المسلمون بأيرلندا (3)

نتعرض في حديثنا اليوم إلى مسيرة المسلمين والعمل الإسلامي في أيرلندا, كما نستعرض أهم الإنجازات التي قام بها المسلمون على أرض الواقع.
إن أهم ما يحرص عليه المهاجرون في الدول الغربية عامة هو تربية الجيل الجديد وتعليمه القرآن الكريم واللغة العربية ومبادئ الدين وهو ما يقوم به المسلمون بأيرلنداوذلك عن طريق إنشاء المساجد والمراكز الإسلامية والمدارس وفي الأسطر التالية نرى بعض ما تم إنجازه.
هناك عدد من الجمعيات الإسلامية والمساجد في المدن الايرلندية المختلفة منها:
الهيئة الإسلامية في أيرلندا ومقرها في مدينة دبلن هي المؤسسة الإسلامية الأم في أيرلندا . وقد تأسست باسم الجمعية الإسلامية في دبلن في عام 1959 ، وفي تاريخ لاحق أسميت الهيئة الإسلامية في أيرلندا لتمثل المسلمين في جميع أنحاء أيرلندا . والهيئة مسجلة لدى السلطات الرسمية منذ عام 1971م ، وذلك لدى مسجل الجمعيات الصديقة ، كما أنها مسجلة كهيئة خيرية معفاة من الضرائب. وللهيئة دستور مكتوب، ولها مجلس شورى ينتخب سنويًا من قبل الأعضاء. وعضوية الهيئة الإسلامية مفتوحة لجميع المسلمين في أيرلندا ، وكل مسلم في أيرلندا عضو فخري في الهيئة كما ينص على ذلك دستور الهيئة ،ويبلغ عدد الأعضاء المسجلين في الوقت الحالي 1384 عضوا من جميع أنحاء أيرلندا .
تقـوم الهـيئة بإدارة مسجد دبلن والمـركز الإسـلامي، كما قامت بتأسـيس مسجـد للمسلمين في مـدينة كورك في جـنوب أيرلندا في عام 1994م .
أشرفت الهيئة كذلك على بناء المركز الثقافي الإسلامي وافتتح رسميا في عام 1996م .
موارد الهيئة المالية التي تعـتمد عليها في تسيير نشاطاتها الجارية تتمثل في بعض المنازل التي تمّ شـراؤها من فائض أموال التبرعات التي جمعت لتأسيس المسجد ، وذلك لتكون أوقافا تؤجر وينفق من دخلها على مصروفات المسـجـد والمركز ، وكذلك لتوفير السكن لعدد من المسلمين في المنطقة حول المسجد . وتملك الهيئة أيضًا متجرًا لبيع اللحوم الحلال وغيرها ومطعمًا صغيرًا لتوفير الوجبات الحلال وإعداد الطعام في المناسبات .
ولكن مع نمو عـدد المسـلمين في أيرلندا وتوسـع نشاطهم فقد ازدادت الأعباء المالية للهيئة . والدعم المنتظم الوحيد الذي تتلقاه الهيئة من الخارج يتمثل في راتب إمام المسجد الذي تتكفل به وزارة أوقاف إحدى الدول الإسلامية.
وهناك أيضًا المركز الثقافي الإسلامي بدبلن و قد بدأ العمل في تشـييد المركز الجـديد في عام 1994م واكتملت أعمال البناء وتم الانتقال إليه ( انتقال الهيئة الإسلامية ) عام 1996م . ومع أن المركز الإسلامي الجديد مُنح للهيئة الإسلامية ( وهي التي أشرفت على بنائه ) بموجب عقد ايجار لمدة 35 عامًا ، وأصبحت الهيئة تشرف على ادارة المسجدين القديم والجديد في دبلن . إلا أن الهيئة الإسلامية أخطرت بعد مضي سبعة أشهر بضرورة التنازل عن عقد الايجار ، وقد سبب ذلك انقساما لازلت الجالية تعاني آثاره . ورغم أن التنازل لم يتم حتى الآن لأسباب قانونية إلا أن الهيئة الإسلامية عادت إلى مقرها القديم في مسجد دبلن,بينما ترك الإشراف على المركز لأحد الجمعيات الخيرية العربية.
