مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

كيف ترسخ ثقافة تنظيمية فعالة؟

6 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

محمد العطار

لكل مجتمع ثقافة تنظيمية تختلف عن المجتمع الآخر، وهناك مصادر عديدة تنبع منها ثقافة أي مجتمع، ويتأثر أفراد هذا المجتمع أو العاملين في مؤسسة ما بثقافة المجتمع أو بثقافة المؤسسة فتنتشر هذه الثقافة بين الناس.

ويرى العديلي (أن ثقافة المنظمة تتمثل في العديد من المصادر، والمكونات التي تساهم في تكوين وتشكيل هذه الثقافة، بحيث تطبعها بطابعها الخاص, وتُعبِّر عنها، ونعني بمصادر ثقافة المنظمة رموزها المستخدمة بين الأفراد العاملين، وتأثير ذلك في أدائهم، وفعاليتهم إيجابًّا أو سلبًا).

منابع الثقافة:

هناك منابع عديدة تتكون منها الثقافة التنظيمية، وقد وضع بولمان وديل أهم مصادر الثقافة التنظيمية في الأمور التالية:

أولًا ـ العادات والتقاليد والأعراف:

وتعتبر من أهم مصادر الثقافة التنظيمية حيث تُمثل قيم المجتمع الذي يعيش فيه الفرد، وهي التي تصبغ الشخص وتؤثر في شخصيته وتحدد سلوكه.

ثانيًا ـ الطقوس واحتفالات المناسبات:

فكل مجتمع لها طقوسه في الاحتفال بالإعياد والمناسبات، وكذلك كل مؤسسة لها تقاليدها وعاداتها في الاحتفال ببداية العام أو نهايته، أو في حفلات التعارف بالموظفين الجدد أو في استقبال مدير جديد أو توديع موظفين انتقلوا إلى العمل في مكان آخر، أو أًحيلوا إلى التقاعد.

ويوضح لنا ريتشارد ل. دافت أن (الاحتفالات هي منسابات خاصة تعزز الإنجازات ذات القيمة، وتخلق رابط بين الناس عن طريق جعلهم يتشاركون معًا حدثًا هامًا، كما أنها تلمع وتحتفل بالأبطال).

ثالثًا ـ الأبطال، والرموز الاجتماعية:

وهي التي تربط الشخص بتراثه القديم فكل شخص يسعى إلى الحفاظ على أمجاد تاريخه، فيسعى إلى الاستفادة من الدروس والعبر التي في تاريخ مجتمعه القديم، ويتخذ من قصص القادة والرواد في تاريخه قدوة حسنة يحاول أن يحتذي بها.

ويبين لنا ريتشارد ل. دافت أنه (في بعض الأحيان يكون الأبطال حقيقيين مثل "لي أيا كوكا"، الذي أثبت قوة إيمانه وذلك بالعمل مقابل دولار واحد في السنة أول ما ذهب إلى شركة كرايسلر لإنقاذها من الإفلاس، وفي أحيان أخرى يكون الأبطال رمزيين، مثل أسطورة بائع المبيعات في محل مجوهرات "روبنسون" الذي قام بتوصيل خاتم الزواج مباشرة للكنيسة لأنه تم طلب الخاتم متأخرًا).

رابعًا ـ الرموز:

يقول ريتشارد ل. دافت: (الرمز هو شيء أو فعل أو حدث ينقل معنى للآخرين، والرموز المرتبطة بثقافة المنظمة توصل القيم الهامة للمنظمة.

وعلى سبيل المثال، أراد المديرون في شركة وورلد ناو (World now) ـ وهي شركة توفر حلول عبر الانترنت لمحطات التلفاز المحلية ـ ترميز كلمة الشركة السحرية الغير رسمية وهي "الحفر لأسفل للوصول إلى حل المشكلة"، وبالتالي قاموا بشراء حفار قديم لا يعمل بـ2 دولار ولقبوه بـ "حفار الفريق"، وفي كل شهر، يتم تقديم هذا الحفار للموظف الذي قام بعمل استثنائي فوق العادة).

خامسًا ـ الشعارات:

تضع كل شركة شعارًا لنفسها يعبر عن رسالتها ورؤيتها، وهذا الشعار هو عبارة عن جملة مختصرة يعمل على توصيل معنى خاص لجميع العاملين في الشركة أو في المؤسسة، وقد يكون هدف هذا الشعار توصيل قيمة معينة للعاملين في الشركة، أو توحيد جميع الموظفين حول رسالة الشركة.

الثقافة التنظيمية ... كيف تنشأ؟

تبدأ نشأة أي ثقافة في أي شركة أو مؤسسة بمنشئيها، حيث يمتلك هؤلاء الرؤيا المنشودة للمؤسسة، فيضعون القيم والأفكار التي يريدونها لمؤسساتهم، ثم يقومون باختيار الموظفين الذين يتصفون بتلك القيم، حيث يميل هؤلاء للعمل في مثل هذه المؤسسات التي تتفق مع قيمهم ومبادئهم.

