تاريخ الحروب الدينية المعاصرة (11)

حركات التحرير الإسلامية في مصر
شريف عبد العزيز
مفكرة الإسلام : فشلت كل مخططات نابليون التوسعية وتبخرت أحلامه بسرعة لم يكن يتخيلها أشد المتشائمين، فلم يتمكن نابليون من خداع المصريين واستمالتهم، كما لم يتمكن من إقناع الدولة العثمانية بأن مجيئه إنما كان للتخلص من المماليك الذين كانوا يتعاونون مع الإنجليز، وهاهو قد أصبح محاصرًا وجنوده في بلاد أبعد ما تكون عن ديارهم، تتهدده الأخطار من الإنجليز والعثمانيين، في مواجهة المصريين الذين لم ينتظروا طويلاً حتى أقاموا سوق الجهاد والدفاع عن الدين والعرض.
qثورة القاهرة الأولى :
اتخذ نابليون في بادئ أمره سياسة الخداع والتقرب من السكان لاستمالتهم، وأظهر احترامًا مصطنعًا للإسلام وقرَّب إليه العلماء وشيوخ الأزهر، وشكل ديوانًا للحكم نصفه من علماء الأزهر، وسار في خطته الخبيثة، وكادت أن تؤتي أكلها، فجاء تحطيم الأسطول الفرنسي بأبي قير ليجعل نابليون يعيد كل حساباته ويكشف عن وجهه العنصري الصليبي الحقيقي، إذ أخذ في فرض الضرائب على السكان وبالغ في مصادرة أموالهم وقطع أموال الأوقاف وصادر ممتلكاته، وهدم المساجد والزوايا وأبواب الحارات بدواعي أمنية، ثم فتح حانات الخمر وبيوت الدعارة للترفيه عن جنوده الذين شعروا بأنهم في سجن كبير، وأخذ الفرنسيون في المجاهرة بالفواحش والمنكرات التي لم يعتاد أهل مصر على رؤيتها من قبل.
تضايق مسلمو مصر من أفعال الاحتلال ومجاهرتهم بالمعاصي والمظالم، فأجمعوا على الثورة والانتفاض على المحتل الصليبي الغاشم، وانطلقت الثورة من الجامع الأزهر في أكتوبر سنة 1798م ـ ربيع أول سنة 1213هـ، وقادها شيوخ الأزهر، وانقض المجاهدون على الثكنات الفرنسية وقتلوا من فيها كما قتلوا الجنرال (ديبوي) حاكم القاهرة وأحد كبار قادة الحملة الفرنسية، وقد سقط من مسلمي مصر في اليوم الأول للثورة ألفان من المجاهدين الذين نحتسبهم عند الله عز وجل شهداء.
في اليوم الثاني للثورة نصب نابليون مدافعه على جبل المقطم المشرف على أحياء القاهرة وأخذ في صب نيران مدافعه على الجامع الأزهر وما حوله من الأحياء، واستعمل نابليون أشد أنواع القسوة مع المدافعين عن دينهم ووطنهم، وانتقامًا من مسلمي مصر أمر نابليون جنوده باقتحام الجامع الأزهر بخيولهم وداسوا على المصاحف وكتب العلم بخيولهم وأقدامهم النجسة ثم عسكروا في الجامع، وعندها أيقن الجميع أن الحملة الفرنسية على مصر ما هي إلا حملة صليبية محضة.
السياسة الصليبية الفرنسية بعد ثورة القاهرة الأولى:
اتبع الفرنسيون بعد ثورة القاهرة الأولى سياسة صليبية واضحة المعالم تتجلى فيها كل معاني العداء الديني والحقد التاريخي والموروث بين الإسلام والصليبية، إذ عمل الفرنسيون على استثارة نصارى وأقباط مصر ضد مسلميها وذلك بطلب معاونتهم للحملة الفرنسية بمختلف السبل، وقد قابل النصارى وأيضًا اليهود في مصر هذا العرض الصليبي الفرنسي بغاية الترحاب وقدموا مساعدات جليلة للاحتلال الفرنسي وصلت لحد تشكيل فرق عسكرية نظامية من النصارى المصريين عرفت باسم الفيالق القبطية، وقد انضمت للفرنسيين في القتال ضد مسلمي مصر، وكان يقود هذه الفيالق شخص في غاية الخسة والنذالة يدعى المعلم يعقوب حنا، وقد قام الجنود والضباط الفرنسيون بتدريب هذه الفيالق على الأعمال القتالية وحرب الشوارع والعصابات لمواجهة المجاهدين والمدافعين عن البلاد، وقد أصبحت هذه الفيالق القبطية جزءًا من الجيش الفرنسي أيام «كليبر» وقد أعطى الخائن يعقوب حنا لقب القائد العام للفيالق القبطية بالجيش الفرنسي وقلده «مينو» رتبة الجنرال تقديرًا لجهوده الكبيرة في محاربة مسلمي مصر.
