ماذا بعد تخفيض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة الامريكية ؟

فقدت الولايات المتحدة تصنيفها الائتماني الرفيع (AAA) من قبل مؤسسة التصنيف الائتماني ستاندرد اند بورز يوم الجمعة في تعديل غير مسبوق لوضع اكبر اقتصاد في العالم.
وخفضت المؤسسة التصنيف الائتماني للولايات المتحدة على المدى الطويل درجة واحدة الى (AA+) بسبب مخاوف بشأن العجز في الميزانية الحكومية وارتفاع اعباء الديون. ومن المرجح ان تزيد هذه الخطوة تكاليف الاقتراض في نهاية الامر بالنسبة للحكومة الامريكية والشركات والمستهلكين.
وقالت ستاندرد اند بورز في بيان ان "هذا التخفيض يعكس رأينا في ان خطة التعزيز المالي التي وافق عليها الكونجرس والادارة في الاونة الاخيرة لا تصل في رأينا الى حد ما هو ضروري لتحقيق الاستقرار في اليات الدين الحكومية على المدى المتوسط."
ويأتي هذا القرار بعد معركة سياسية شرسة في الكونجرس بشأن خفض الانفاق وزيادة الضرائب لخفض اعباء الديون الحكومية والسماح بزيادة سقف الاقتراض القانوني للحكومة.
وقالت ستاندرد اند بورز في بيان ان مستقبل التصنيف الائتماني الجديد للولايات المتحدة "سلبي" في علامة على احتمال حدوث تخفيض اخر خلال ما بين الاثني عشر والثماني عشر شهرا المقبلة.
ومن جانبه قال محسن عادل ،المحلل المالي، أن تصنيف الولايات المتحدة كان يعد واحداً من نقاط قوتها الأساسية، إلا أن التخفيض الذي حدث اضر به مشيرا الي ان سندات الخزانة الامريكية التي كان ينظر اليها في الماضي على انها افضل امان في العالم دون نزاع وتصنف الان باقل من السندات التي تصدرها دول مثل بريطانيا او المانيا او فرنسا او كندا.
اوضح ان تخفيض تصنيف الولايات المتحدة، سيحمل معه انعكاسات عامة على الاقتصاد العالمي. فمن المتوقع أن تزيد معدلات الفائدة على ضوء التخفيض، وستتراجع قيمة الدولار. من ناحيتها، غيرت وكالة «ستاندرد آند بورز» لتوها النظرة المستقبلية إلى سلبية لخمس شركات تأمين كبرى، وهي متركزة جدا في الولايات المتحدة. وفي حال انخفض تصنيف الولايات المتحدة AAA، فإن التأثير الرئيسي سيكون على سمعة البلاد، وسينعكس بطبيعة الحال على مصداقية وملاءة الحكومة الأميركية وستضيق الهوامش بين أذونات الخزانة وبين سندات الشركات. فأوراق الخزينة انخفضت قيمتها، وتسببت في زيادة العائد،
كشف عن اعتقادة أن الطلب على السندات الأميركية قد ينخفض، وبالتالي قد يتحول المستثمرون نحو السندات الصادرة باليورو، وتخفيض قيمة الدولار مقابل اليورو. أما السلع فمن المتوقع أن تتباين اتجاهات أسعارها.
أعرب عن اعتقاده بأن الذعر الذي يجتاح الأسواق المالية في العالم خشية حدوث ركود للاقتصاد الأميركي وبسبب أزمة الديون الأوروبية «أمر مبالغ فيه» موضحا ان حمى بيع الأسهم في البورصات العالمية في الوقت الراهن بسبب هذا الذعر بأنه يشبه «سلوك القطيع» مؤكدا إن الانهيار المأساوي في أسواق الأسهم الذي وقع خلال الأيام الماضية ليس له ما يبرره، لا من منظور السلوك الذي يتسم بالحذر لدى الشركات ولا من منظور إشكالية الديون في أوروبا والولايات المتحدة.
اكد أن الأسواق العالمية لم تنتبه بشكل كاف إلى الإشارات الإيجابية المترتبة على الاتفاق في الولايات المتحدة برفع سقف الدين العام وإقرار زعماء مجموعة اليورو لحزمة مساعدات ثانية لليونان. وأعرب عن اعتقاده بأن نظرة الأسواق المالية ستعاود توازنها خلال الأسابيع المقبلة. وقال إنه ليس من المرجح حدوث ركود في الاقتصاد الأميركي، مؤكدا أن الأسعار المتدنية للفائدة والسياسة المالية والنقدية للحكومة تعد من دواعي استقرار الاقتصاد الأميركي هذا العام.