وتنشأ الثقافة التنظيمية بثلاثة طرق كما يلي:

أولًًا ـ يظل المؤسسون يعملون بنفس طريقتهم وقيمهم ومبادئهم، ويعملون على الاحتفاظ بها داخل المؤسسة.

ثانيًا ـ يقوم المؤسسون بعملية انتقاء الموظفين الذين يسيرون على رؤى وقيم المؤسسة، ثم تتم تنشئة هؤلاء الموظفين الجدد على التفكير والعمل بنفس طريقة مدرائهم.

ثالثًا ـ يمثل الدور الذي يقوم به المؤسسون بمثابة القدوة للعاملين في المؤسسة، ونموذجًا يحتذي به كل الموظفين حتى تدخل هذه القيم والمبادئ في المنظمة.

وبعد أن تتم نشأة الثقافة داخل المؤسسة تقوم بعض الممارسات للحفاظ على هذه الثقافة داخل المؤسسة عن طريق توفير عدد من الخبرات المشابهة للعاملين، فالعديد من ممارسات الموارد البشرية تعزز الثقافة التنظيمية، مثل عملية اختيار العاملين، معايير تقييم الأداء، التدريب، فعاليات التطوير المهني، وإجراءات الترقية، والغرض من كل هذه الممارسات ضمان أن هؤلاء الذين تم استخدامهم يتوافقون وثقافة المنظمة، إذ يتم مكافأة هؤلاء الذين يعززون الثقافة التنظيمية، ومعاقبة الذين يتحدونها.

مؤسس شركة مايكروسفت:

وإذا أردنا أن نتوقف على مثال عن كيف تنشأ الثقافة التنظيمية داخل أي مؤسسة فلابد أن نتوقف عند بيل جيتس مؤسس شركة مايكروسوفت، الذي قام بنشر ثقافة المبادرة والتطوير في المؤسسة، والتي تقوم على أساس توفير قيم الريادة والابتكار والعمل الجاد والالتزام بذلك، حتى صارت الريادة والتطوير والابتكار هي الثقافة السائدة في هذه الشركة.

وقد أوضح ج. فيليب وأ. كيندي أنه (عندما تكون توجيهات وقرارات أول رجل قيادي في المنظمة منسجمة ومتسقة مع القيم السائدة في منظمته سوف يلتزم جميع الموظفين بهذه القيم، ولكن عندما يتصرف هذا القيادي بما يخالف هذه القيم السائدة فيصبح الموظفون في حالة من التناقض والارتباك وتتلاشى القيم المشتركة بينهم).

كما أوضح شميدت وبوزنر بأن (على المنظمات أن توضح قيمها للعاملين فيها وخاصة العاملين في المستوى التنفيذي، حيث العمل اليومي الذي يؤدى)، وذكر بأن (المشاكل المرتبطة بتدني الإنتاجية هي نتيجة لضعف الاتصالات من توضيح قيم المنظمة بين الإدارة والموظفين والعمال الذين يقومون بأداء الأعمال التنفيذية).

وسائل ترسيخ الثقافة:

لكي يتم غرس الثقافة التنظيمية في أي مؤسسة لابد من أن تروى هذه الشجرة من آبار الوسائل المختلفة:

أولًا ـ الإدارة العليا:

فبمدى تمسك الإدراة العليا بقيم وسياسات التي وضعتها المؤسسة وفقًا للثقافتها الجديدة تترسخ الثقافة التنظيمية داخل المؤسسة، وذلك من خلال استخدام لغة واحدة ومصطلحات وعبارات وطقوس مشتركة؟ وكذلك المعايير السلوكية والتي تتضمن التوجيهات حول العمل، وفلسفة الإدارة في كيفية اختيار العاملين، وسياستها حول الجودة والغياب، وكذلك سياستها حول تنفيذ القواعد والأنظمة والتعليمات.

ثانيًا ـ الاختيار:

تمثل عملية اختيار الموظفين الجدد دورًا هامًا في ترسيخ ثقافة الشركة أو المؤسسة، وتعتمد عملية الاختيار على دعامتين أساسيتن:

الدعامة الأولى: اختيار الموظفين ذوي المهارات والكفاءة المطلوبة لأداء عمل معين

الدعامة الثانية: اختيار الموظفين ذوي القيم والمبادئ التي تتلاءم مع قيم الشركة وثقافتها, أو على الأقل يتناسب جزء كبير من قيم الموظفين مع قيم الشركة.