ألغى نابليون الديوان العام الذي سبق وأن شكله من كبار العلماء والأعيان لإدارة شئون الحكم وألف ديوانًا جديدًا ضم النصارى والجاليات النصرانية المقيمة في مصر واستبعد المسلمين من هذا الديوان تمامًا.
فرض غرامات فادحة على العلماء والمشايخ بالأزهر بسبب تأييدهم للثورة وسجن بعضهم ونفى البعض الآخر، وقام بالقبض على صغار المشايخ وطلبة العلم الذين كانوا يقودون الثورة وأعدمهم وأغلق الجامع الأزهر لأجل غير مسمى ومنع إقامة الصلاة فيه.
اتبع نابليون سياسة الضربة الاستباقية لجموع المجاهدين معتمدًا على شبكة الجواسيس التي شكلها من نصارى مصر، والتي كانت تنقل له باستمرار أخبار المجاهدين، فيهجم الفرنسيون على أماكن تجمع المجاهدين، وبهذه السياسة الصليبية الآثمة استطاع الفرنسيون ضرب بؤر المقاومة في وجه بحري ولكن واجهتهم مصاعب جمة في وجه قبلي وصعيد مصر.
q الفرنسيون ومجاهدو الصعيد :
استطاع الاحتلال الفرنسي السيطرة على الوجه البحري لبلاد مصر في فترة وجيزة أقل من شهر ونصف تقريبًا، ولكنه واجه مقاومة بالغة الشدة والعنف من أهل الصعيد، الذين تنامى عندهم الشعور الإسلامي بصليبية الحملة الفرنسية خاصة بعد الفظائع التي ارتكبها الاحتلال أثناء قمعه لثورة القاهرة الأولى، والإهانة المتعمدة للجامع الأزهر وعلمائه وشيوخه.
فبعد هزيمة المماليك في إمبابة فر زعيمهم (مراد بك) إلى الصعيد ونظم صفوفه وقطع مجرى النيل ومنع المراكب من الوصول إلى القاهرة، فحاول نابليون الداهية استمالته بأن عرض عليه حكم الصعيد من مديرية جرجا حتى الشلالات تحت راية الفرنسيين مع دفع الجزية، فرفض مراد بك بشدة، فزحف إليه الفرنسيون بجيش كبير وهزموه ولكنهم فشلوا في إخضاع الأهالي الذين سلكوا حرب العصابات والكر والفر ضد الاحتلال الفرنسي وأنهكوه بشدة جراء ذلك.
استفاد أهل الصعيد من وجود بقايا جيش المماليك عندهم، كما استفادوا من قدوم المجاهدين من الحجاز، وساعدهم طول الوادي وامتداده جنوبًا في إرهاق الفرنسيين في عمليات المطاردة والمتابعة، وكان لتمركز العديد من القبائل العربية العريق بصعيد مصر أثر كبير في تذكية جذوة الجهاد، ولقد قامت قبائل مثل بني عدي والهوارة وغيرهم بأدوار رائعة في جهاد الاحتلال الفرنسي، لذلك صب الفرنسيون جم غضبهم على هذه القبائل وأقاموا فيهم عدة مذابح مروعة لردعهم عن مقاومة الاحتلال، ولكن لم يفد ذلك شيئًا، وظل وضع الفرنسيين في الصعيد مضطربًا مقلقلاً طوال فترة وجودهم بمصر.
أثر الاحتلال الفرنسي لمصر على العالم الإسلامي:
كان احتلال فرنسا لمصر صدمة كبيرة للعالم الإسلامي بأسره، فلأول مرة يقع بلد إسلامي كبير وهام مثل مصر في قبضة الاحتلال الصليبي الأوروبي، ومصر وقتها مركز ثقل إسلامي واستراتيجي خطير وحاضرة العالم الإسلامي أيام المماليك، وأخذت تداعيات هذا الاحتلال تتوالى منذ الوهلة الأولى له، وتمثل بادئ الأمر في إعلان السلطان العثماني سليم الثالث الجهاد على الفرنسيين الصليبيين على الرغم من ضعف الدولة العثمانية وقتها وتكالب الأعداء الأوروبيين عليها واختلال ميزان الصراع بينها وبني عدوها التقليدي في هذه الحقبة روسيا القيصرية.
