تاريخ الحروب الدينية المعاصرة (3)
الاحتلال الفرنسي للجزائر
(2)
مفكرة الإسلام :
الاحتلال الفرنسي وحجة الذئب:
كانت الدول الأوروبية كلها تتحرش بالجزائر وتخطط لاحتلالها، ولكن كانت فرنسا من دونهم أشدهم رغبة في ذلك لتعويض خسائرها الفادحة في الحروب النابليونية ضد إنجلترا وغيرها، كما أن فرنسا كانت تعاني من ضغط داخلي كبير متمثل في ضعف الحكومة وفشل سياستها الداخلية، وكثرة عدد السكان الفرنسيين، وضيق مساحة فرنسا، وضعف مواردها الطبيعية، وقبل ذلك كله الحقد الصليبي الدفين والموروث منذ أيام الحملات الصليبية الأولى.
تذرعت فرنسا بحجة واهية من أجل تبرير احتلالها الغاشم للجزائر، وهي حجة أقرب ما تكون لحجة الذئب والحَمَل، وذلك أن بعض التجار الفرنسيين قد اشترى قمحًا من أحد التجار اليهود الجزائريين واسمه «بقرى أبو جناح»، ثم ماطلوا في السداد، وتدخل حسين باشا داي الجزائر بنفسه في القضية، وطلب من قنصل فرنسا بالجزائر سرعة سداد الدين عدة مرات، ثم كتب الداي حسين باشا بنفسه إلى ملك فرنسا وقتها نابليون الثالث، فأوعزت فرنسا لقنلصها بالجزائر أن يتعمد إهانة الداي حسين باشا ليكون ذلك سببًا وحجة تتذرع بها فرنسا للهجوم على الجزائر.
وبالفعل في 1 شوال سنة 1242هـ ذهب القنصل إلى قصر الداي حسين باشا بحجة التهنئة بعيد الفطر، وتطرق الكلام عن دين اليهودي بقرى أبو جناح، وسأل الداي حسين باشا القنصل عن سبب عدم رد ملك فرنسا على رسالة الداي، فرد القنصل بقوله: «إنه ملك ويجب مخاطبته عن طريق الخليفة وليس أحد عماله»، فغضب حسين باشا ولطم القنصل على وجهه بمنشة ذباب في يده، وطرده من القصر.
تذرعت فرنسا بهذه الحجة الواهية وحشدت قواتها واستعدت للهجوم على الجزائر، ورفضت كل الجهود السياسية التي بذلتها الدولة العثمانية لوقف هذا العدوان غير المبرر، وفي سنة 1246هـ أرسلت فرنسا 102 سفينة حربية و400 سفينة نقل تحمل 40 ألف جندي بالعتاد الكامل والسلاح الثقيل، ونزلوا على البر الجزائري في 14 محرم سنة 1246هـ عند منطقة سيدي فرج، وهزمت قوات الداي حسين باشا، واحتلت الجزائر العاصمة لتبدأ فصول ملحمة المقاومة الجزائرية التي هي الأكبر والأروع في تاريخ مقاومة الاحتلال في العصر الحديث.
* السياسة الصليبية للاحتلال الفرنسي:
لم يكن هدف فرنسا من احتلالها للجزائر ـ ولا لأي دولة أخرى مسلمة ـ التخلص من سداد بعض ديونها أو توسعة مناطق نفوذها أو حتى نهب خيرات المسلمين وثرواتهم واستعباد الشعوب، فكل ذلك أهداف ثانوية أو مرحلية ويسهل تحقيقها بأدنى قتال، ولكن فرنسا دائمًا كانت مدفوعة بكراهية وحقد شديدين على العالم الإسلامي، تغذيها شحنات التحريض الكنسي المستمرة من الرهبان والقساوسة الذين فشلوا فشلاً ذريعًا في تنصير المسلمين، ونظروا إلى الإسلام على أنه من وراء فشلهم، فصبوا جام حقدهم على أهله.
فانطلق الفرنسيون بكل بربرية ووحشية ينكلون بالمسلمين، وقد أطلقوا لأحقادهم العنان، فكانت المجازر التي ارتكبها المحتل الفرنسي الصليبي هي الأبشع في تاريخ الاحتلال المعاصر.
