القرني للكاتبة العضيدان: ولو أنَّ خصمي فارسًا لاتَّقيتُه!!
مفكرة الاسلام: وصف الداعية السعودي الدكتور عائض القرني الكاتبة سلوى العضيدان - التي اتهمته بالاقتباس من كتابها "هكذا هزموا اليأس" في مؤلفه الشهير "لا تيأس" - بأنها كإحدى بناته، مؤكدًا أن أهل العلم والمعرفة والأدب استفاد بعضهم من بعض، وأن ما نُقل لا يعد نتاجًا فكريًّا حصريًّا.
جاء ذلك في رسالة وجهها الدكتور القرني إلى الكاتبة العضيدان ونشرتها صحيفة عكاظ، بعد أن قضت لجنة حقوق المؤلف بوزارة الإعلام السعودية بتغريم الداعية السعودي عائض القرني مبلغ 330 ألف ريال سعودي، في القضية التي تقدمت بها الكاتبة السعودية سلوى العضيدان اتهمته فيها بالاعتداء على حقوقها الفكرية.
وجاء في رسالة القرني: "والله، إن ما يكدِّر خاطرها وخاطر أي إنسان يكدِّر خاطري، والعلم والمعرفة رحم بين أهلهما، وبدأ التعاون بيني وبينها منذ أن صدر كتابها؛ فقد قدمته للجمهور بكلمة على غلاف كتابها مع صورتي".
وأوضح القرني أن أهل العلم والمعرفة والأدب استفاد بعضهم من بعض، مستدلاًّ بشيخ الإسلام ابن تيمية "الذي نقل عشرات الصفحات في كتبه لعلماء في مثل "درء تعارض العقل والنقل"، دون ذكر المرجع؛ فهل كان هذا عجزًا من ابن تيمية؟".
وتابع يقول: "ومن نحن إذا قورنَّا به وبأمثاله من الأفذاذ؟ ثم إني - والحمد لله - لستُ عاجزًا عن التأليف؛ فأنا أستطيع - بحمد الله - تأليف كتاب كامل دون الرجوع لمصدر، وقد أُعطيت في البحرين جائزة المؤلف العربي الأول، والذي يحفظ القرآن وآلاف الأحاديث وآلاف الأبيات وطالع آلاف الكتب هل يعجز عن التأليف من حفظه؟ ولكن ماذا أقول لمن يعلِّق ويقول عني: حتى كتاب (لا تحزن) ليس له إنما أخذه من كتاب (دع القلق وابدأ الحياة)، وحجمه خُمْس كتابي، ولم آخذ منه إلا صفحة واحدة".
وأضاف بأن مراجعه في "لا تحزن" أكثر من مائتي مرجع إسلامي، والمؤلَّف غربي، وأنا عربي {لسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}".
كما دعا إلى النظر في كتاب "سرقات المتنبي" في الأسواق، حتى قيل فيه: "إن غالب أشعاره مسروقة من شعراء كبار لم يذكرهم المتنبي، والسؤال: أين هؤلاء الشعراء العباقرة الكبار الذين لهم هذا الشعر المذهل، وسرق شعرهم المتنبي؟".
وأضاف: "قالوا: إن الحريري صاحب المقامات أخذ مقاماته من أديب بالكوفة؛ فكيف اختفى هذا الأديب الباقعة وبرز الحريري؟ وقال نفطويه: إن ابن دريد الأديب الشهير أخذ كتاب (الجمهرة) كله من كتاب (العين) للخليل بن أحمد، وفي ترجمة الفرزدق قال أحدهم: إن قصيدة (هذا الذي تعرف البطحاء وطأته) ليست له، وإنما انتحلها من غيره، {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تُملى عليه بكرةً وأصيلاً}".
وأضاف: "وقال أحدهم في مجلس: إن قصيدة (ثورة الشك) ليست للأمير عبدالله الفيصل، وإنما هي لشاعر مصري. قلنا له: يا سلام؟ وأين هذا الشاعر المصري الداهية الذي اختفى فجأة بعدما قال هذه القصيدة؛ فلا اسم ولا رسم؟".
وأوضح الدكتور القرني في رسالته أن "التأليف على ثلاثة أقسام: نقل بالتنصيص، واشتراك في معنى وبنات فكر؛ فأحيانًا إذا ألَّفتُ لا أكتب القصص المعروفة والقصائد المشهورة؛ لأنها موجودة وصارت إرثًا عالميًّا ونتاجًا إنسانيًّا مشتركًا، أتريد مني إذا ذكرت قصة نجاح انشتاين أوأديسن أو استيفن كوفي أو قصيدة قفا نبكي أو قصيدة ابتسم لإيلياء أبو ماضي أن أكتبها كلها بقلمي؟ بل أعلِّق وأستنتج وأضيف وأحذف شأن كل المؤلفين".