حدثت ردة فعل كبيرة لإعلان الجهاد على فرنسا الصليبية في العالم الإسلامي وتحركت المياه الساكنة في حياة المسلمين، وبدا أن شعيرة الجهاد في سبيل الله قد حيت من جديد، فهب المسلمون في عدة أماكن لنجدة إخوانهم المصريين من الاحتلال الفرنسي، وكان مسلمو الحجاز أول الناس استجابة لنداء الجهاد، إذ قام الشيخ محمد الكيلاني بتحريض المسلمين على القتال ونصرة المستضعفين، فاستجاب لدعوته قرابة الستمائة مجاهد من أهل الحجاز والحرمين، فركبوا البحر الأحمر وعبروه إلى بر مصر الجنوبي، ونزلوا عند القصير وانضموا إلى مجاهدي الصعيد وبقايا المماليك وعرب الهوارة في قتال الفرنسيين الذين كان يقودهم الجنرال (ديزيه) وكان من أعتى وأشد القادة الفرنسيين عنفًا وحقدًا، قد أظهر مجاهدو الحجاز بطولات رائعة في قتال المحتل الصليبي وكانوا بحق أشد خصوم ديزيه ومن معه.
كان دخول أهل الحجاز في ميدان الصراع بين مسلمي مصر والمحتل الصليبي الفرنسي إيذانًا باشتعال جذوة الجهاد في سبيل الله في كل مكان، ولقد حركة الحمية للدين مسلمي ليبيا بقيادة المهدي الدرناوي الذي شكل جيشًا قويًا من مسلمي شرق ليبيا وقبائل أولاد علي والهنادي وعرب مطروح، واخترق الصحراء الشرقية بسرعة كبيرة حتى بلغ مدينة دمنهور سنة 1214هـ ـ أبريل 1799م، وانقض على الحامية الفرنسية بها فأبادها بالكلية، فأرسل الجنرال (مارمون) حاكم الإسكندرية كتيبة قوية مزودة بالمدفعية الثقيلة لمنع تقدم الدرناوي ومن معه، ولكن المجاهدين انتصروا عليها أيضًا، فحشد الفرنسيون قوة كبيرة من إسكندرية ورشيد والرحمانية، واصطدم المجاهدون مع الفرنسيين عند قرية سنهور، ودارت رحى حرب طاحنة استمرت سبع ساعات وانتهت بانتصار رائع للدرناوي ومن معه، أجبر الفرنسيين على الانسحاب إلى الرحمانية.
وبالجملة كانت أمثال هذه الاستجابات تشجع المصريين على الصمود والمقاومة وتحيي في النفوس الآمال بحياة الأمة وبقاء معاني العزة والكرامة فيها.
q ثورة القاهرة الثانية :
تحالفت الدولة العثمانية مع إنجلترا وروسيا لإخراج الفرنسيين من مصر، وأخذت الدولة العثمانية في حشد الجيوش بالشام للهجوم على الفرنسيين من ناحية الشرق وتخوف نابليون من مغبة قدوم العثمانيين إلى مصر وقرر مبادرتهم في الشام وبسرعته المعهودة في الحركة والانقضاض، شن نابليون حملة قوية على الشام هزم فيها العثمانيين وأسر قائدهم (مصطفى باشا) وعرف منه أن حربًا عامة قد اندلعت في أوروبا ضد الثورة الفرنسية، وكان نابليون شخصًا طموحًا جدًا تحدوه أطماع جياشة لرياسة فرنسا، فقرر استغلال الفرصة وغادر مصر سرًا تاركًا الحملة الفرنسية تحت قيادة الجنرال كليبر.
بعد فترة وجيزة من قيادة كليبر للحملة في مصر أيقن أنه لا فائدة من البقاء بها وفتح باب التفاوض مع العثمانيين للانسحاب من البلاد بصورة تحفظ للفرنسيين ماء الوجه، وبالفعل تم توقيع اتفاقية العريش في يناير سنة 1800م بشروط مرضية للطرفين، لكن الإنجليز أساتذة المكر والفساد، عطلوا هذه الاتفاقية من أجل إذلال الفرنسيين وتأديبهم وأيضًا من أجل منع عودة القوة الفرنسية في القتال الأوروبي.
