مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

ماذا يحدث إذا سقط نظام الملالي؟

6 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

ترجمة/ شيماء نعمان

مفكرة الإسلام : لا تزال الاحتجاجات الشعبية تخرج في شوارع إيران مثيرة شكوكًا جديدة بشان مستقبل نظام الملالي/ والحرس الثوري. ونظرًا لكون التكهن باحتمال أو موعد انهيار نظام معين أمر يتأرجح بين الصعب والمستحيل، فإن أحدًا لا يعلم عن يقين إلى أين يتجه كل ذلك. ومع ذلك، يبدو واضحًا أن الاستياء الشعبي من الحكومة الحالية مستشري على نطاق واسع ومن غير المحتمل أن يزول في أي وقت قريب؛ إلا إذا كان هناك شخص لديه من الغباء ما يكفي لمهاجمة إيران عسكريًا ومن ثم توليد شحنة جديدة من الوحدة الوطنية ومنح النظام ذريعة لاتخاذ إجراءات صارمة حتى أكثر من ذلك.

وهذا الموقف قد دفعني إلى التفكير في الآثار التي يمكن أن تترتب على حدوث تغيير في النظام هناك، وأعترف أنني خرجت من ذلك التفكير مشتت إلى حد ما. ويمكنني أن أراهن على أن الكثيرين من خبراء السياسة الخارجية يعتقدون أنه سيكون من الجيد إذا ما استعيض عن النظام الإيراني الحالي بنظام ديموقراطي حقيقي، وبالأحرى على يد شخص لم يكن متأثرًا بدرجة كبيرة بنظام الحكم الديني (الثيروقراطي). إن وجود نظام أكثر انفتاحًا للمساءلة، وأقل ميلاً إلى العقائدية سيكون أفضل من ناحية حقوق الإنسان، كما أن الكثير من الناس يفترضون أيضًا أن مثل هذه الحكومة ستكون أقل اهتمامًا بالخيار النووي، وأقل عداء لـ "إسرائيل"، واقل دعمًا لجماعات مثل "حزب الله"، وأنها بشكل عام ستكون أقل تهديدًا للمصالح الأمريكية الأخرى (مثل نفط الخليج الفارسي).

ولست على يقين كبير من ذلك. فمن ناحية، أنا أرى أن النظام الحالي فوضوي وفاسد ويرثى له فيما يتعلق بحقوق الإنسان (وإن كان أقل وحشية من حكومات أخرى ترتبط الولايات المتحدة معها بعلاقات وثيقة). إن تعامل النظام مع النساء في وضع يرثى له، وأعمال القمع التي أعقبت الانتخابات الزائفة في الصيف الماضي لا يمكن تبريرها، كما أن دعمه لجماعات مثل "حزب الله" لا يكاد يتلاءم مع المصالح الأمريكية. وبالحكم على أساس حقوقي محض، فإن وجود حكومة أكثر ديموقراطية و/ أو أكثر ليبرالية سيكون مفضلاً بلا شك.

ولكن لا ينبغي أن نفترض أن حدوث تغيير سياسي بعيد المدى في إيران سيقضي على جميع أسباب الصراع بين إيران والولايات المتحدة (أو الغرب). فهو لن يكون له كبير اثر على المسألة النووية: فإيران تسعى للحصول على الطاقة النووية (وربما السلاح النووي) منذ حكم الشاه، كما أن المرشح المنافس "مير حسين موسوي" يؤيد مطالب الحكومة للسيطرة على دورة الوقود النووي كاملة، وقد انتقد موسوي علنًا دعم الرئيس "أحمدي نجاد" المبدئي لاقتراح تقوم بمقتضاه فرنسا وروسيا بتحويل مخزون إيران من اليورانيوم منخفض التخصيب إلى وقود آمن لمفاعل طهران البحثي.

لقد كانت إيران قوة توسعية أكبر أثناء حكم الشاه أكثر منها تحت ظل "الجمهورية الإسلامية"، كما دعم الشاه أيضًا جماعات مسلحة في دول أخرى عندما كان يعتقد في نفع ذلك للمصالح الإيرانية. ولم تكن الحكومات الإيرانية الأولى منارات للتسامح ودعم حقوق الإنسان الأساسية. ولا تزال القومية الفارسية والكرامة الوطنية الإيرانية تمثل قوى فعالة داخل البلاد، وهو ما يعني أنه سيتم الضغط على أي نظام إيراني يتمتع بديموقراطية حقيقية من أجل الدفاع عن المصالح الإقليمية لإيران بالقوة التي تسمح بها سلطته.

