بعد اغتيال الجميّل.. لبنان إلى أين؟

الخبر:
نشرت وكالات الأنباء نبأ اغتيال وزير الصناعة اللبناني، بيير الجميل نجل الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل، وذلك في ظل تهديدات من حزب الله بإسقاط الحكومة اللبنانية بقيادة فؤاد السنيورة.
التعليق:
يشير الكثير من المراقبين إلى أن اغتيال وزير الصناعة اللبناني بيير الجميل، وهو أحد الوزراء المسيحيين في الحكومة اللبنانية، يعد نقطة فاصلة في مصير الحياة اللبنانية، وذلك بعد أن شهدت الساحة السياسية العديد من حالات الاغتيال، والتي كان أبرزها اغتيال رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني المسلم السني.
وفي ظل تصارع العديد من القوى السياسية والعرقية والطائفية في دولة لبنان، فإن أصابع الاتهام تشير إلى جميع الأطراف الداخلية، بما في ذلك قوى 14 آذار ذاتها والتي كان الوزير بيير الجميل أحد أعضائها وناشطيها، وذلك بعد أن وجهت اتهامات إلى قوى 14 آذار بأنها ارتكبت نوعًا من "الانتحار" الذاتي وأقدمت على اغتيال أحد ناشطيها لاتخاذه ذريعة لتهييج الأطراف الداخلية والخارجية على الرئيس اللبناني إميل لحود وتنشيط ملف التحقيق في اغتيال الحريري، وحصد المزيد من المكتسبات السياسية والحكومية.
كما أشارت أصابع الاتهام إلى حزب الله اللبناني، والذي كان قد توعد بإسقاط حكومة السنيورة، وقد اتخذ خطوات عملية على ذلك باستقالة وزراء حزب الله من الحكومة وتهديده بشن تظاهرات حاشدة في الشوارع اللبنانية للإطاحة بالحكومة، وأن عملية الاغتيال تلك جاءت من حزب الله لمحاولته ـ بدعم إيراني ـ الإطاحة بحكومة السنيورة، وذلك لتشكيل حكومة جديدة تكون غالبيتها من الشيعة، وقد تزامنت مطالب حزب الله بإسقاط الحكومة مع نشر تقرير إحصائي يؤكد أن أعداد المسلمين في لبنان أصبحت أكثر من أعداد المسيحيين، وهو ما قد يفسره الشيعة بأنهم هم الأغلبية ـ مرة ثانية مثلما حدث في العراق ـ لذا هم الأحق بتولي زمام الدولة.
ولم يكن الطرف السوري ومناصروه بعيدين عن الاتهامات بطبيعة الحال؛ حيث كان الجميل أحد أكبر منتقدي الوجود السوري في لبنان ضمن قوى 14 آذار، بل إن غالبية أصابع الاتهام كانت تشير إلى الطرف السوري وتورطه في سلسلة الاغتيالات التي طالت الساسة والمتنفذين على الساحة اللبنانية، وذلك بعد أن أشارت التحقيقات الدولية إلى تورط بعض الأطراف السورية في اغتيال الحريري، وما تلاه من انتحار مسئول كبير بالاستخبارات السورية كانت تشير أصابع الاتهام إلى تورطه في تلك العملية، هذا فضلاً عن مصلحة سوريا في زوال حكومة السنيورة ومحاولة إفشال التحقيق الدولي في اغتيال الحريري، والذي من المتوقع أن يدين الدولة السورية.
وبالطبع يظل الكيان الصهيوني متهمًا ومشتبهًا به، وذلك لمصلحته العليا في كل وقت وفي كل مكان بالوطن العربي بأن تسير الأمور إلى الفوضى وإلى الاقتتال الداخلي، وهو الهدف الأسمى له في لبنان، كما في فلسطين كما في العراق، كما في غيرها من أرجاء العالم العربي والإسلامي الكبير، وقد أشارت تقارير صحفية إلى وجود مراكز للاستخبارات الصهيونية داخل لبنان التي تعتبر مجتمعًا مفتوحًا مختلطًا من مختلف الطوائف والميول والاتجاهات والأديان، وبالطبع المستفيد الأول من أي فوضى بالمنطقة هو الكيان الصهيوني وبصورة مباشرة.
ولا تكمن المشكلة على الساحة اللبنانية بعد اغتيال الجميل في توجيه أصابع الاتهام إلى أي طرف من تلك الأطراف، ولكن المشكلة الحقيقة هي أن ذلك الاغتيال قد يكون شرارة البدء في اندلاع حرب أهلية مرة ثانية في لبنان، والتي ربما تبدأ هي الأخرى بمحاولات اغتيالات عكسية ردًا على اغتيال الوزير المسيحي وأحد أعضاء قوى 14 آذار، كما يمكن أن ينفجر الوضع المشحون بالاحتقان بالفعل بعد نزول جماهير حزب الله إلى الشوارع ـ بحسب تعبير نصر الله ـ ووجود تحركات مضادة من القوى السياسية في حالة الاحتقان تلك، وخاصة قوى 14 آذار التي تطالب الجماهير بأن تخرج بأعداد كبيرة لتشييع الجميل الخميس، وهو ما قد يوصف بأنه وصفة سحرية لاشتعال الأوضاع في لبنان.
إن الساحة اللبنانية عادت من جديد لتسيل لعاب القوى الخارجية بعد سنوات من الاستقرار النسبي، وبعد خروج "إسرائيل" من الجنوب اللبناني وبعد اتفاق الطائف والتوصل إلى صيغة شبه إجماع بين الأطراف على كيفية تداول وتقسيم السلطات والصلاحيات وحتى النفوذ من الدول الأجنبية سواء فرنسا أو الولايات المتحدة أو سوريا أو حتى إيران، ولكن يبدو أن الأخيرة لا ترضى بقسمتها من الكعكة اللبنانية، خاصة بعد تصاعد نفوذ حزب الله وشعبية أمينه حسن نصر الله، وبعد الحرب الأخيرة التي اعتبر الحزب أنه انتصر فيها، ودخلت إيران بنفوذها وأموال نفطها بقوة إلى الساحة اللبنانية، طمعًا أن تحظى بقسمة أكبر في ظل غياب الدور العربي من "الغابة السياسية" اللبنانية.