ولدينا أيضًا جمعية مسلمي كورك التي تأسست عام 1984م ، وعضويتها مفتوحة لجميع المسلمين المقيمين في مقاطعة كورك ، حيث يختار المسلمون سنويًا لجنةً لإدارة المركز وشئون الجالية. وفي عام 1994م تمّ شراء منزل واستخدامه كمسجد ومركز إسلامي للجالية المسلمة في مدينة كورك.
وهنالك مشكلة تواجه المسلمين في مدينة كورك في الوقت الحالي وذلك فيما يتعلق برفض السلطات السماح لهم بالاستمرار في استخدام المكان الحالي كمسجد بحجة عدم حصولهم على إذن لاستخدامه كمسجد عند شرائه. وقد نشأت هذه المشكلة في أعقاب تقدم الجيران بشكوى للسلطات بسبب الطريقة التي يوقف بها المسلمون سياراتهم عند حضورهم لصلاة الجمعة مما يسبب الزحام في منطقة سكنية. وبذلك فإن المسلمين في كورك يسعون الآن للحصول على مكان مناسب ، وأوسع من ناحية أخرى نظرًا للزيادة في أعداد المسلمين في المدينة .
أما عن الجمعية الإسلامية في جولواي فقد تم إنشاؤها عام 1978م. و في عام 1981م تمّ شراء منزل في المدينة لاستخدامه كمسجد للمسلمين. وعضوية الجمعية الإسلامية مفتوحة لجميع المسلمين في مقاطعة قولواي في غرب أيرلندا .
وفي مسجد مدينة بالي هونيس تمّ بناء مسجد مدينة بالي هونيس في عام 1986م ، ويعتبر أو ل مسجد في أيرلندا تمّ بناؤه في الأصل ليكون مسجدًا،وذلك بخلاف المباني التي كانت موجودة أصلًا ثم تمّ تحويلها إلى مساجد.
ومسجد مدينة بالي هونيس مسجد صغير يتسع لحوالي 150 مصلٍ ، وقد قام ببنائه رجل مسلم ، باكستاني الأصل ، كان يمتلك مصنعًا للحوم الحلال في تلك المدينة النائية في شمال غرب أيرلندا ، حيث كانت غالبية العمال من المسلمين. ومع أن المصنع قد أفلس وانتقل صاحبه وأسرته إلى بريطانيا ، إلا أن جالية مسلمة صغيرة بقيت في المدينة ، وهي التي تستفيد حاليًا من وجود المسجد .
كما يوجد أيضًا في مدينة ليمرك مسجد قام بتأسيسه المسلمون المحليون حيث تقام فيه صلوات الجماعة والجمعة . وتشرف على المسجد اللجنة التي أشرفت على تأسيسه .
وهناك المركز الثقافي الإسلامي بدبلن الذي يمثلمجمعًا عملاقًا ومتكاملًا، يتخذ منه المسجد الجامع الذي يتسع لأكثر من ألف مصلٍّ موقع القلب، وتتفرّع منه أركان أربعة؛ أولها للإدارة والمكتبة وقسم النساء، والمرافق الخاصة بهن، وتشتمل على مصلّى وغرفة للحضانة وعدد من المرافق، بالإضافة إلى المطعم والمتجر.
أما الركن الثاني فيضم المدرسة الإسلامية"المدرسة النظامية الابتدائية التي تضم قرابة ثلاثمائة تلميذ وتلميذة، وتتولى وزارة التربية والتعليم الأيرلندية من جانبها تغطية جانب كبير من نفقاتها، بينما تتولى هيئات خيرية تكملة تلك النفقات.","كما يضم مدرسة "نور الهدى" القرآنية المخصصة لنهاية الأسبوع، بالإضافة إلى مكتبة ومطعم ومتجر، يرتادها المسلمون وغير المسلمين."، ويشتمل الركن الثالث على عشرة شقق للضيافة ودار للشباب، بينما يشمل الركن الرابع للمركز قاعة متعددة الاستخدامات، تخدم النشاطات الثقافية والرياضية، علاوة على نادٍ رياضي يخدم الجنسين بالتوازي.
ويوضح مدير المركز الثقافي الإسلامي بدبلن، أنّ المركز يسعى إلى تعزيز التفاهم المتبادل بين المجتمع الأيرلندي الكاثوليكي والأقلية المسلمة، ودفع عجلة الحوار والتعاون في مجالات الاهتمام.
ويشير إلى أحد البرامج النموذجية التي دأب المركز على تنظيمها، وهو "أسبوع الجيران" الذي يستقطب الآلاف من المواطنين سنويًا للاطلاع على نشاط المركز والتعرف عن كثب على الدين الإسلامي، كما يتم تنظيم أسابيع ثقافية ومعارض للكتاب والصور والأعمال الفنية ولأطباق الطعام العالمية.