فضلاً عن ذلك، فالحس الواقعي لدي يحذر من أن وجود حكومة إيرانية أكثر استجابة وفاعلية وأقل عقائدية قد يمثل تحديًا للولايات المتحدة على نحو لم يضعه أحد محل تفكير. لماذا؟ لأن وجود حكومة أكثر فاعلية وذكاء ستكون قادرة على تعبئة قدرات إيران المستترة التي لا يستهان بها على نحو أكثر فاعلية مما عليه نظام الملالي.

ومن حيث إمكانيات القوة، فإن إيران هي الدولة الوحيدة في الخليج الفارسي التي تتمتع بقدرات مستترة للهيمنة على الخليج الغني بالنفط، وخاصة في الوقت الراهن بعد أن دمر الغزو الأمريكي المشئوم للعراق عام 2003 القوة العسكرية والتماسك السياسي للعراق وعزز من التأثير الإيراني في بغداد. ويفوق تعداد السكان في إيران (65 مليون نسمة) إلى حد كبير العراق (28 مليون نسمة)، أو المملكة العربية السعودية (22 مليون نسمة)، كما أن الناتج المحلي الإجمالي الإيراني (306 مليار دولار)- بالرغم من ضعف صناعة القرار الاقتصادي والفساد المستشري والحظر الأجنبي – وهو أكبر ما يقرب من أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للعراق (84 مليار دولار)، كما أنه لا يبعد كثيرًا عن السعودية (446 مليار دولار). وتملك إيران احتياطيات كبيرة من النفط والغاز، وشعب أكثره من الشباب ذي التعليم الجيد إلى حد معقول، وبعض الجامعات ذات الثقة، وكذلك موقع جغرافي جذاب. إن إيران إذا ما بدأت في أي وقت إدراك إمكانياتها المستترة، فإنها ستكون لاعبًا مخيفًا في المنطقة على نحو أكبر مما هي عليه اليوم.

وتصور، على سبيل المثال، حدوث تحول سياسي جاء بالمعادل الإيراني لـ " دينج شياو بنج" إلى سدة الحكم. وتصور أن هذه الحكومة الجديدة تبنت سياسات اقتصادية أكثر فاعلية، وإستراتيجية تنمية بعيدة النظر، وموقف دبلوماسي أكثر براعة. وتصور بدلاً من قيادة إيرانية تُطلق تصريحات حمقاء تشكك في صحة المحرقة( الهولوكوست)، زعيمًا إيرانيًا يقوم بجهود بارعة في العلاقات العامة من أجل إظهار مدى حصافة إيران في مواجهة الضغوط الأمريكية "غير المبررة". بعبارة أخرى، تصور وجود إيران لم تعد تعاني من جروح من صنع يديها، بل ركزت اهتمامها على تحويل إمكانيات القوة المستترة لديها إلى قدرات حقيقية.

ووجهة نظري تكمن في أننا كثيرًا ما ننسى أننا نتعامل مع إيران ذات قدرات أقل بكثير مما نحن عليه، وأضعف كثيرًا مما يمكن أن تكون عليه في ظل قيادة أكثر فاعلية. ويفترض من ينادون بـ "تغيير النظام" في إيران أن ذلك من شأنه أن يسفر عن حكومة تكون أولوياتها السياسية أكثر تماشيًا مع أولوياتنا، وأن تتلاشى سريعًا النزاعات الكبرى القائمة بين طهران وواشنطن. ربما الأمر كذلك، ولكن قد يسفر أيضًا عن ظهور حكومة أكثر تأثيرًا وقدرة تستطيع الدفاع عن المصالح الإيرانية على نحو أكثر فاعلية، حتى إذا ما تعارضت مع مصالحنا.

وبوجه خاص، لنضع في الاعتبار أن أحد الأهداف الرئيسية للإستراتيجية الأمريكية الكبرى كانت منع أية قوة من الهيمنة على الخليج الفارسي الغني بالنفط. بعبارة أخرى، فإن الولايات المتحدة قد سعت للحفاظ على توازن للقوى في المنطقة والتأكد من أنه لا يوجد أي "هيمنة إقليمية" هناك. وعلى النقيض، لاشك أن إيران ستفضل "عدم توازن في القوى لصالحها"، وهو تمامًا الوضع الذي تعارضه الولايات المتحدة.

