العدل لا المساواة

د/محمد أحمد عبدالله الزهيري
منذ نعومة أظفاري وأنا أسمع وأقرأ أن الثورة الفرنسية رفعت شعار (الحرية – المساواة – الإخاء)، وهي شعار الماسونية العالمية، وبقدر ما كان يبهرني الشعار خاصة وقد لقي من الهالة الإعلامية الشيء الكثير، لكن ذلك لم يمنعني خاصة وأنني لا أقبل الآراء المعلبة الجاهزة – من النظر والتأمل ولم يمنع من ظهور علامات الاستفهام حول صحة وصوابية وواقعية الشعار، وإمكانية تطبيقه في أرض الواقع، ولم تكن هذه النظرة وهذه التأملات والاستفهامات تدور حول القضايا التي شغلت دعاة المساواة مثل المساواة بين الرجل والمرأة والبيض والسود أو غيرها. إنما كانت تدور حول صحة وصوابية وواقعية (المساواة)، وهل هي الحل الناجح والمثالي لكل الاختلالات والانحرافات والمظالم والشرور التي تملأ العالم، وما موقف الشرع الإسلامي منها، وهل تتلاءم مع الفطرة والخلق الإلهي، وهل يمكن تطبيقها في أرض الواقع دون أن يحصل اختلالات وانحرافات ومظالم وشرور ومفاسد، ما هو حكم التأريخ عليها. وإذا كانت القوامة الأسرية للزوج على زوجته وبيته لا يجوز لأنها تنافي دعوة (المساواة) ويدور حولها جدل واسع، وأنه لابد أن تنال المرأة الحرية الكاملة والمساواة التامة في التنظيمات الاجتماعية وفي الدول ومؤسساتها، والأحزاب والمنظمات والنقابات والجمعيات وهياكلها، والقبائل ومشايخها، أليست هذه التفاوتات تتناقض مع شعار (المساواة) أليست المساواة تعني أن يكون الناس سواسية وأن لا يكون أحد مسئولاً أو رئيسًا أو وزيرًا أو مديرًا أو ملكًا أو أميرًا، وأن الآخر يكون موظفًا أو حارسًا أو عاملاً أو جنديًا، فضلاً عن التفاوت في الأجور والمرتبات والمكافآت بين الرئيس والمرءوس، إذًا إن الرئيس دائمًا ينال من المرتبات والمكافآت والحوافز أعلى من المرءوس، إذ لا مقارنة، بينما الجهد والعمل الأكبر يبذله الأدنى، فلو كانت المساواة ممكنة لكان أجر عامل النظافة والمجاري لما يبذله من جهد ويتحمله من إهانات ويواجه من قاذورات مثل مرتب الوزير وأكثر، ومرتب المختص في أي مؤسسة أعلى من مرتب وزيره وأكثر، أليست هذه بدهيات الشعار الوهمي (المساواة)؟ بعد أن كبرت وزالت الهالة الإعلامية حول شعارات الثورة الفرنسية (الحرية – المساواة – الإخاء) وبعد أن ظهر عور هذه الشعارات حتى عند المنادين بها، وظهرت الطبقية والعنصرية، إذ بعلامات الاستفهام تجد إجاباتها، من النقل والعقل، والشرع والواقع، والتأريخ والحاضر. النقل يرى أن الناس سواسية في الأصل والجنس، قال تعالى: " إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم ‘عند الله أتقاكم... "، والنبي – صلى الله عليه وسلم – قال: " كلكم لآدم وآدم من تراب... "، لكنه يرى أن المساواة في الحكم والثواب والعقاب والمكانة ظلم، لأن الناس يتفاضلون في العمل والنجاح والثمرة. قال تعالى: " ليسوا سواءً... "، وفطرة الله في خلق الناس جعلتهم متفاوتين في العقل والموهبة والميول والجسم، سواء أكان في داخل الجنس الواحد أم بين كل من الجنسين، مما تستدعيه استمرار الحياة البشرية في هذه الأرض، فالله فضل بعض الناس على بعض في المسئولية والرزق ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًا...، فلو كان الناس كلهم في مستوى اجتماعي ومعيشي واحد لفسدت الحياة، لأن الحياة بحاجة إلى عامل النظافة وعامل الأشغال الشاقة والعامل الفلاح، والموظف التاجر والمدير والوزير والأمير " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير..."