كما تتدفق وفود من المواطنين الراغبين في التعرف على الدين الإسلامي والقيم التي يحملها أتباعه إلى المركز الثقافي الإسلامي بدبلن، ويكون في استقبالهم دعاة مسلمون مختصون، يجولون بهم في مرافق المركز ويتيحون لهم حضور دروس تعريفية بالإسلام وطرح استفساراتهم والإجابة عليها.
ولدينا هنالك بعض البيوت المستأجرة التي يؤدي فيها المسلمون صلاة الجمعة كما في مدينة واترفورد ومدينة كافان . جملة القول أن هناك اليوم ستة مساجد في الجمهورية الأيرلندية.
أما عن الشئون التعليمية فلدينا :
أولًا التعليم النظامي المتمثل في:
المدرسة الإسلامية في دبلن :
توجد في أيرلندا مدرسة إسلامية واحدة لأطفال المسلمين تعمل بنظام الوقت الكامل،وهي المدرسة الإسلامية في دبلن،وهي مدرسة ابتدائية قامت الهيئة الإسلامية في أيرلندا بتأسيسها في عام 1990م . وقد افتتحت المدرسة في مبنى مؤقت في مسجد دبلن والمركز الإسلامي ، وفي عام 1993م انتقلت إلى مقرها الحالي الدائم. والمدرسة معترف بها من قبل وزارة التربية والتعليم في أيرلندا، تساهم الوزارة في تمويلها شأنها في ذلك شأن المدارس الأخرى .
ويتمثل الدعم الذي تتلقاه المدرسة من وزارة التربية والتعليم الايرلندية فيما يلي :
ـ دفع رواتب المعلمين المؤهلين المسجلين لدى الوزارة.
ـ منحة سنوية مقدارها 64 جنيهًا ايرلنديًا عن كل تلميذ في المدرسة.
ـ دفع 85% من قيمة اثاثات المدرسة.
ومن ذلك يتضح أن الوزارة لا تتكفل بكل نفقات المدرسة ، بل بجزء منها ، وتتكفل الجهة القائمة على المدرسة بالباقي . وهذا هو النظام الذي تتبعه الوزارة مع كل المدارس .
يبلغ عدد التلاميذ في المدرسة 245 تلميذًا يأتون من مختلف أنحاء مدينة دبلن،وتمتلك المدرسة أربع حافلات لنقل التلاميذ. ويبلغ عدد المعلمين بالمدرسة 11 معلمًا من وزارة التربية والتعليم ، تتكفل الوزارة بدفع مرتباتهم وهنالك خمس معلمون مسلمون لتعليم القرآن واللغة العربية والتربية الإسلامية.
ويتكون النظام الإداري للمدرسة من الراعي (إمام الهيئة الإسلامية) على قمة الجهاز ، ثم مجلس إدارة المدرسة المكون من عضوين يختارهما الراعي واثنين ينتخبهما أولياء الأمور وناظر المدرسة وممثل للمعلمين ، ثم يقوم الستة باختيار عضوين من الجالية المسلمة .
تقوم المدرسة بتدريس المنهج الايرلندي للعلوم الطبيعية والإنسانية وهذا شرط الوزارة في مقابل الاعتراف بالمدرسة ودعمها.أما تدريس الدين فموكول إلى إدارة المدرسة بدون تدخل من الوزارة حيث يتم تدريس القرآن الكريم والتربية الإسلامية واللغة العربية.
ب) أبناء المسلمين في المدارس النظامية الأخرى :
إن المدرسة الإسلامية في دبلن إنما تستوعب عددًا محدودًا من ابناء المسلمين في المدينة ، ولذلك فإن بقية التلاميذ يذهبون إلى مدارس الطوائف الديينية الأخرى في أيرلندا لتلقي التعليم "كل المدارس في أيرلندا ـ تقريبًا ـ تدار من قبل الكنائس والجماعات الدينية ". ويتمثل دور وزارة التربية والتعليم الايرلندية في تقديم الدعم للمدارس بعد الاعتراف بها.ونظرًا لعدم وجود مدرسة إسلامية في أي مدينة أخرى من مدن أيرلندا،ما عدا دبلن،فإن الإطفال المسلمين في تلك المدن يذهبون إلى المدارس المحلية لتلقي التعليم.