اشار إن الانهيار في البورصات العالمية هو من قبيل المبالغة، فـ«الأسهم تباع لمجرد أن أسهما أخرى بيعت». وأضاف أن بعض الشركات حققت نتائج ربع سنوية ممتازة، ورأى أن تقليل بعض الشركات من توقعاتها الخاصة بنتائجها المقبلة لا يعد سببا للذعر في الأسواق، فـ«مثل هذا الإجراء ليس جديدا وتفعله كل شركة جادة» مشيرا الي إن حمى بيع الأسهم الناجم عن مخاوف ركود محتمل يشبه «سلوك القطيع»، ورأى أن الأسواق المالية ستعاود الهدوء، «لكن ليس من يوم إلى آخر».
كشف عن ان الاسواق كان لديها بالفعل بضعة سيناريوهات بشأن التصنيفات الامريكية معتقدا ان التخفيض كان احدها مضيفا ان "تصنيف ايه ايه لا يختلف عن تصنيف ايه ايه ايه عندما يتعلق الامر بالخطر على الاصول التي يمتلكها مستثمرون وفقا للخطوط العريضة لاتفاقية بال 3 ومن ثم فلن يكون هناك تأثير مباشر كبير على المدى القريب. ولاتوجد بدائل «للتحول».
اكد انه نظرا لحدوث تخفيض للتصنيف الإئتماني للولايات المتحدة فإن الأسواق المالية فضلا عن سوق سندات الخزانة الأمريكية سيعاني منذ تذبذب في المدى القريب مؤكدا ان تخفيض التصنيف السيادي الأمريكي بشكل معتدل ساهم في إن الأوراق المالية الحكومية "السندات" من المنتظر أن تحتفظ بمكانتها كمؤشر هام لإستثمارات الدخل الثابت على المستوى العالمي ويدعم ذلك الأمر أن حجم سوق سندات الخزانة الأمريكية البالغ 9.3 تريليون دولار تقريبا يوازي خمسة أضعاف "تقريبا" حجم نظيره الفرنسي عند 1.9 تريليون دولار، والبريطاني عند 1.8 تريليون دولار، وكذلك الألماني عند 1.6 تريليون دولار.
اضاف ان هناك عامل آخر هام يدعم هيمنة سندات الخزانة الأمريكية هو السيولة الضخمة التي تتمتع بها، حيث يصل حجم التداول اليومي في سوق هذه السندات إلى 580 مليار دولار تقريبا، عشر مرات أعلى من نظيره البريطاني عند 34 مليار دولار، و28 مليار دولار للسندات الألمانية موضحا ان اكبر مخاوفه تتمثل في ان يؤدي تخفيض التصنيف الائتماني لامريكا إلى تقويض الموقف المالي للدولة في العالم وقدرتها على الاقتراض بفوائد رخيصة للغاية لتمويل العمليات الحكومية مشيرا الي أن المستثمرين في أنحاء العالم يسعون للحصول على الاستثمارات ذات التصنيفات العالية وقد يضطرون إلى بيعها إذا ما انخفضت. ومن ثم كانت سندات الخزانة الأميركية أكثر الاستثمارات أمنا.
لم يكن ذلك الجدال الأول بشأن شركات التصنيف التي تراجع وتحدد تقييمات السندات التي تصدرها الحكومات والشركات الخاصة. وقد أساءت شركات التصنيف للعديد من الاستثمارات القائمة على الرهن العقاري السام التي أدت إلى أزمة عام 2008 المالية. وهو ما دعا الولايات المتحدة إلى خفض اعتماد قطاعها المالي على التصنيفات.
اوضح إن الأزمة التي تواجه الولايات المتحدة تضع كثيرا من الدائنين لها أمام مشاكل كبيرة، حيث إن استثمارات الدول الدائنة مركزة في الأذونات والسندات الصادرة عن الخزانة الأميركية، ويأتي تخفيضها ليؤكد أن هذه السندات - وإن بقيت موثوقة حتى هذه اللحظة - ستهبط أسعارها في أسواق رأس المال الثانوية فالدائنون الراغبون في الحصول على السيولة أو تنويع استثماراتهم سيضطرون إلى بيع جزء من محفظتهم بالسندات الأميركية بأسعار أقل من الأسعار التي اشتروها بها، وهكذا يتكبدون خسائر رأسمالية في استثماراتهم بها.