وقال القرني: "والله لقد كنت أدعو الله في السر والعلن لي ولابنتي الفاضلة سلوى العضيدان وأقول: اللهم الطف بي وبها بلطفك العظيم، واسترني وإياها بسترك العميم". مضيفًا: "والآن أقول لها: يا ابنتي، ما زال التعاون على البر والتقوى، وعفا الله عني إن اجتهدت فأخطأت، وسامحك الله على اجتهادك، فما بيننا من إيمان وإسلام وبر وصلة يوجب علينا التراحم والتعاون عملاً بقوله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِينًا}.
وقوله تعالى: {والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}، وقوله صلى الله عليه وسلم: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه. والمسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يحقره، ولا يسلمه)، والعفو والتسامح مني ومنكِ هو عقد شرعي بين المؤمنين، لم يُفسخ أبدًا إلى يوم الدين".
وأشار إلى أنه دخل في قضايا قصاص لأناس قُتل أبناؤهم عمدًا بالرصاص، فلما ذكرناهم بآيات العفو والصفح سالت دموعهم، وعفوا عن القاتل لوجه الله، فكيف بصحف منشَّرة وأفكار مسطَّرة تداولها البشر؟
وأعرب عن تطلعه مستقبلاً إلى تعاون أجمل وأفضل مع ابنته الكاتبة الفاضلة سلوى العضيدان؛ "فغدًا سوف يكون أجمل وأروع من اليوم على نهج التعاون على البر والتقوى، كما قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}، "ونحن على وعد الله المنتظر وبشراه المرتقبة {وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، وجراح الخلاف بين المؤمنين يداويها دمع الصفاء من عباد الله الصالحين، كما قال البحتري:
إذا اقتتلتْ يومًا ففاضتْ دماؤها تذكرت القربى ففاضتْ دموعُها
ولو كان من خالفني رجلاً لكان الخطاب أخذًا وعطاء ومناقشة ومناصفة، كما قال الأول:
ولو أنَّ خصمي فارسًا لاتَّقيتُه ولكنها أنثى تُعزُّ وتُكرمُ"
وقال: "قد أُمرنا بالرفق بالنساء واللطف مع بنات حواء عملاً بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (استوصوا بالنساء خيرًا)، وقال: (النساء شقائق الرجال)، وقال: (الله الله في النساء)، وقال: (رفقًا بالقوارير)، وهل يستطيع الإنسان أن يقول لابنته إلا أجمل العبارات وأرق الكلمات؟ وأذكر هنا قول أبي الطيب وهو يشاهد فتيات منكسرات بمصيبة عارضة يقول: أتتْهُن الـمُصيبةُ غافِلاتٍ فَدَمْعُ الـحُزْنِ في دَمْعِ الدَّلالِ".
وأكد الشيخ عائض القرني أنه لن يكون سببًا في إزعاج أي إنسان كائنًا من كان، مخاطبًا ابنته سلوى بقوله: "والآن أضعُ بين يديكِ تسعين كتابًا من مؤلفاتي، خذي منها ما شئتِ، واتركي ما شئتِ، وما أخذتِ أحبُّ إليَّ مما تركتِ؛ فالعلم صدقة جارية وهدية متقبلة، وشكرًا لمن وثق بنا فاستفاد من كتبنا أو أخذ من مؤلفاتنا.
وأنا وإياك يا ابنتي الغالية لم نخترع أفكارًا حصرية، ولم نكتشف في كتبنا اكتشافات علمية خاصة بنا كالنظرية النسبية لآنشتاين أو قانون الجاذبية لنيوتن، بل ما كتبناه وما قلناه سبقنا إليه من قبلنا كما قال عنترة: (هل غادر الشعراءُ من متردِّمِ؟) أي لم يترك لنا الشعراء السابقون معاني إلا وطرقوها، وقد أخذنا من غيرنا وأخذ غيرنا منا".
وأكد القرني عفوه عمن أساؤوا إليه: "أما الذين أساؤوا إليَّ بتعليقاتهم فأقول: سامحكم الله وعفا الله عنكم، وأما ردِّي وجوابي فهما أعمال قادمة وليسا كلامًا؛ فالعمل أبلغ من الكلام {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}، وقد تعودنا على الزوابع والعواصف والقواصف، ونخرج منها بلطف الله دائمًا سالمين غانمين مع قول الباري جل في علاه {فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ}، ووجدنا العاقبة الحسنة متحققة في قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل همٍّ فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا)، ويقول أبو الطيب المتنبي:
إذا اعتاد الفتى خوضَ المنايا فأهونْ ما يمر به الوحولُ
وأقول كما قال أبونا آدم وأمنا حواء: {رَبَّنَا إننا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا".