مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

الفكر التآمري بين المؤيدين له والمشككين فيه

7 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

د. علي عبد الباقي

مفكرة الإسلام : كثيراً ما يردد إعلامنا العربي والإسلامي مقولة أننا مستهدفون من قوى خارجية معادية، تريد بنا شراً، سواء لاستغلال ثرواتنا، أو احتلال أرضنا، أو إخضاع شعبنا، ومعه بقية شعوب الأمة العربية والإسلامية.

وتستند هذه المقولة على عدد من الأدلة والشواهد التاريخية لتصديقها.

وعلى سبيل المثال، فإن الإعلام المصري يردد أن حروب مصر مع الكيان الصهيوني من أجل فلسطين والعرب هي التي أفقرت مصر. وحقيقة الأمر أن مصر لم تدخل إلا حرباً واحدة من أجل فلسطين، وهي الحرب الأولى عام 1948، ولم تكن وحدها، ولكن كان معها عدة بلدان عربية أخرى (سوريا، العراق، والأردن، وحتى السعودية واليمن ولبنان). أما الحروب الثلاثة الأخرى (1956، 1967، 1973) فقد كانت حروباً مصرية ـ صهيونية على أراضي مصرية، ومن أجل مصر، وليس من أجل فلسطين أو العرب. بل إن العكس هو الصحيح فإن عرباً آخرين وقفوا مع مصر، بأموالهم وسلاحهم..

وها هي دولة الكيان الصهيوني التي خاضت مع مصر كل هذه الحروب وحروباً أخرى مع اللبنانيين ومع الفلسطينيين، ومع ذلك فإن معدلات التنمية فيها لم تتوقف أو تتراجع. وكان متوسط الدخل الفردي فيها عام 1948 مثل مصر أو أقل قليلاً. ولكن هذا المتوسط وصل الآن إلى خمسة عشر مثلاً لمتوسط الدخل الفردي في مصر.

نظرية القوى الخفية

نظرية التآمر هي الاعتقاد بأن هناك قوى شريرة خفية قوية تتحكم سراً بمجرى أحداث وتاريخ العالم، وهذه النظرية ببساطة تعني عدم تفسير الأمور حسب المعطيات الواقعية والمنطقية المتوفرة أو المستنتجة وتفسيرها على أساس أنها من فعل شخص أو جهة منافسة.

وهذا المنطق يكاد يشكل طريقة للتفكير، ومن ثم فهو يتوزع على مجالات عديدة، بدءًا من الكتابات التاريخية التي تضخم من أدوار بعض الشخصيات وتنسب إليها أدوارًا تاريخية، وصولاً إلى المؤامرات العالمية ضد الإسلام والمسلمين، أو "الصليبية" أو الماسونية، أو أندية الروتاري، أو بروتوكولات حكماء صهيون، وصولاً إلى الحرب على العراق، وأحداث 11 أيلول 2001م .

وتحظى نظرية المؤامرة بالقبول عند البعض نتيجة لما حدث ويحدث فعلا على الساحة العربية من وقائع منذ القدم وحتى الآن، ويتحدث المؤيدون لهذه الفكرة عن معلومات وافتراضات وتاريخ خلف ما يبدو على السطح من أحداث، ويدفع هؤلاء المؤيدون لوجود المؤامرة مجموعة من المبررات والتفسيرات التي تؤيد وجهة نظرهم منها: ما حدث في عصر الحملات الصليبية على الدولة الإسلامية من مؤامرات استهدفت في مجملها تفتيت وإضعاف الدولة الإسلامية بعدما اشتد خطرها على أوروبا من ناحية الأندلس وتركيا.

ومنها أيضاً ما حدث في عصر الاستعمار الأوروبي للدول العربية والإسلامية في القرنين 18، 19 وحتى منتصف القرن العشرين، وما أدى إليه هذا الاستعمار من تأخير النهضة العربية والإسلامية قرنين من الزمان نتيجة سياسة الاستعمار القائمة على التفرقة ونهب خيرات وثروات الشعوب.