ثالثًا ـ التنشئة أو المخالطة الاجتماعية:

الدور الأخير الذي يقع على عاتق أصحاب الشركات أو المؤسسات هو عملية دمج الموظفين الجدد على الأفراد العاملين في المنظمة وعلىثقافة المنظمة، ويعتبر هذا الأمر أمرًا هامًّا حيث أن تلك العناصر الجديدة لا تعرف ثقافة المنظمة.

يقول محمد بن غالب في بحثه عن الثقافة التنظيمية: (ويمكن تصوير عملية التنشئة الاجتماعية على أنها عملية تتكون من ثلاث مراحل: ما قبل الدخول، والمواجهة، والتحول.

وتشمل المرحلة الأولى عملية التعلم التي تتم قبل انضمام الفرد للمنظمة، وفي المرحلة الثانية يرى العامل الجديد الواقع، ويواجه احتمالات التعارض بين التوقعات والواقع، بينما في المرحلة الثالثة والأخيرة تحدث تغييرات تستمر لفترة طولة نسبيًا، حيث يتمكن العامل الجديد من المهارات المطلوبة لإنجاز العمل، ويؤدي أدواره الجديدة بنجاح، ويُجري التعديلات اللازمة بما يتلاءم مع قيم ومعايير جماعة العمل).

وخلاصة القول:

لابد أن تسعى كل مؤسسة تبحث عن النجاح إلى أن تبني ثقافتها، وتتأكد من سير العاملين جميعهم وفق هذه الثقافة.

أهم المراجع:

1. الثقافة التنظيمية وعلاقتها بالانتماء التنظيمي، حمد بن فرحان الشلوي.

2. الثقافة التنظيمية وعلاقتها بالالتزام التنظيمي، محمد بن غالب العوفي.

3. الثقافة التنظيمية ودورها في رفع مستوى الأداء، زياد سعيد خليفة.

4. السلوك التنظيمي، د. أحمد ماهر.

5. السلوك في المنظمات، د. راوية حسن.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 27 ديسمبر 2009
  1. أهمية السلوك التنظيميمصطفى كريم [email protected] يقول د. أحمد ماهر: (نحن نحتاج إلى تفسير لسلوك الناس الذين نعمل معهم، وقد يطول البحث وتطول المعاناة التي نلاقيها في محاولة فهم الآخرين بل في فهم أنفسنا، فنحن في حاجة إلى معرفة الأسباب المؤدية للسلوك، بل وأيضًا ال7 د قراءة
  2. مركز جالوب: تزايد عدد الملحدين في أمريكاأظهر مسح للآراء أعدته مؤسسة أمريكية متخصصة فى متابعة الرأى العام تناقص عدد المسيحيين في الولايات المتحدة في ظل تزايد عدد الأشخاص غير المنتمين لأي دين على الإطلاق. وقالت نتائج المسح الذي أجراه مركز جالوب الأمريكي: "78 % من الأمريكيين ينتمون الأمريكتان · 1 د قراءة
  3. بعد عام للمذبحة من ينتصر لغزة؟!تأتي الذكرى الأولى للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، بين السابع والعشرين من ديسمبر2008, والثامن عشر من يناير2009, والذي أسفر عن سقوط 1400 شهيد فلسطيني على الأقل، وإصابة خمسة آلاف, في ظل أوضاع مأسوية يعيشها أهل القطاع, وصمود أسطوري قل أن تجد مقالات وتحليلات · 5 د قراءة
  4. نفط العراق والرؤية الإيرانيةإعداد : أحمد عباس مفكرة الإسلام : لازال النظام الإيراني ينتهز كل فرصة سانحة من أجل التطفل على جاره العراق الذي خاض معه سنوات من الحرب من أجل فرض النفوذ على المنطقة والاستفادة بالثروات النفطية الهائلة في المنطقة الحدودية بين البلدين. لم تكن مقالات وتحليلات · 4 د قراءة
  5. مسلمو أمريكا يناشدون أوباما وقف "كراهية الإسلام"ناشد مسلمون أمريكيون الرئيس باراك أوباما اتخاذ خطوات عاجلة بمواجهة "المستوى المقلق من كراهية الإسلام" فى الولايات المتحدة مع تصاعد أعمال العنف والكراهية ضد المسلمين ومساجدهم وأعمالهم فى أمريكا. وأشار مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية "كير"،الأمريكتان · 3 د قراءة
  6. اعتقال مجرمين باستخدام اليناصيبمفكرة الاسلام: لجأت الشرطة التايلاندية إلى وسيلة مبتكرة لاعتقال 14 مشتبهًا بهم من خلال خداعهم وإبلاغهم بفوزهم في مسابقة لليانصيب لتلقي القبض عليهم فور وصولهم كي يتسلموا الجوائز المزعومة. وقال اللفتنانت جنرال كريسادا بانكونجتشون الذي دبر الخعجائب وغرائب · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: كيف ترسخ ثقافة تنظيمية فعالة؟