ومن ناحية أخرى،وبسبب عدم وجود أي مدرسة إسلامية ثانوية في أيرلندا،فإن جميع أبناء المسلمين،بما في ذلك الذين يُكملون تعليمهم الابتدائي في المدرسة الإسلامية في دبلن يذهبون إلى مدارس الطوائف الدينية المختلفة لتلقي التعليم في هذه المرحلة. وهذابالطبع نذير خطر يجب أن يدركه أصحاب الألبابممن يغارون على الإسلام وأبنائه.
ثانيًا: هناك التعليم غير النظامي :
هنالك العديد من المدارس غير النظامية التي تعمل بنظام الوقت الجزئي -خاصة في عطلة نهاية الأسبوع -لتعليم التربية الإسلامية والقرآن واللغة العربية ، ومن هذه المدارس :
• مدرسة الفلاح الإسلامية بدبلن ، وتشرف عليها الهيئة الإسلامية في أيرلندا ، حيث تعمل في يومي الجمعة والسبت من كل أسبوع .
• مدرسة الأحد الإسلامية في مسجد دبلن والمركز الإسلامي .
• مدرسة نور الهدي القرآنية بدبلن ، ويشرف عليها المركز الثقافي الإسلامي بدبلن حيث تعمل ثلاثة أيام في الأسبوع : الجمعة والسبت والإثنين .
• المدرسة الليبية بدبلن : حيث يشرف عليها بعض المسلمين الليبيين ، وتتبع منهج أمانة التعليم في الجماهيرية الليبية ، والمدرسة مفتوحة لأبناء الجالية العربية من ليبيين وغيرهم . وتعمل المدرسة في يومي السبت والأحد من كلّ أسبوع .
• هنالك مدارس في عطلة نهاية الأسبوع ملحقة بالمساجد المختلفة في جولواي وكورك وليمرك وكافان وواترفورد وبالي هونيس.
وهناك إنجاز ذو أهمية بالغة يجب ألا نغفل عنه وهو المقبرة الإسلامية,وقد كانت الجمعية الإسلامية في دبلن قد قامت في عام 1976م بشراء قطعة أرض صغيرة منفصلة في مقبرة في وسط مدينة دبلن بالقرب من المركز الإسلامي، لاستخدامها كمقبرة لدفن موتى المسلمين. وفي نهاية الثمانيات امتلأ الجزء الخاص بالمسلمين في تلك المقبرة مما اضطرالقائمين على الجمعية الإسلامية للبحث عن مكان آخر حتى تمّ الحصول على المكان الحالي في عام 1990م ، وذلك بالاتفاق مع بلدية دبلن.
ونظرًا لصغر حجم الجالية المسلمة في دبلن وأيرلندا فلا يوجد مكتب خاص بالمسلمين يقوم بخدمات تجهيز ودفن الموتى المسلمين،كما هو الحال في مدن أوربية أخرى. وفي الوقت الحاضر يشرف موظفو الهيئة الإسلامية في أيرلندا على التجهيزات الخاصة بغسل ودفن موتى المسلمين. وإذا مات شخص مسلم فإنه يُلجأ إلى شركة دفن ايرلندية،حيث تقوم بنقل جثمان الميت من المستشفى إلى مقرها،ويقوم المسلمون بغسل الميت في مكان الشركة . وبعد الانتهاء من غسل الميت تقوم الشركة بأخذ الميت إلى المسجد للصلاة عليه ثمّ إلى المقبرة لدفنه أو نقله خارج أيرلندا إذا طلب ذلك.
وأخيرًا فإنه من الإنجازات التي جعلت مسلمي أيرلندة تحت الأنظار احتضان دبلن للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث الذي يعقد دوراته فيها بانتظام منذ تأسيسه عام1997م,وقد منحها أهمية خاصة بالنسبة لمسلمي أوروبا، الذين ينظرون باهتمام بالغ للفتاوى الصادرة عن هذا المجلس الأول من نوعه على الصعيد الأوروبي.ويضم المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث عشرات العلماء والباحثين المسلمين من عموم أوروبا والعالم الإسلامي.
هذه أهم معالم العمل الإسلامي ومسيرة أبناء المسلمين على الساحة الايرلندية, ومع وعد باللقاء إن أحيانا الله في الحلقة القادمة وختام رحلتنا في الأراضي الايرلندية إن شاء الله.