، ولو كانت المرأة كالرجل في التكوين والخلق وفي العقل والعاطفة وفي الوظيفة بالحياة، لانتهت الحياة ولكن الخالق خلق فقدر، هذا التفاوت الفطري والاجتماعي ضرورة لاستمرار الحياة بل وصلاح الإنسان نفسه، لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول: " إن من أمتي من لا يصلحه إلا الغنى ولو افتقر لفسد، وإن من أمتي من لا يصلحه إلا الفقر ولو اغتنى لفسد... "، ولكن العدل الإلهي يكون في الحكم الذي يكون على أساس التقوى ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم...)، وبالثواب والعقاب الذي يثيب المحسن على إحسانه ويعاقب المسيء على إساءته، قال تعالى: " أفنجعل المسلمين كالمجرمين..." هذا الاستفهام الإنكاري الذي غرضه المجازي الإنكار والتقبيح، يوضح أن المساواة هي عين الظلم. العقل الصحيح يوافق النقل الصريح كما ذهب إلى ذلك عقلاء وجهابذة المسلمين أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في كتابه (درء تعارض النقل والعقل)، فالعقل يدرك أن المساواة مستحيلة بل مفسدة، وقد أدرك الشاعر الجاهلي اليمني الأفوه الأودي ذلك فقال: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم تبقى الأمور بأهل الرأي ما صلحت ولا سراة إذا جهالهم سادوا فإن تولت فبالأشرار تنقاد ونجد الناس يتفاوتون في مواهبهم وعقولهم وقدراتهم وميولهم وتخصصاتهم ولا ينكر ذلك أحد، بل إن الإنسان السوي يعرف إمكانياته وقدراته ومواهبه ويعترف بقدرات الآخرين ومواهبهم وتخصصاتهم، وقلما تجد من يتدخل في غير تخصصه، لأن من تكلم بغير فنه أتى بالغرائب، فضلاً عن ذلك فقد تجد أن من جهل الشيء عاداه. وقد حاول الشيوعيون المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات (الإنسان يأخذ ما يكفيه، والملكية عامة للمجتمع كله)، فكانت النتيجة كارثية تحول الاتحاد السوفيتي من أكبر دولة مصدرة للقمح إلى أكبر دولة مستوردة والبقرة الخاصة تنتج أكثر من البقرة العامة، لأن دواعي التميز والمنافسة والنجاح صارت غير ذات جدوى، والمحسن والمسيء والناجح والفاشل والمثمر وغيره سواء، فتبلدت العقول وخملت النفوس وأهملت الأشياء، وقد صار الاهتمام بالمواهب والعقول والكفاءات والقدرات والتخصصات من البدهيات في العصر الحديث، وقد أحسن الشاعر الحكيم أبو الحسن التهامي في قوله :ـ ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار. وشواهد التاريخ القديم والحديث القبلي أو الحضري الديكتاتوري أو الشوروي المسلم أو الكافر توضح بما لا يدع مجالاً للشك أنه لا بد من سيد ومسود، وغني وفقير ورجل وامرأة، وأن المساواة النمطية مستحيلة. اللهم إلا إذا نجحت الأبحاث الجينية التي تهدف إلى استنساخ البشر، وهذه التجارب الحديثة للدول أثبتت أن الدول التي اهتمت بالإنسان الفرد هي التي استطاعت النهوض والتقدم والرقي. كل هذه الشواهد والأمثلة تؤكد حقيقة لا جدال فيها وهي أن العدل لا المساواة هو أساس الحياة وأصل بقائها وسبب ديمومتها، لأن العدل الذي يعني الثواب والعقاب، الثواب الذي هو مكافأة المحسن والعقاب الذي هو معاقبة المسيء، كما قال الخليفة الأول أبو بكر الصديق وهو يبين منهجه في الحكم بعد مبايعته خليفة للمسلمين: (أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أساءت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي حتى آخذ الحق له...)