ويتحدثون أيضاً عن تصدير المشكلة اليهودية في أوروبا إلى المنطقة وزرع كيان غريب وسط دول المنطقة يعمل على استمرار تخلف هذه الدول واستمرار الصراعات بين دول المنطقة والكيان الصهيوني على الدوام مما يهدد استمرار عمليات التنمية الشاملة نتيجة خشية وقوع حروب باستمرار، وما جلبته هذه الدولة المنزرعة من مصائب وشرور على شعوب المنطقة وليس أقلها المذابح التي ارتكبت في حق العرب والمسلمين ومازالت.

كما يتحدثون عن إعطاء غطاء دولي لهذه الدولة لكي تفعل ما تشاء بالشعب الفلسطيني، وكذلك الشعب اللبناني، بل وبالعالم العربي كله.

وكذلك ما يحدث بالسودان من محاولات تمزيق وحدته بمجموعة من اتفاقات الحكم الذاتي وتقاسم السلطة والثروة بين الحكومة المركزية وحكومات الأقاليم ، وما يثار حول دارفور هذه الأيام.

نقد فكر المؤامرة

ويدعم مبررات هذا الاتجاه ما ترتكبه أمريكا وحلفائها من أخطاء، وما ينفذونه من سياسات تدعم وجهة نظر المدافعين عن وجود مؤامرة وراء كل تلك السياسات.

والمدافعون عن وجود المؤامرة نسوا أو تناسوا دورنا نحن العرب والمسلمين في نجاح هذه المؤامرات، فلم تكن الحملات الصليبية لتنجح لولا الانقسامات التي كانت عليها الدولة الإسلامية وكذلك عصر الاستعمار، ولم نكن نحن الذين خضعنا للاستعمار فقط بل العالم أجمع.

وفي حرب الكويت لم يستطع صدام وجيشه وأركان حكمه فهم المؤامرة التي دبرت ضدهم وابتلعوا الطعم ودخلوا الكويت، وكان عليه الاستماع لنصائح العرب بالخروج الفوري من الكويت بديلا للوجود العسكري الأجنبي في المنطقة تحت راية تحرير الكويت وحمايتها من العراق.

وما حدث بعد أحداث سبتمبر ومبررات الحرب على الإرهاب بداعي تخلف العرب وهمجيتهم ألم تشارك فيه الدول العربية باستمرار حالة العجز الاقتصادي والتعليمي ، وتفشي فساد السلطة وفساد المجتمع مع الاستبداد بالسلطة مما دفع أمريكا لمحاولة نشر الديمقراطية والحكم الصالح حسب قولها.

وهكذا فإن المدافعين عن وجود هذه النظرية يغرقون في تفسير كافة المشكلات التي تحيط بالعرب والمسلمين على أنها من صنع وتخطيط الغرب دون محاولة فهم لماذا يفعل بنا الغرب هكذا أو محاولة تفسير الضعف العربي والإسلامي ومحاولة علاجه.

رفض فكرة التآمر

وفى مقابل الاتجاه المؤيد لفكرة المؤامرة يقف التيار الرافض لمنطق التفسير التآمري للأحداث، والمشكك في وجود المؤامرة بحد ذاتها معتمدا على مجموعة من المبررات منها منطق المصالح الذي يميز العلاقات الدولية، والزعم بأن كل ما ينفذ من سياسات هي من قبيل العمل على تحقيق مصالح معينة عن طريق اتباع السياسات التي تحقق هذه المصالح.

كما أن نظرية المؤامرة في حد ذاتها تعتبر شماعة نعلق عليها أخطاءنا دون محاولة تغيير الواقع للأفضل.

وأيضاً فإن التفسير التآمري للأحداث لا يخضع لقواعد التفكير العلمي والمنطق الذي يدعونا إلى البحث عن الأسباب والمعلومات التي تحيط بأي قضية ونحاول استنتاج أسبابها وكيفية مواجهتها.

