من يلبس القلنسوة السوداء بعد البابا شنودة
د / محمد مورو
مفكرة الإسلام : رغم أن البابا شنودة بطريرك الكرازة المرقسية رقم 117 يعاني من المرض، لدرجة أنه يتردد على المستشفيات في الداخل والخارج أكثر مما يقبع داخل الكنيسة، فإن الحديث عن خلافته يثير غضبه وامتعاضه ويعتبره نوعًا من الفأل السيئ، ويروج المقربون له أن هذا الحديث عن خلافته يثير غضب الرب أيضًا !!. وفي كل مرة يعود فيها البابا شنوده من مستشفى كليفلاند بالولايات المتحدة فإنه يراجع تصريحات الكهنة والقسس بهذا الصدد، ويعاقب كل من تجرأ على الحديث عن خلافته أو التلميح لمرضه، ولكن بالطبع فإن سلطات البابا على الكهنة لا تمتد إلى العلمانيين من المسيحيين أو الأوساط غير الكنسية وكذا بالنسبة للساحة السياسية والفكرية المصرية والعربية؛ لأن الشأن الكنسي الأرثوذكسي في مصر يهم كل المصريين – مسلمين ومسيحيين " أرثوذكس وغير أرثوذكس وكذلك هو شأن عربي أيضًا؛ لأن شخصية البابا واتجاهات الكنيسة المصرية تؤثر على الأوضاع السياسية المصرية والعربية داخليًا وخارجيًا، وليس بعيد عن الحقيقة القول: إن هناك محاولات أمريكية مستمرة لاختراق الكنيسة المصرية واللعب بورقة الأقليات وهو أمر يؤثر بالضرورة على القرار المصري – داخليًا وعربيًا وخارجيًا ومن ثم فهو ذو علاقة بالموضوع الفلسطيني مثلاً أو العراقي، أو قدرة النظام المصري على ممارسة نوع من المناورة تجاه أمريكا في مختلف القضايا.
أيًا كان الأمر فإن أوساط كنسية ومسيحية داخل الكنيسة وخارجها طالبت بتعيين نائب أو أكثر للبابا؛ لأنه لا يقبل ترك الأمور بالكنيسة إلى ضفة معينة تديرها وفقًا لمصالحها أو طموحاتها.
ومن ناحية ثانية فإنه لا يقبل أيضًا أن يدير الباب شنودة كنيسة من داخل غرفة في مستشفى كليفلاند بالولايات المتحدة الأمريكية.
ومن ناحية ثالثة فإن هذا الأمر – أي تعيين عدد من النواب أصبح ضروريًا نظرًا لاتساع شئون الكنيسة وإبراشيات الخارج وغيرها من القضايا المستجدة.
في ذات الوقت وتزامنًا مع تدهور صحة البابا شنودة، فإن هنالك مطالبات من داخل الكنيسة وخارجها أيضًا، بتغيير لائحة انتخاب البابا، وهي اللائحة التي كانت قد صدرت عام 1957 وتم على أساسها انتخاب كل من البابا كيرلس السادس " 1959 – 1971 " وانتخب بعده البابا شنودة الثالث منذ عام 1971 وحتى الآن، وتنص تلك اللائحة على أن يتم الترشيح لمنصب البطريرك من بين الكهنة وأساقفة الأمور العامة مثل أسقفية التعليم والبحث والخدمات والشباب... إلخ، في حين تمنع أساقفة الإبراشيات أي الذين يتولون إدارة معينة مثل إبراشيات المحافظات والمدن أو إبراشيات المهجر... إلخ وكان البابا شنودة شخصيًًا قد ترشح في انتخابات 1971 على أساس أنه يشغل منصب أسقف التعليم، وتنص لائحة 1971 أيضًا على أن يتم الاختيار من بين هؤلاء المرشحين، ويقوم بذلك عدد لا يصل إلى ألفين ناخب، وهم الكهنة والأساقفة والأراخنة " الأراخنة أي أعيان وأغنياء كل محافظة "، ويتم اختيار أعلى ثلاثة مرشحين أصواتًا، ثم توضع أسماؤهم في أوراق لكل منهم ورقة باسمه، وتوضع الثلاثة أوراق في صندوق داخل غرفة مظلمة، ثم يقوم طفل بدخول الغرفة والتقاط ورقة واحدة من الصندوق، فيكون الاسم الذي فيها هو المرشح للمنصب، فيتم إخطار جهة الإدارة به، حيث يصدر مرسومًا جمهوريًا بتعيينه بطريركًا، ومنذ صدور هذا المرسوم، لا يمكن عزله عن المنصب اللهم إلا في حالة الجنون فقط، وقد حدث مثلاً أن الأنبا صمويل كان هو أعلى المرشحين أصواتًا عام 1971 في حين كان الأنبا شنودة هو أقل المرشحين أصواتًا في تلك الانتخابات، ومع ذلك خرجت ورقته هو من الصندوق على يد الطفل الذي قام بذلك، فتم تجاهل صمويل الأعلى أصواتًا واختيار شنودة بطريركًا للكرازة المرقسية تحت اسم البابا شنودة الثالث " اسمه الأصلي نظير جيد ".
