"ساهر".. الشبح المخيف (1 - 3)

بقلم: فتحي مجدي
تشكل حوادث السير كابوسًا مزعجًا لكثير من الدول، خاصة تلك التي تسجل معدلات حوادث مرتفعة تؤدي إلى سقوط أعداد كبير من الضحايا في حوادث يكون سببها غالبًا عدم الالتزام بالقواعد المرورية من جانب قائدي السيارات، وتجاهل التعليمات الخاصة بالقيادة الآمنة على الطرق، وهو ما يمكن معه اعتبارها مصدر خطر أكبر من الكوارث الطبيعية، فالأرقام الصادرة عن منظمة الصحة العالمية تحصي مقتل أكثر من مليون شخص سنويًا، وإصابة ثمانية وثلاثين مليون شخص، خمسة ملايين منهم إصاباتهم خطرة في حوادث السير حول العالم سنويًا، هذه الأرقام الضخمة تفوق أعداد القتلى والجرحى في الحروب والنزاعات المسلحة.
تأتي المنطقة العربية في الصدارة مع الدول الإفريقية، إذ تصل نسبة الوفيات في حوادث السير إلى ما يترواح بين 19 إلى 28 % بين كل 100 ألف من السكان، وفق إحصاءات منظمة الصحة العالمية، وتتصدر السعودية قائمة الدول في أعداد الوفيات في حوادث الطرق على المستويين العربي والعالمي، حيث تصل عدد الوفيات إلى 49 وفاة لكل 100 ألف، وخلال السنوات الخمس الأخيرة سجلت الإحصاءات الرسمية، 1.9 مليون حادث مروري بمختلف مناطق ومحافظات المملكة، خلّفت 30 ألف حالة وفاة، و177 ألف مصاب، بمعدل يصل إلى 17 شخصًا في اليوم الواحد، وفق الأرقام الصادرة عن الإدارة العامة للمرور بالسعودية.
الأرقام المذكورة دقت ناقوس الخطر، وأطلقت صرخة مدوية بضرورة التحرك لوقف "دماء الأسفلت"، عبر تطبيق قواعد صارمة للحد من وقوع تلك الكوارث اليومية، عملاً بمبدأ: الوقاية خير من العلاج، بهدف التقليل قدر الإمكان من حجم الخسائر اليومية في الأرواح، وكذا الخسائر المادية الناجمة عنها، والتي تكبد الدولة السعودية ميزانية ضخمة تُخصص لعلاج مصابي الحوادث المرورية، تساوي تكلفة إنشاء ثلاث مصفات نفطية، إذ أنه في المتوسط - ووفق تقديرات مصادر طبية - يتم إنفاق 120 ألف ريال على كل مصاب يدخل المستشفى حتى خروجه.
من هنا، جاء تحرك السعودية للبحث عن آلية تهدف إلى تقليص حجم الخسائر البشرية والمادية في حوادث السير، من خلال استحداث أداة ردع لمن يتجرأ على مخالفة قواعد المرور، فيما يتعلق بالسرعة وكسر إشارات المرور، وولدت فكرة تطبيق نظام "ساهر" الإلكتروني، وهو نظام آلي لإدارة وضبط حركة المرور باستخدام نظم إلكترونية تغطي المدن الرئيسية في المملكة، عن طريق شبكة من الكاميرات الرقمية المتصلة بمركز المعلومات الوطني التابع لوزارة الداخلية السعودية.
أبصرت الفكرة النور في 19 أبريل 2010، وهو تاريخ بدء تنفيذ نظام "ساهر" بالعاصة بالرياض، والتي وقع الاختيار عليها، باعتبارها صاحبة النصيب الأكبر من الحوادث (29.20% من الحوادث في العام الماضي)، تمهيدًا لتطبيقه في مراحل لاحقة بكافة المحافظات والمدن الرئيسية بالمملكة، وتم في مطلع أغسطس الماضي تنفيذ هذا النظام بجدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة، فيما من المقرر تطبيقه بالدمام بالمنطقة الشرقية خلال شهر نوفمبر المقبل.
لكن سرعان ما أثار النظام الإلكتروني جدلاً واسعًا في المملكة عند تطبيقه، وأطلق موجة اعتراضات من جانب الكثيرين حول آلية تنفيذه، لم تتوقف حتى الآن وبعد مضي نحو سبعة شهور على دخوله حيز التنفيذ، تحول خلالها إلى حديث الشارع السعودي والضيف الرئيس على المنتديات الخاصة والعامة، وقضية الساعة التي تشغل اهتمامات الصحف السعودية وكُتاب الزوايا فيها.
وكان ذلك على الرغم من النتائج الإيجابية التي أثمر عنها تطبيقه، بعد أن أدى إلى خفض معدلات الحوادث والوفيات الناجمة عنها بصورة كبيرة خلال شهر واحد فقط من تطبيقه، لتسجل عدد الحوادث تراجعًا من 14094 إلى 10385 حادثًا، وانخفاضًا في أعداد الوفيات جراء الحوادث المرورية من 37 حالة إلى 20 حالة، وتراجعت في أعداد الجرحى من 249 إصابة إلى 110 إصابات.
وتعالت الأصوات المعترضة على آلية نظام "ساهر"، والتي ترى أن الهدف منه هو جباية الأموال من قائدي السيارات، وليس تطبيق نظام مروري يستهدف في المقام الأول تطبيق بيئة مرورية آمنة، كما هو معلن من أهداف، ودار الجدل خصوصًا على آلية تسجيل المخالفات إلكترونيًا، من خلال كاميرات مراقبة تحملها سيارات متحركة تتمركز في نقاط عشوائية لرصد سرعة السيارات، تقوم بالتقاط أرقام لوحات السيارات المتجاوزة للسرعة، وكسر الإشارات، وكذلك من خلال كاميرات ثابتة غير معلوم أماكنها، ترصد السيارات المخالفة، والمطلوبة أمنيًا.
ولم تكن الاعتراضات تعبر عن وجهة نظر المتضررين فقط من تطبيق النظام، بل توافق معها أيضًا أعضاء بمجلس الشورى ومسئولون كبار بالمملكة عبروا عن تحفظاتهم تجاه الآلية المتبعة، ومن بينهم الأمير مقرن بن عبد العزيز، رئيس الاستخبارات العامة بالسعودية الذي أبدى خلال حضوره مؤتمرًا عن التعاملات الإلكترونية في أواخر سبتمبر، عدم رضاه عن الآلية التي يقوم عليها نظام "ساهر"، بسبب عدم تمكن قائدي السيارات من رؤية كاميرات المراقبة على الطرق، ولم يكتف بتسجيل اعتراضه بل أنه نقل موقفه للمسئولين بالمديرية العامة للمرور، ".. إذا كان القصد من هذا النظام زيادة حصيلة وزارة المالية منه فهذا أمر آخر، أما إن كان الهدف من النظام سلامة المواطن فيجب توضيح موقع الكاميرا أمام السائق على الطريق".