نماذج ناجحة للكونفيدراليات حول العالم
أحمد عباس
لقد لجأت العديد من دول العالم على مر التاريخ إلى نظام الكونفدرالية من أجل تحقيق مصالح مشتركة والتصدي لمخاطر محدقة تهدد هذه الدول ذات الروابط المشتركة.
وشهد العالم منذ ما يزيد على قرنين من الزمان محاولات مختلفة لإقامة نماذج ناجحة للكونفدرالية، ومن الملاحظ أن غالبية هذه المحاولات تركزت في القارة الأوروبية.
وتختلف طبيعة العلاقة بين الدول التي تشكل الكونفدرالية إلى حد بعيد كما أن العلاقة بين الدول الأعضاء والحكومة المركزية فيما يختص بتوزيع السلطات فيما بينها تتفاوت كذلك بشكل كبير.
واتسمت بعض الكونفدراليات على مستوى العالم بمرونة مماثلة للمنظمات الحكومية الدولية، بينما اقتربت نماذج الكونفدراليات الأخرى التي اتصفت بدرجة أكبر من الصرامة في معايير قيامها من نماذج الاتحادات الفدرالية.
النموذج الكونفدرالي الألماني
ومن أهم أمثلة الكونفدرالية على مستوى العالم تلك الكونفدرالية التي قامت في ألمانيا في الفترة ما بين عامي 1806 و1848.
وشهد النصف الأول من القرن التاسع عشر مرحلة تغيرات طبقية واضطرابات سياسية في أوروبا، ففي خلال القرن الثامن عشر كانت ألمانيا ساحة حرب تتصارع فيها القوات الضخمة النمسا فرنسا وبروسيا.
وعندما قامت الثورة الفرنسية سنة 1789 والحرب التي تبعتها قُضِي على العديد من الحكومات الأوروبية القديمة، مُنحت السيطرة للدولة الألمانية، وفي خلال الحرب النابليونية انضمت معظم المقاطعات الألمانية الصغيرة إلى الحلف الفرنسي بالقوة.
وفي حرب "يينا واستروليتس عام 1806 سحق جيش نابليون الدول الألمانية المقاومة، وقام بخلق كونفدرالية بمنطقة الرين بألمانيا، وأدت هذه الهزيمة إلى بروز ألماني قوي في الحرب الدولية، بعد اندفاع قيادي صارم من قبل شانهوست ونازيناو ترأست بروسيا صراع الحرية ضد فرنسا.
وبدعم القوى المجاورة تم إخراج الفرنسيون من الأراضي الألمانية وضمنت الهزيمة النهائية لبونابارت عام 1815 ظهور قوى متزايدة في الوحدة الألمانية فقد استؤصلت الحدود التقليدية بين المقاطعات المتعددة، وتلا ذلك نوع من التعاون السياسي في الدولة, بعدها أُتْبِع بأسبوع حرب مع النمسا.
وقد أسست بروسيا الحلف الشمالي الألماني، وألحقت بها الأراضي والمقاطعات الصغيرة وجميع بقايا الحدود الألمانية شمال نهر الماين، وبذلك وافقت المناطق الشمالية أن تكون تحت السيطرة البروسية، إلا أن المنطقة الجنوبية طالبت استقلالها السياسي، لكنهم بعد ذلك انضموا إلى الحلف الكونفدرالي بعد الأحداث الهجومية.
جدير بالذكر أن "أوتوفون بسمارك" رئيس الوزراء الألماني كان المخطط الأساس للكونفدرالية، وهو إحدى الشخصيات صاحبة الدهاء والصلابة في التاريخ، وقد كرس حياته لقيام الوحدة الألمانية وتأسيس الإمبراطورية.
وفي داخل مدينة برلين تم إنشاء جامعة للمرة الأولى، وكانت تلك الجامعة هي المنطلق الأول لانتفاضة 1848 التي كانت بمثابة طلقة الرحمة على نظام الكونفدرالية هناك، ثم في سنة 1870أصبح عدد سكان برلين 800000نسمة؛ وأصبحت هذه المدينة سنة 1871 عاصمة ألمانيا الموحدة تحت اسم الرايش الثاني بقيادة بسمارك.
الولايات الكونفدرالية الأمريكية
الولايات الكونفدرالية الأمريكية هي دولة نشأت عن اتحاد إحدى عشرة ولاية في جنوب الولايات المتحدة الأمريكية بعد انفصالها عن الدولة المركزية، واستمرت الدولة من عام 1860 وحتى 1865 عندما قضت عليها الولايات المتحدة عسكريًا بقيادة أبراهام لينكون في الحرب الأهلية الأمريكية.
وكانت الكونفدرالية تتألف من ولايات ساوث كارولينا ونورث كارولينا وتكساس وجورجيا وألاباما وميسيسيبي وتينيسي وفيرجينيا ولويزيانا وفلوريدا وأركنسو، وكانت العبودية تمارس فيها جميعًا، كان رئيسها الوحيد جيفيرسون ديفيس، وعاصمتها مدينة ريتشموند في فيرجينيا.
وبدأ تنظيم حكومة للاتحاد الكونفدرالي في 4 فبراير عام 1861م، حينما اجتمعت وفود من الولايات الست التي كانت قد انسحبت في ذلك الوقت في مونتجمري وشكلت حكومة مؤقتة.
وانتخب جيفرسون ديفز من المسيسيبي رئيسًا للاتحاد الكونفدرالي، كما اختير ألكسندر ستيفنز من جورجيا نائبًا للرئيس، وذلك لمدة عام واحد.
وبعد تبني الدستور الدائم، جرى انتخابهم لمدة ستة أعوام، واختيرت مونتجمري لتكون العاصمة المؤقتة.
وبعد أن انسحبت فرجينيا أجرى مؤتمر الاتحاد الكونفدرالي تصويتًا لنقل عاصمته إلى ريتشموند وذلك في 21 من مايو عام 1861م، وتم النقل في 29 من مايو من العام نفسه.
جدير بالذكر أن دستور الاتحاد الكونفدرالي وضع في مارس عام 1861م على نمط دستور الولايات المتحدة الأمريكية ولكنه احتوى على اختلافات مهمة.
وكانت الولايات الكونفدرالية تأمل في انسحاب سلمي من الاتحاد، وقد حاول عدد من الأشخاص في كل من الكونفدرالية والاتحاد جاهدين تجنب حرب أهلية، ولكن جهودهم باءت بالفشل وبدأت الحرب في 12 من أبريل عام 1861م.
وكانت الحرب في صالح الولايات الكونفدرالية في الشهور الأولى، وقد أدت هزيمة قوات الاتحاد في فريدريكسبرج بفرجينيا إلى أن يعرض إمبراطور فرنسا نابليون الثالث خدماته بوصفه صانع سلام بين الاتحاد والكونفدرالية، ولكن الاتحاد رفض ذلك العرض.
وفي عام 1863م، انقلب التيار ضد الكونفدرالية، فقد كان بإمكان جيوش الاتحاد أن تحصل على مواد وإمدادات من الشمال الصناعي أكثر مما كانت تستطيع جيوش الكونفدرالية الحصول عليه من الجنوب الزراعي.
واستطاع الشمال أن يُزوّد جيشه بالذخيرة والطعام والملابس، بينما كان جيش الجنوب يعاني من نقص هذه الإمدادات. وحاصرت سفن الاتحاد الموانئ الجنوبية، وكانت الطريقة الوحيدة أمام الجنوب، لكي يحصل على إمداداته الضرورية الآتية عبر البحار، هي أن يخترق الحصار.
وحارب جنود الجنوب بشجاعة حتى زال أي أمل في النصر، وكان مجلس الكونفدرالية يجتمع كثيرًا أثناء الحرب لمتابعة أوامر الرئيس ديفز الذي استعمل بحرية جميع قدراته الحربية.
واستولت قوات الاتحاد على ريتشموند في 3 أبريل عام 1865م، وأصبحت دانفيل بولاية فرجينيا عاصمة لحكومة ديفز.
وقد استسلم الجزء الأساسي من جيش الكونفدرالية في 9 من أبريل عام 1865م، ودافع شعب الكونفدرالية عن أسلوب حياة بدا لهم أنه هو الصحيح، ولكنهم خضعوا للقوة الأكثر تفوُّقاً.
وكان طريق التوحد الروحي بين الشمال والجنوب طويلاً، ولكن، مع بداية القرن العشرين، نسي الجنوبيون سخطهم القديم على أهل الشمال.
كونفدرالية "السنغال جامبيا"
في الأول من براير 1982م أنشات السنغال وجامبيا اتحادًا كونفدراليًا بينهما أطلق عليه اسم "سنجامبيا"، وكان هذا الاتحاد يركز على التعاون السياسي والاقتصادي والوّحدة النقدية بين البلدين.
لكن هذا الاتحاد تعرض لأزمات حتى انفكت عُراه سنة 1989م.
وقد تم توقيع اتفاق بين الرئيس السنغالي عبدو ضيوف، والجامبي داودا جاوارا، علي تشكيل هذه الدولة الكونفدرالية التي تضم السنغال وجامبيا، (سنجامبيا)، وكان يتولى رئاستها عبدو ضيوف، ويتولى داودا جاوارا منصب نائب الرئيس.
وقد دخل هذا الاتحاد حيِّز التنفيذ، في شهر فبراير 1982. وهو اتحاد كرس هيمنة الشركات التجارية السنغالية والجامبية، المرتبطة بالتجارة مع فرنسا.
وجاء هذا الاتحاد نتيجة للأحداث التي شهدتها جامبيا. ففي يوليه 1981، وقع انقلاب عسكري في جامبيا، أثناء وجود الرئيس الجامبي داودا جاوارا خارج البلاد، فطلب داودا من الرئيس عبدو ضيوف التدخل عسكرياً، لإجهاض الانقلاب، بموجب الاتفاق الأمني، الموقع بين البلدين، في نوفمبر 1980.
وتدخلت وحدات من الجيش السنغالي، واستطاعت السيطرة على العاصمة الجامبية، وباقي المناطق، وانتقل داودا من داكار عاصمة السنغال إلى بانجول، وطالب ببقاء القوات السنغالية في جامبيا، حتى يتسنى له تدعيم نظامه.
وقد رحبت القوي الغربية والأمريكية بتدخل القوات السنغالية للقضاء على ذلك الانقلاب الماركسي اللينيني، كما صدر عن تلك القوى ما ينبئ عن خشيتها من حدوث تطورات لغير مصلحتها، إن تركت جامبيا لشأنها، لذلك، فقد أُعلن عن قيام اتحاد سنجامبيا.
كونفدرالية تاج أراغون
هي مملكة قديمة في شبه الجزيرة الايبيرية، وتشير الارقام إلى العصر الحديث للحكم الذاتي من اراغون في اسبانيا.. وضمت هذه الكونفدرالية التي حملت اسم مملكة تاج أراغون، مملكة آراغون جنبا إلى جنب مع سائر الأقاليم مثل مملكة فالنسيا وامارة كتالونيا، وكانت تشترك جميعا في نفس الملك.
وكانت بداية تلك الكونفدرالية عندما عمل حكام برشلونة بعد الفترة الإسلامية على توسيع برشلونة باحتلال المناطق المجاورة مثل جزر الباليار ومدينة فالنسيا وأسسوا ما عرف بمملكة تاج أراغون والتي سيطرت على أجزاء واسعة من البحر المتوسط خلال القرن الثالث عشر الميلادي ووصلوا لمدن في أقصاه كأثينا.
وكانت هذه المملكة في الأصل الإقطاعي مقاطعة فرنكيه حول مدينة جاكا، التي كانت متحدة مع مملكة بامبلونا (مملكة نافارا لاحقا) في عام 925، ثم تم استقطاع مملكة أراغون من مملكة نافارا في 1035، وارتقى بها إلى مرتبة المملكة راميرو الأول، كما أنها توسعت إلى الجنوب، وبحلول عام 1285 كانت كل المناطق الجنوبية من أراغون قد انتزعت من حكم العرب.
وكان القرن الخامس عشر للميلاد قد شهد حالة من التدهور الاقتصادي رافقه اضطراب داخلي قام فيه نبلاء قطلونية بدور مهم لنقمتهم على حكم السلالة ذات الأصل القشتالي.
ووجد خوان الثاني (1458-1459م) حلاً للمشكلتين بتزويج ابنه فرناندو بايزابيلا أخت هنري الرابع ملك قشتالة ووريثته, وحكمت هي وزوجها كلاً منكاستيا وأراغون معاً في نموذج كونفدرالي واضح بحيث تبقى لكل من المملكتين قوانينها الخاصة وعاداتها العرفية وتقاليدها, وكانت هذه الخطوة الأولى في إِقرار وحدة إِسبانية القومية وتم في عهدهما القضاء على دولة غرناطة سنة 1492م.
صربيا والجبل الأسود 2003-2006
كانت دولة مشكـَّلة من اتحاد بين جمهوريتي صربيا والجبل الأسود، ويقع الاتحاد بين الدولتين في جنوب شرق أوروبا، يحده من الشرق رومانيا وبلغاريا، ومن الجنوب مقدونيا وألبانيا والبحر الأدرياتيكي، ومن الغرب البوسنة والهرسك وكرواتيا، من الشمال هنغاريا.
وكانت تشكل هذه الدولة أهم مملكة في مملكة يوغوسلافيا بين 1918 - 1945 و لاحقاً كانت صربيا والجبل الأسود إحدى جمهوريات يوجوسلافيا بين 1945 – 2003، ثم تقرر تأسيس كونفدرالية بينمهما في عام 2003 وأُعيد تسمية الاتحاد "صربيا و الجبل الأسود".
وقد جاء الإعلان عن الدولة الجديدة مشتركة صربيا-الجبل الأسود من أجل أن تقوم بالتعويض عن الجمهورية الفدرالية اليوجسلافية المتفككة.
وكان منسق السياسة الخارجية السابق في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا قد اقترح إنشاء اتحاد كونفدرالي جديد بين كل من صربيا والجبل الاسود بدلاً من الاتحاد اليوجسلافي الذي رفضت قيادة جمهورية الجبل الاسود الانضواء تحته مطالبة بالاستقلال التام.
وفي 21 مايو 2006 جرى استفتاء في الجبل الأسود للانفصال عن صربيا، وقد أيّد الانفصال 55.5%.