وقد تعرضت تلك النقطة بالتحديد إلى انتقادات من كثير من الدوائر المسيحية داخل الكنيسة وخارجها، على اعتبار أن ذلك يتعارض مع العدالة، ويتعارض مع الديمقراطيين ويأتي ببطريرك على غير رغبة أغلبية الناخبين، ويردد المتمسكون بهذا الإجراء على ذلك بأن هذا الأسلوب يحقق إرادة الرب أكثر من أي أسلوب أخر، فالرب هو الذي يختار من يترأس كنيسته!!.
وقد تقدمت عدد من الدوائر المسيحية بمشروعات لتعديل قانون الانتخابات ركزت على إلغاء تلك النقطة، وعلى تحديد أكثر صرامة لمن يحق لهم الترشيح، وعلى زيادة قاعدة الانتخاب والناخبين ووصلت إلى حد جعل من حق كل مواطن أرثوذكسي مصري بلغ 18 عامًا أن يقوم باختيار الباب " يبلغ عدد المسيحيين في مصر حوالي 6 % معظمهم من الأرثوذكس.
الدولي والمحلي في اختيار البابا
الانتخابات الكنسية المتوقعة بعد وفاة البابا شنودة – والأعمار بيد الله طبعًا – ليست شأنًا كنسيًا خالصًا، فهناك بالطبع مصالح للحكومة المصرية في اختيار مرشح معين ودعمه بالتالي، على أساس أن البابا المرتبط بالنظام المصري يساعد هذا النظام في الكثير من الأمور مثل الانتخابات العامة مثلاً فيدعو إلى انتخاب الحزب الحاكم – وقد حدث ذلك في حياة شنودة أكثر من مرة بطريقة مباشرة وغير مباشرة، وكذا الدعوة إلى انتخاب رئيس الجمهورية أو عدم مقاطعة الانتخابات... إلخ، وكلها أمور تهم النظام بالنظر إلى وجود حوالي 2 مليون مسيحي لهم حق الانتخاب العام.
وكذا فإن اطمئنان النظام لشخص البابا يريحه من إمكانية استخدام الأمريكان لورقة الأقليات مثلاً، وفي المقابل فإن هناك دوائر أمريكية تريد بابا منفتح وعولمي، ولا يراعي الثوابت الكنسية المصرية في استقلال الكنيسة، أو رفض إسرائيل " حسب عقيدة الأرثوذكسية المصرية، فإن إسرائيل مرفوضة تمامًًا وعمل من أعمال الشيطان، بل وكذلك النظرة إلى اليهود!! " ويمكن استخدامه كورقة ضغط على النظام وغيرها من الأمور، من ناحية ثالثة هناك وجهاء الأقباط وخاصة كبار الأغنياء يريدون شخصية باباوية قريبة منهم، لتحقيق أقصى استفادة رأسمالية وشخصية وسياسية منها، فهنالك بالطبع الطموح الاقتصادي بل والسياسي لهؤلاء الأغنياء الأقباط، وبعضهم أنشأ قنوات فضائية ومول صحفًا ويريد إنشاء حزب سياسي أو على الأقل استخدام النفوذ المسيحي والبطريركي في الحصول على مغانم سياسية.
في كل الأحوال، وحسب الشائع حتى الآن، والله تعالى أعلم، فإن الحكومة المصرية تدعم الأنبا موسى أسقف الشباب الذي يحظى بثقة الحكومة، ويقيم علاقات متوازنة مع المعارضة وجميع أنواع الطيف السياسي المصري، وكذلك فإن علاقاته مع شباب الكهنة والأساقفة جيدة، وهو يتمتع بشخصية بسيطة تجعله محبوبًا من الجميع، وكذا فإنه يدعو إلى تغير لائحة انتخاب البابا، ولا يميل إلى قيام الكنيسة بدور الحزب السياسي، كما كان الشأن في عهد البابا شنودة، أما الأنبا بيشوي والذي استطاع أن يحصل على ثقة البابا شنودة دائمًا، وأن يحصل على عدد كبير من المناصب داخل الكنيسة بل ويقوم باستغلال نفوذه في تصفية كل الكهنة والأساقفة الذين لا يرضى عنهم هو أو البابا شنودة، وهو يشغل الآن منصب سكرتير المجمع المقدس، فإنه يغازل النظام المصري، ويدعو إلى قبول توريث نجل الرئيس مبارك " جمال مبارك " وكذا يغازل الأمريكان، وهو مدعوم بقوة من أكبر الرأسماليين الأرثوذكس، وهو الملياردير " ساويرس " صاحب شركة أوراسكوم، أما الشخصية الثالثة المرشحة فهي الأنبا يؤانس الذي يعتمد على علاقاته القوية داخل المجمع المقدس، ويروج أتباعه أن العذراء ظهرت له وبشرته بأنه البابا القادم، وبديهي أن هناك مرشحين آخرين، وأن خريطة التحالفات والعلاقات مرشحة دائمًا للتغيير والتبديل حتى آخر لحظة.
بقي أن نقول: إن استخدامنا لكلمة القلنسوة السوداء بدلاً من العمامة السوداء، رغم أن جميع الكتاب يستخدم كلمة العمامة وذلك للتمييز بين القلنسوة الأرثوذكسية والعمامة الشيعية.