وقد تركزت السياسية الصليبية للاحتلال الفرنسي في عدة محاور كالآتي:
أولاً: السيطرة على المساجد:
منذ أن دخل الفرنسيون الجزائر وضعوا نصب أعينهم أهم مراكز الإشعاع في حياة المسلمين وهي المساجد، فلقد أمر القائد الفرنسي «دوفيجو» بتحويل أكبر مساجد العاصمة إلى كنيسة، وهو تقليد متبع وموروث منذ أيام الحملات الصليبية الأولى، وهو دليل ظفر الصليبية على الإسلام، فاقتحم الجنود الفرنسيون الجامع وقت صلاة الجمعة وكان به أربعة آلاف مُصَلٍّ، قتلوا جميعًا بحراب البنادق.
وظل الفرنسيون يقلصون من عدد المساجد والجوامع؛ بتحويل بعضها إلى مخازن أو ثكنات أو حتى اصطبلات للخيل والدواب، ويكفي للتدليل على ذلك أن مدينة الجزائر العاصمة يوم استولى عليها الفرنسيون سنة 1246هـ كان بها 106 جامع ومسجد، لم يبق منها يوم الاستقلال سنة 1382هـ سوى 8 مساجد.
ثانيًا: مصادرة الأوقاف الإسلامية:
عندما احتل الفرنسيون الجزائر العاصمة وقَّعوا اتفاقية مع الداي حسين باشا تنص على احترام الشريعة الإسلامية، ولكن الاحتلال الصليبي المعروف بغدره ونقضه للعهود لم يصبر حتى يجف مداد الاتفاقية، حتى أصدر الحاكم العام العسكري «دوبومون» أمرًا بمصادرة الأوقاف الإسلامية التي كانت تمثل المصدر الرئيس لتمويل المؤسسات الدينية من جوامع ومدارس وكتاتيب ودور للأيتام وجمعيات خيرية.
وبتلك المصادرة وجه المحتل الفرنسي ضربة قاسمة لتلك المؤسسات كلها، ووضعها تحت سيطرته وتحكمه، وتخيل أن المحتل الصليبي الحاقد هو الذي يعين أئمة الجوامع ومدرسي العلوم الشرعية والخطباء والوعاظ!! وهل رعى الذئب يومًا الحملان؟! فكان الفرنسيون يعينون أشخاصًا جهلة يسيئون إلى الإسلام ويجعلونه سخرية للسامعين، وقد أصدروا سنة 1323هـ قانونًا لفصل الدين عن الدولة لتكريس تغييب المسلمين عن دينهم، وبعدها أخذ الفرنسيون في التصرف في الأوقاف بالبيع والشراء حتى فيما هو محرم، فتم تحويل كثير من الأوقاف إلى مراقص وحانات وملاه، وحتى بيوت للدعارة.
ثالثًا: فتح المجال للحملات التنصيرية:
كانت الدول الأوروبية عامة وفرنسا خاصة تقرن حملاتها العسكرية بأخرى من نوع آخر، ألا وهي البعثات التنصيرية، فالراهب والقس كان جنبًا بجنب مع الجندي المقاتل، كلاهما يحمل سلاحه الخاص الذي يحارب به المسلمين، وعندما احتل الفرنسيون الجزائر ظنوا أن مهمة تنصير المسلمين بها سلهة لسذاجة أهلها وغلبة البداوة عليهم، فأغرقوا البلاد بالإرساليات الكاثوليكية، وزودوهم بالإمكانات الكبيرة والأموال الطائلة التي يسيل لها لعاب الفقراء والبدو الرحل.
ولقد باءت هذه الحملات التنصيرية بفشل ذريع أجج الأحقاد الصليبية عند المحتل الفرنسي الذي ترجمه في صورة مجازر بشعة ووحشية لم تعرف البشرية مثلها، وكان القساوسة والرهبان يعزون فشلهم في تنصير المسلمين إلى الإسلام نفسه ورجاله الممثلين في أئمة المساجد والعلماء وشيوخ الكتاتيب، مما جعل الاحتلال الصليبي يصب جام غضبه على هذه الفئات بعينها.
رابعًا: ترويج الفواحش:
المحتل الصليبي الفرنسي عمد إلى نشر الفواحش والمفاسد في أي بلد حط فيه واحتله، فهم ليسوا كما تروج آلة الإعلام الكاذبة يستعمرون البلاد لإخراجها من الفقر والتخلف ونشر الحضارة والرقي، بل يخربونها بالخمَّارات وأصحاب الرايات والمراقص والملاهي وتسهيل الفواحش والتحلل من أي قيم ومبادئ، ليحطموا أعز ما يملك المسلمون؛ دينَهم وإيمانَهم وعفافَهم.