وهذا لا يعني أن النزاع الأمريكي الإيرانيلا مفر منه بغض النظر عمن هو في سدة الحكم في طهران (أو واشنطن)، أو أن جهود أوباما لاستئناف الحوار مع حكومة إيران الحالية في غير محلها. بل ينبغي الإشارة إلى أن الإصلاح (أو حتى الثورة) في إيران ليست هي العصا السحرية التي ستذهب بجميع أسباب الخلافات إلى زوال، وأن نُعزز من احتمال أن تتحول الحكومة الإيرانية إذا ما كانت أكثر ذكاءً وفاعلية إلى تحدٍ أكبر مما تمثله الحكومة التي نتعامل معها اليوم في طهران.

ولذا كن حذرًا فيما تأمل فيه. (وههنا مبدأ واقعي جيد!) ففوز "الحركة الخضراء" في إيران قد يكون أمر مستحسن ولكن على أسس أخلاقية محضة، غير انه ليس هناك ما يدعو لافتراض أنها ستقدم الحل لجميع (أو حتى أغلب) مشاكلنا في المنطقة. وهذا سبب أكبر لمقاومة إغراء التدخل في شأن إيران: ألم تعلمنا الأحداث الأخيرة أن إسقاط الحكومات الأجنبية يمكن أن يؤدي إلى الكثير من العواقب غير المحسوبة وغير المرغوب فيها؟


([1]) البروفيسور "ستيفين والت" أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد الأمريكية.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 26 ديسمبر 2009
  1. اترك أثرمحمد السيد عبد الرازق كثيرة أعدادها تلك الأقدام التي مرت في هذه الحياة ثم ارتحلت وانتقلت في الغابرين، فكان من بينها أقدام تلاشت معالم سيرها فإذا تتبعتها لم تصل لشيء لأنها سارت على غير طريق لما فقدت غايتها والهدف، وهناك أخرى ما زالت بصماتها 7 د قراءة
  2. الجيش الأمريكي يسمح بحمل المجندات سفاحًا بالعراقألغى الجيش الأمريكي قانونًا يحظر على مجنداته الحمل، ويعرضهن مع الجنود الذين مارسوا معهن الجنس بغير طريق شرعي أدى للحمل سفاحًا ضمن الوحدات المنتشرة في شمالي العراق، إلى عقوبات صارمة. ونقلت شبكة "سي إن إن" الأمريكية عن الرائد جو سكوركا الناطقالعالم العربي والإسلامي · 3 د قراءة
  3. تاريخ الحروب الدينية المعاصرة (9)الاحتلال البرتغالي لجنوب الخليج (2) شريف عبد العزيز [email protected] مفكرة الإسلام : * البرتغاليون والمماليك: عندما دهم العدوان الصليبي البرتغالي الغاشم جنوب الخليج، وضرب العالم الإسلامي في سواحله الشرقية، كان العالم الإسلامي وقتها موزعًا 6 د قراءة
  4. وفاة الإمام وكيع بن الجراح10 محرم 197هـ ـ 24/9/812م مفكرة الإسلام : الإمام الكبير والمحدث الثقة الشهير وعابد العراق كلها أبو سفيان وكيع بن الجراح بن مليح الرُّؤاسي، ولد بالكوفة سنة 129هـ، ولم يبدأ في رواية الحديث إلا وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتقدم فيه وبرز حتى صار 1 د قراءة
  5. مجلة أمريكية: أوباما خسر ثقة المسلمين في العالماعتبرت مجلة فورين بولسي الأمريكية المختصة بالشئون الخارجية أن الرأي العام لاسيما بين الشباب في الشرق الأوسط بدأ يفقد صبره تجاه إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما وثقته فيها بعد ستة أشهر من الخطاب ألقاه أوباما في القاهرة. وقالت المجلة: "هذا الأمريكتان · 2 د قراءة
  6. جولة في صحافة السبت 26ديسمبرمفكرة الاسلام: نتحدث في جولة اليوم عن مخاطر تقسيم السودان, ومحاولات الجنوبيين في هذا الصدد, كما نعرض للعلاقات العربية ـ الإيرانية, ومحاولة إيران التقرب إلى العرب. وفي جولتنا, نقرأ عن الموقف العربي مما يدور في العراق, خاصة بعد احتلال إيران ل11 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: ماذا يحدث إذا سقط نظام الملالي؟