، فهو ينفي المساواة في الخيرية في قوله: (لست بخيركم)، وفي القدرات (القوي ضعيف)، وفي الحكم: آخذ الحق من القوي الذي أخذه وأرجعه للضعيف الذي أخذ منه، وهذا هو العدل الذي قامت به السموات والأرض، أي إعطاء كل ذي حق حقه وإرجاع كل حق إلى صاحبه ومكافأة المحسن ومعاقبة المسيء. هذا العدل الذي به تنصر الدولة الكافرة العادلة على الدولة الظالمة المسلمة، هذا العدل الذي به النجاح والفلاح والفوز والنصر في الدنيا والآخرة. أمر الله به مع الأعداء والخصوم، فقال: " ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى... "، وأمر به مع الأقرباء فقال تعالى: " كونوا قوامين بالقسط شهداء بالحق ولو على أنفسكم...". هذا العدل هو الشعار الصحيح والميزان القويم الذي به صلاح الدنيا والدين، والله الموفق أسأله أن يعيد أمتنا ومثقفينا إلى الصواب والجادة، وأن يتعافوا من عقدة الانهزامية والانبهار التي جعلتهم يلهثون وراء ثقافة الآخر الغربي، وأن يتوبوا من حالة التوهان الطويل التي أدخلوا بها الأمة، وأن يفيقوا من حالة السبات العميق الذي يعيشونه، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير. د/ محمد أحمد عبدالله الزهيري، بعد أن أكبرت وزالت الهالة الإعلامية حول إشعارات الثورة الفرنسية (الحرية ـ المساواة ـ الإخاء)، وبعد أن ظهر عور هذه الشعارات حتى عند المنادين بها، وظهرت الطبقية والعنصرية، إذ بعلامات الاستفهام تجد إجاباتها، من النقل والعقل والشرع والواقع والتاريخ والحاضر. النقل يرى أن الناس سواسية في الأصل والجنس، قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا...)، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (كلكم لآدم وآدم من تراب...)، لكنه يرى أن المساواة في الحكم والثواب والعقاب والمكانة ظلم، لأن الناس يتفاضلون في العمل والنجاح والثمرة، قال تعالى: (ليسوا سواءً...) وفطرة الله في خلق الناس متفاوتين في العقل والموهبة والميول والجسم سواء أكان في داخل الجنس الواحد أم بين كلا الجنسين مما تستدعيه استمرار الحياة البشرية في هذه الأرض، والله فضل بعض الناس على بعض في المسئولية والرزق ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًا، فلو كان الناس كلهم في مستوى اجتماعي ومعيشي واحد لفسدت الحياة لأن الحياة بحاجة إلى عامل النظافة وعامل الأشغال الشاقة والعامل الفلاح والموظف والتاجر ورجل المرور والوزير والأمير، (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)، ولو كانت المرأة كالرجل في التكوين والخلق وفي العقل والعاطفة وفي الوظيفة بالحياة، لانتهت الحياة، ولكن الخالق خلق فقدر هذا التفاوت الفطري والاجتماعي ضرورة لاستمرار الحياة، بل وصلاح الإنسان نفسه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن في أمتي من لا يصلحه إلا الغنى ولو افتقر لفسد، وإن في أمتي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو اغتنى لفسد...)، ولكن العدل الإلهي يكون في الحكم الذي يكون على أساس التقوى، (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، وبالثواب والعقاب الذي يثيب المحسن على إحسانه ويعاقب المسيء على إساءته. قال تعالى: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين...) هذا الاستفهام الإنكاري الذي غرضه المجازي الإنكار والتقبيح، يوضح أن المساواة هي عين الظلم.