وحول انعكاسات الأزمة الأميركية على اقتصادات العالم العربي، قال عادل إن انعكاسات هذه الهزة على اقتصادات العالم العربي ستكون واضحه ، خاصة وأن هذه الأزمة ليست بالحديثة، إذ إنها تفاقمت خلال السنوات العشر الماضية، وبالضبط منذ عام 2000 حينما كان سقف الدين الأميركي في حدود 5950 مليار دولار، في حين أصبح سقف هذا الدين الآن في حدود 14.3 تريليون دولار، أي انه تضاعف أكثر من مرة خلال عشر سنوات، وأسباب ذلك معروفة، منها الحروب في أفغانستان والعراق وارتفاع النفقات الأميركية داخليا وخارجيا.
اضاف انه من ناحية تراجع قيمة الدولار على الصعيد الدولي، فأن معظم عملات الدول العربية، خاصة الدول النفطية، مرتبطة بالدولار، فهذا يعني أن هذه الدول ستتعرض لخسائر وقد تزيد هذه الخسائر في حال تعرض الدولار الأميركي إلى انتكاسة بسبب أزمة الديون الأميركية.
اكد ان ما يحدث في الولايات المتحدة ينعكس دائما على اقتصادات العالم العربي، نظرا للعولمة التي باتت تربط الشرق بالغرب، اقتصاديا واجتماعيا، لذلك فإن الانعكاسات المرتقبة من أزمة الدين الأميركي ستكون واضحه .
وحول مصير الأموال العربية المستثمرة في سندات الخزانة الأميركية، قال عادل سنشهد تأخرا في السداد، وفي الواقع فإن الأكثر أهمية من ذلك أن الولايات المتحدة التي خفضت معدل الفائدة على الدولار إلى واحد في المائة، فإن هذه السندات لا تنتج ما يغطي التضخم، بالتالي هناك خسارة مهمة جدا للدول التي تملك هذه السندات التي يكون مردودها من 2 إلى 3 في المائة، وعندما ينخفض الدولار بنسبة كبيرة، فهذا يعني ان هناك خسارة كبيرة في قيمة الموجودات (السندات) التي قيمتها بالدولار.
أضاف: عندما تتراجع إرادات رؤوس الأموال العربية فإنه لا يبقى فائض كاف للاستثمار، وللأسف، فإن الدول العربية لا تهتم بالاستثمارات الداخلية، إنما فكرة توسيع مجوعة دول الخليج لتشمل كلا من الأردن والمغرب ستفتح المجال لإعادة رسم استراتيجية الاستثمار في هذه الدول لتتوجه نحو الدول العربية ذات الكثافة السكانية المرتفعة.
وحول الدروس المستفادة من الأزمة، يقول عادل : الدرس الذي يمكن أن يستفيد منه العالم العربي من خلال هذه الأزمة هو محاولة خلق تكامل اقتصادي عربي، وتخفيف الانعكاسات السلبية للعولمة من خلال التركيز على الاقتصادات الداخلية للدول العربية أكثر من الاستثمارات الخارجية. فدول الخليج - مثلا - مرتبطة بالعالم الخارجي أكثر بكثير من ارتباطها ببقية اقتصادات العالم العربي، ومن هنا تجب إعادة توجيه تلك الاستثمارات نحو بقية الدول العربية، مثل: مصر والسودان والمغرب، وبقية الدول الأخرى وذلك لتخفيف حدة انعكاسات الأزمات المستورة، وهنا أعني الأزمة الاقتصادية والمالية في كل من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.
اكد علي ان العرب الذين تقدر استثماراتهم الخاصة والعامة بالدولار بنحو 1.5 تريليون دولار يواجهون مشكلة حقيقية، ولذلك فإنهم مطالبون بتنويع استثماراتهم إلى الحدود التي تسمح لهم بذلك. وقد يكون من الصعب إعادة تنويع الاستثمارات السيادية في أوراق الدين الأميركية، ولكن تمكن إعادة النظر في أوجه الاستثمار للمداخيل الجديدة، حيث إن سعر النفط مرشح للبقاء مرتفعا مع احتمالية تراجع الدولار.