وهي سياسة قديمة عند المحتل الصليبي؛ فلقد ذكر المؤرخون ـ أمثال ابن الأثير وعلم الدين البرزالي وأبي شامة ـ أن الحملة الصليبية الثالثة على الشام سنة 584هـ والتي كان يقودها ملك فرنسا «فليب أوغسطس» قد اصطحبت معها ثلاثمائة داعرة فرنسية من أجل الترفيه عن الجند ومخالطة المسلمين وإفسادهم، وهذا ما فعله المحتل الفرنسي المعاصر بأي بلد مسلم احتله.
ولقد نجح المحتل الصليبي في سياسته هذه إلى حد بعيد، وما زالت البلاد المسلمة التي كانت واقعة تحت الاحتلال الفرنسي تعاني من ذلك، وآثار هذه السياسة الخبيثة ما زالت ضاربة في بلاد المغرب عمومًا وتونس على وجه الخصوص.
خامسًا: خلخلة التركيبة السكانية:
كانت فرنسا تعاني من كثافة سكانها مع ضيق مساحة الأرض، وفي نفس الوقت أرادت أن تصبغ كل البلاد التي احتلتها بما في ذلك المسلمة وغير المسلمة على حد السواء بالصبغة الفرنسية الخالصة، وهي السياسة التي عرفت بـ«الفَرْنَسَة»، فاتبعت فرنسا سياسة الاستيطان الإجباري للفرنسيين في الجزائر، ووزعت أملاك الجزائريين من أراضٍ وعقارات على الوافدين الجدد بالمجان شريطة الاستقرار في الجزائر.
وشيئًا فشيئًا أخذ المستوطنون الفرنسيون في التوغل نحو الداخل بعد أن ملئوا الساحل، ولا يمنع المستوطن الفرنسي من بيع أرضه لمسلم أو عربي إلا أن يكون غير مسلم، فتدفق مئات الآلاف من الفرنسيين وغيرهم على بلاد الجزائر طمعًا في نهب خيراتها، حتى إن المستوطنين الأجانب كانوا يملكون 150 ألف هكتار من الأراضي الخصبة سنة 1266هـ، ثم أصبحت هذه المساحة 3 مليون هكتار سنة 1374هـ، وهو ما يعادل 15% من المساحة الكلية للأراضي المزروعة بالجزائر، في حين أن نسبة المستوطنين أقل من 10% من أهل البلاد، وهذه السياسة الخبيثة أدت لإفقار المسلمين وضعفهم وعجزهم عن تنظيم صفوفهم لمقاومة الاحتلال الفرنسي لبلادهم.
سادسًا: طمس الهوية:
كان الاحتلال الصليبي الفرنسي أسوأ أنواع الاحتلال الذي أصاب العالم الإسلامي، في حين كان الإنجليزي أخبثه، فلقد كان المحتل الفرنسي يعمد بكل قسوة وبكل وسيلة إلى طمس هوية البلاد المسلمة التي يحتلها، ويتعاملون مع هذه القضية بمنتهى الشدة والعنف، بل إن معظم مجهوداتهم كانت توجه لصالح هذه السياسة، لذلك عمل المحتل الفرنسي عند احتلال الجزائر على محاربة اللغة العربية التي هي لغة القرآن والإسلام، من أجل قطع علائق الجزائريين بإسلامهم وعروبتهم.
فعملوا على فرض اللغة الفرنسية لغةً رسميةً للتعامل في المصالح والدوائر الحكومية والمدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وجعلوا الوظائف الرسمية قاصرة على من يجيد الفرنسية، وبالتدريج أخذت الفرنسية تحل محل العربية، حتى غدت هي الوحيدة والرسمية، حتى الجزائريون أنفسهم أصبحوا لا يتحدثون فيما بينهم وفي حياتهم اليومية إلا بها، وغدت الفرنسية لغة الشعب، وبعُد الناس عن دينهم كثيرًا بسبب ذلك الطمس الشرس للهوية العربية والإسلامية.
والنتيجة ..
ظل المحتل الفرنسي يطبق هذه السياسة الصليبية القبيحة بمنتهى القسوة والشدة، وبكل فجاجة ووحشية، مما أسفر مع مرور الوقت وفشل حركات المقاومة الواحدة تلو الأخرى ـ أسفر عن فقدان الجزائريين لقوام حياتهم من ثروة وأملاك ولغة وتعاليم دينهم، فأصبحوا فقراء مشردين ينتشر بينهم الجهل والتخلف والمرض، وابتعدوا كثيرًا عن دينهم وأصبحوا كالغرباء لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، في حين نظر إليهم الفرنسيون نظرة امتهان واستعلاء واعتبروهم خدمًا لهم.
للحديث بقية....