مناهج فلسفة التآمر

وفي محاولة لفهم فلسفة الاستهداف تحدث عدد من الباحثين عن منهج الاستهداف الذي يؤكد أصحابه أن العرب ‏والمسلمين‏‏ مستهدفون من جانب القوي الخارجية أو أنه لن يسمح لهم بأن يصبحوا دولا مؤثرة سياسيا أو متطورة اقتصاديا أو متقدمة تكنولوجيا‏، أو قوية عسكريا. وبالرغم من أن هذا لا يمكن نفيه بالمطلق وعليه شواهد تاريخية، فإن هذا المنطق في التفكير يتصور أن العلاقة بيننا وبين الآخرين هي علاقة صراع فقط وبالتالي فلا تقبل التنافس أو التفاوض، وأن العلاقة هي بين نحن وهم فقط. وهذا النمط من التفكير يغيب عنه ما هو سائد في دراسة العلاقات الدولية من أن العلاقات هذه محكومة بالمصالح، وكل دولة تسعى لتحقيق مصالحها، ولو على حساب الآخرين، وأن أي تهديد لمصالحها يعتبر تهديدًا لها، ومن ثم فهي تضغط أو تخطط أو تسعى لإزاحة هذا التهديد. وأن الإطار الحاكم للعلاقات ليس الصراع فقط، فهناك نمط من العلاقات التنافسية التي تتوسل بأدوات عديدة منها الضغوط ومنها المفاوضات، ومنها الصراعات السلمية، ومنها الوصول إلى حلول توافقية قائمة على تحقيق مصالح للطرفين، والأهم من ذلك هو أنه لا يمكن تبسيط تصور العالم إلى نحن وهم فقط!.

كما تحدث هؤلاء الباحثين عن منهج الاستدراج، الذي يتمثل في وجود مخطط أعدته دولة كبرى في العادة لإيقاع طرف يقف في مواجهة مصالحها العليا في المنطقة العربية في وضع معقد وذلك وفقا لمجموعة من الخطوات التي يتم بموجبها استدارجه إلي حيث يمكن التمكن من اصطياده أو الإجهاز عليه،‏ وذلك وفقا لأسلوب الكمائن المعروف في العمليات العسكرية‏. والمثال الأبرز لهذا هو حرب الخليج الثانية، لكن سواء اتفقنا مع هذا التحليل أم لا فإن هذا التحليل يتجاهل أهم عامل في المشكلة وهو موقف صدام حسين نفسه، فإذا كانت أمريكا تآمرت عليه واستدرجته لدخول الكويت فأين مسؤوليته هو؟ وهل كان فاقد الإرادة والاختيار هو ومستشاروه وجيشه؟

النمط الثالث والأخير هو التشكيك، والمثال الأبرز له هو أحداث سبتمبر، وفي الغالب يستند هذا النمط إلى عدم الثقة بالطرف الآخر، ويعتقد بكذبه، كما أنه يميل إلى الاعتقاد دومًا بأن ما يبدو على السطح يخفي وراءه أشياء كثيرة.

خلاصة القول

ومعظم الذين ينفون المؤامرة لا يفعلون ذلك تغطية للمؤامرة نفسها، ولا مشاركة فيها، ولا دفعا للأعين بعيداً عنها، ولا إطلاقا لدخان كثيف يستر المتآمرين. وإنما ينفون المؤامرة من أجل تصحيح طريقة التفكير في تفسير الأحداث والوقائع والمواقف. بيد أن هذا النفي المطلق،ليس مما يصحح طرق التفكير، ذلك أن النفي القاطع الجازم هو نفسه تفكير خاطئ أيضاً، وإنما يُصحح التفكير في هذه القضية بـنفي المبالغة والغلو في القول بالمؤامرة.

وبنفي الغلو يتجرد التفكير من مرض التهويل، ويكتسب الصحة العقلانية والموضوعية في النظر إلى الأمور. وحين يكتسب هذه الصحة يتجه إلى الإثبات: إثبات القدر المعقول والموثق من المؤامرة، أي إثبات أن التاريخ البشري ـ القديم والحديث والمعاصر ـ ولا سيما الجانب السياسي منه ـ مثقل بمخططات وتدابير شريرة قصمت ظهور أمم، وقوضت دولا، وفجرت مجتمعات، وحرمت البشرية من طعم الأمن والسلام الحقيقي، وإنما نسجت تلك المخططات في الظلام.