وقد أدى هذا التعطيل المفتعل من الجانب الإنجليزي لاتفاقية العريش لاندلاع القتال مرة أخرى بين العثمانيين والفرنسيين، وحقق الفرنسيون نصرًا كبيرًا على العثمانيين أجبرهم على التقهقر إلى الشام مرة أخرى، وقد انتهز المصريون فرصة انشغال الفرنسيون بقتال العثمانيين وقام أهل القاهرة بزعامة السيد عمر مكرم نقيب الأشراف بالثورة على الاحتلال، وكان قرابة الستة آلاف جندي عثماني قد دخلوا القاهرة بعد هزيمتهم أمام الفرنسيين واشتركوا مع المصريين في الثورة، وقد تركزت الثورة في حي بولاق العريق في القاهرة، فأخذ كليبر في دك القاهرة بالمدافع وركز القصف على حي بولاق ولجأ إلى العنف الشديد لإجبار المجاهدين على التسليم وهدم حي بولاق على رأس ساكنيه وكُلِّف الخائن الصليبي (يعقوب حنا) بانتهاك الدور والأعراض والإجهاز على الجرحى، ثم فرض غرامات باهظة على شيوخ الأزهر والعلماء وأهل القاهرة جميعًا دون استثناء.
أدت الوحشية البالغة التي انتهجها كليبر لقمع الثورة لقيام أحد طلبة الأزهر واسمه «سليمان الحلبي» باغتياله انتقامًا للآلاف من المسلمين الذين قتلهم كليبر وجنوده في القاهرة، وبعد مقتل كليبر آلت القيادة العامة للحملة إلى الجنرال (مينو) وكان يختلف عن سابقيه، فلقد كان من أنصار البقاء، وكان ضابطًا إداريًا وليس عسكريًا، كما أنه قد أعلن إسلامه وتزوج امرأة مصرية من رشيد فأخذ في ترتيب أوضاع الحملة في مصر من أجل جعل مصر مستعمرة فرنسية متميزة فأدخل إصلاحات إدارية وتنظيمية واسعة في الزراعة والصناعة والنظام المالي والقضائي، وفي أيام «مينو» تمت اكتشاف رموز حجر رشيد والتفكير في مشروع قناة السويس، وإن كان معظم أفراد الحملة يعارضون قائدهم في ذلك كله.
أقلقت هذه الإصلاحات والترتيبات الإدارية التي قام بها مينو الإنجليز وخشوا من قيام مستعمرة فرنسية قوية في مصر فتحالفوا مع العثمانيين وشنوا هجومًا بريًا وبحريًا على الاحتلال الفرنسي في مصر وتحرك المصريون في الداخل بقوة وفي النهاية ومع كثرة الضغوط الخارجية والداخلية وبالأخص العمليات الجهادية في الدلتا والصعيد، اضطر مينو في النهاية للتسليم وخرجت الحملة الفرنسية مذمومة مدحورة سنة 1216هـ، أي لم تبق في البلاد سوى ثلاث سنوات.
ورغم بطولات الجهاد الإسلامي على أرض المحروسة وأمثلته الرائعة في مقاومة الاحتلال الصليبي الفرنسي إلا أن هذا الاحتلال كان له أسوأ الأثر على مصر خاصة والمنطقة العربية عامة، حيث فتح الاحتلال الصليبي الفرنسي لمصر الباب لتسرب المفاهيم والقيم والأفكار الغربية، وكان بداية الهزيمة النفسية لشعوب المنطقة، وبداية فكرة تجنيد العملاء والخونة لدينهم وأوطانهم، وبداية التغريب والعلمنة في الأمة الإسلامية، لذلك لا تعجب أبدًا إذا رأينا من أبناء المسلمين من يحتفل بذكرى الاحتلال الفرنسي الصليبي لمصر على أساس أنه كان بداية النهضة والرقي والتقدم، وبالتالي فإن هذه الحملة الصليبية وإن كانت فشلت عسكريًا إلا إنها قد نجحت وبشدة على المستوى الفكري والعقدي مما يجعلها من أقوى وأنجح الضربات الصليبية ضد العالم الإسلامي.
* * *
المصادر والمراجع
(1) التاريخ الإسلامي.
(2) تاريخ الجبرتي.
(3) تاريخ الدولة العثمانية.
(4) تاريخ العرب الحديث.
(5) تاريخ مصر الحديث والمعاصر.
(6) الاتجاهات الوطنية.
(7) عوامل نهوض وسقوط الدولة العثمانية.
(8) دراسات في التاريخ المصري.
(9) حلية البشر.
(10) المختار المصون.