاثون سنة منذ أن تعرض الشعب العربي الصحراوي لمحنته بسبب ظلم ذوي القربى الذي هو أشد مرارة، عانى فيها من الحرب والتشريد واللجوء والحرمان، لكنه صبر وصمد ورابط مقتنعًا بعدالة قضيته وبحقه في الدفاع عنها، ولا زال مستمراً في ذلك، فهل سيظل الموقف العربي على ما هو عليه، يتناسى الأرحام ويهمل الأيتام ويتغاضى عن الظلم احتراماً لمشاعر الظالم! هل نقر على مستوانا العربي بوجود مرجعية دولية 'تمثلها الهيئات الدولية' نحتكم إليها، أم أننا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعضه؟ هل الحق حق سواء وافق أهواءنا ومصالحنا الخاصة أم أنه غير ذلك عندما يكون العكس؟ إلى متى يتجاهل الأشقاء أشقاءهم ولا يرون في هذه القضية إلا بعدا واحداً 'السياسي' ويتجاهلون أبعادها الأخرى: الإنسانية والاجتماعية والقومية… إلخ.

الخلاصة الأساسية التي يجب أن تبقى حاضرة في كل الأذهان، هي أن مغربية الصحراء غير معترف بها، حتى الدول التي تؤيد وجهة النظر المغربية ضمن العلاقات الثنائية، فإنها لا تعترف رسميًا بما تدعيه المغرب من حقوق تاريخية في الصحراء الغربية، بما في ذلك الدول العربية.

روابط الملف الصحفي

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 15 نوفمبر 2004
  1. أهمية الصحراء الغربية كمنطقة نزاعلا شك أن مسمى المنطقة التي نحن بصدد الحديث عنها يوحي للسامع بأنه لا فائدة من ورائها، وقد يخيل إليه أنها مجرد قطعة من الأرض الرملية الصحراوية الجرداء الممتدة، ولكن مما لا شك فيه أن المنطقة تتمتع بمميزات جعلت الصراع عليها يمتد لما يزيد عن ثلا9 د قراءة
  2. وقفات تاريخية مع قضية الصحراء الغربيةعرفت منطقة الصحراء منذ مطلع القرن العشرين وحتى الوقت الراهن حوادث تاريخية هامة كان لها دور حاسم في تحديد مسار المنطقة عموما. دخلها الاستعمار الإسباني وظل فيها تسعة عقود ثم تركها مخلفا نزاعا بين دول المنطقة ما زالت أحداثه مستمرة إقليميا وقار11 د قراءة
  3. رجال حول الصراعالشيخ ماء العينين هو الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل القلقمي، ولد في 'الحوض' شرقي موريتانيا عام 1246هـ ، أخذ عن والده القرآن الكريم والعلوم الشرعية واللغوية كما تأثر به في جانب التصوف، فهو فقيه وشيخ صوفي ارتبط اسمه بمقاومة الاستعمار ال16 د قراءة
  4. المحاولات الدولية لحل مشكلة الصحراء الغربيةلم تشرع الأمم المتحدة في البحث عن حل أزمة الصحراء الغربية إلا بعد عقد من الزمن من اندلاع الحرب بين أطراف الأزمة. كانت منظمة الوحدة الأفريقية هي الهيئة التي بادرت إلى إيجاد حل تصالحي منذ اشتعال نار الحرب وخاصة في مؤتمرها التاسع عشر المنعقد ب5 د قراءة
  5. جبهة البوليساريوالجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب حركة تحرير وطنية تأسست عام 1973، وعقدت إلى الآن العديد من المؤتمرات، وصدرت عنها أدبيات سياسية تتجلى في: قانون أساسي وبرنامج عمل يحدد مهام وآليات مختلف مؤسسات وأجهزة الحركة. وهي المكونة من مؤ6 د قراءة
  6. الجهة الجنوبية في الصراع ... موريتانياالأسس التي قام عليها الموقف الموريتاني من قضية الصحراء أسس متعددة منها ما هو تاريخي ومنها ما هو سياسي. والأسس التاريخية تتمثل في أن هذه المجموعة التي تسمى 'البيظان' وهذا الإقليم الذي يعرف بـ'تراب البيظان' والذي يمتد من الساقية الحمراء شمالا6 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: القضية الصحراوية قضية تصفية استعمار