أما الذين ينزعون منزع الغلو في القول بالمؤامرة، فهذا الفريق يفكر تفكيرا أسطوريا خرافيا، إذ هو يفسر بها كل حدث وكل موقف، وكل واقعة، حتى إن احدهم إذا فشل في محبة زوجته أوشك أن يتهم المخابرات الأميركية أو الحركة الصهيونية العالمية بأنهما هما السبب!! وعند التحقيق يتضح أن هذا الفريق المهووس بالإثبات المطلق لا يقل خطراً عن الفريق المهووس بالنفي المطلق، وفي كل شر.

ومما لا ريب فيه أن الغلو في المؤامرة مرتبط بنوع من الخلل من الناحية العقدية، فهو غلو يمنح المتآمرين من البشر صفة من صفات الله وحده: صفة أنه هو الفعال لما يريد، ومن الناحية السياسية والواقعية، فإن الغلو في المؤامرة يخدم العدو عبر صب اليأس من مواجهته، في نفوس الأمة. ولذا فإن الغلو في المؤامرة خدمة لها.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 19 نوفمبر 2006
  1. الإنسان حيوان جنسي.........فرويد[21]أشرنا في المقال السابق إلى الدور الذي قام به كارل ماركس لترسيخ فكرة اللادينية واعتبار البعد عن الدين والأخلاق أمر يقتضيه التطور والتقدم. واليوم نكمل عرض الدور اليهودي في ترسيخ تلك الفكرة ولكن هذه المرة من تخصص آخر ألا وهو علم النفس، وكان العيون غربية · 4 د قراءة
  2. تدليك الأطفال الرضع يقلل بكاءهم ويحل مشكلات النومكشفت تسع دراسات مختلفة أن التدليك الرقيق يفيد في مشكلات نوم الرضع ويقلل البكاء، كما أنه يزيد ارتباط الأم بالطفل، ويقلل مستويات هرمونات ضغط معينة لدى الرضع، مشيرة إلى أن الأطفال الرضع مثل آبائهم يعانون من ضغوط الحياة, وقد يريحهم التدليك الرقحدث الساعة · 1 د قراءة
  3. امرأة أنجبت سفاحًا تصر على رجمها لـ "تطهير" نفسهاأصرّت امرأة بالسعودية على عدم الخوض في إجراءات نقض الحكم بعد أن أصدرت المحكمة العامة بحائل في السعودية حكمها بالرجم حتى الموت، وذلك بعد أن أقرت بارتكابها "الزنا" والحمل سفاحًا أمام القضاة في 4 جلسات متتالية خلال عام من القبض عليها. وأعلنت ا1 د قراءة
  4. حينما يتحدث السفاحون عن التشدد الإسلاميالسيد أبو داود الخبر: مفكرة الإسلام : قال الجنرال جون أبي زيد قائد القيادة الوسطى للجيش الأمريكي: إن العالم سيواجه حربًا عالمية ثالثة إذا لم يجد وسيلة لوقف تزايد ما وصفه بـ"التشدد الإسلامي". التعليق: هذا الكلام على لسان مسئول أمريكي كبير دلحدث وتعليق · 4 د قراءة
  5. "هيومان رايتس" تؤكد مجدّدًا غياب العدالة في محاكمة "صدام"أكدت منظمة "هيومان رايتس ووتش" المعنية بحقوق الإنسان مجدّدًا وجود أوجه قصور خطيرة في المحكمة العراقية ـ التي شكلها الاحتلال لمحاكمة "صدام حسين" ـ جعلت من المستحيل إجراء محاكمة عادلة للرئيس العراقي السابق. وكشف تقرير للمنظمة الدولية بشأن المحدث الساعة · 2 د قراءة
  6. حية تطرد السكان من بيوتهم فى سنغافورةأثارت حية طولها 3.5 أمتار الذعر في مجمع سكنى كامل بسنغافورة، حيث هرع السكان لخارج المجمع ليظل مهجورًا إلا من الحية. وقد ظهرت الحية أمام المجمع السكني ملتفة حول إحدى الكلاب التي تخص ساكنة بالمجمع، في حين فشل رجال الشرطة في إنقاذ الكلب قبل أن1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: الفكر التآمري بين المؤيدين له والمشككين فيه