جول في مقعد أتاتورك.. هل يعود الإسلام إلى الحكم في تركيا؟

وليد نور
الخبر:
أدى وزير الخارجية عبد الله جول اليمين رئيسًا لتركيا، يوم الثلاثاء، على الرغم من اعتراضات الجيش الذي يخشى من خراب النظام العلماني في البلاد.
وجول، الذي يتمتع بدعم شعبي، هو أول سياسي له خلفية سياسية إسلامية يفوز بهذا المنصب المهم في تاريخ تركيا الحديث.
التعليق:
لم يكن طريق عبد الله جول إلى كرسي الرئاسة في تركيا العلمانية سهلاً على الإطلاق، فقد مر بعدة إخفاقات في البرلمان التركي دفعت إلى انتخابات تشريعية مبكرة، وبعد إخفاقين آخرين كان لا بد أن يقطف جول ثمرة تاريخ طويل من كفاح الإسلاميين في تركيا، فجول عندما وطئ بقدميه معقل "أتاتورك" لم يكن ذلك نتيجة لكفاحه وكفاح حزبه فحسب، بل كانت تلك الخطوة نتيجة طبيعية لكفاح من سبقوها وبشكل خاص أستاذه الأول "نجم الدين أربكان"، وإن كان أردوجان وجول قد خرجا على خط أربكان.
"خير النساء" .. وأم المعارك:
قيادة الجيش التركي التي تأبي إلا أن تقدم نفسها كحارسة للعلمانية والمدافعة عن مبدأ الفصل بين الدين والدنيا، لم يكن لتجعل وصول جول إلى مقعد أتاتورك ليمر سهلاً، كيف وتلك القيادة العسكرية أطاحت بأربع حكومات منذ عام 1960، ولم تتوقف عن عادتها في فصل كل من يشتم فيه أثر للدين في الجيش التركي.
منذ الأيام الأولى لترشيح جول لرئاسة تركيا والعراقيل توضع في طريقه؛ وذلك استمرارًا للعراقيل التي كانت تتعمد النخبة العلمانية وضعها في طريق حزب العدالة والتنمية، غير أن حزب العدالة والتنمية استطاع أن يفلت من تلك الألغام بمرونة سياسية جلبت عليه انتقادات كثير من الإسلاميين.
وأيًا كان الأمر، فها هو جول يجلس في مقعد أتاتورك ليفتتح حكومة جديدة اعتبرها الجميع تغيّرًا رئيسًا في تاريخ تركيا الحديث.
أفلت حزب العدالة والتنمية من كثير من الألغام العلمانية، ونجح في وضع مرشحه في منصب الرئاسة، ولكن هل يفلت جول من أم المعارك التي أعلنتها النخبة العلمانية على حجاب "خير النساء"، زوجة جول، والذين اعتبروا حجابها رمزًا دينيًا استفزازيًا يجب أن يحظر من قصر الرئاسة التركي، مثلما هو محظور في المصالح العامة التركية.
بالتأكيد فإن تعهّد جول بالحفاظ على العلمانية لن يكون كافيًا لإقناع النخبة العلمانية بأن هذا الحجاب لا يقض مضاجع النخبة العلمانية التركية، إلا أن حجاب "خير النساء" بالتأكيد ليس معركة جول لوحده، بل هو معركة إسلاميي تركيا كلهم، حتى وإن رفضوا نهج العدالة والتنمية السياسي.
ويبدو أن النخبة العلمانية في مأزق حقيقي، فبعد النجاح الشعبي الساحق لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات الماضية، أظهر استطلاع للرأي أن 72.6% من الشعب التركي يعتبرون أنه من المقبول أن تقف زوجة الرئيس مرتدية حجابًا، فيما رأى 19.8% أنهم لن يكونوا مرتاحين لذلك.
مما يؤكد مجددًا أن فوز جول انتصار للأغلبية الإسلامية في الشارع التركي على حساب النخبة العلمانية القليلة.
المستقبل لمن؟
منذ صعود حزب العدالة والتنمية في تركيا وهناك حالة من الجدل المثارة عن هذا الحزب الذي لا يستطيع أحد أن ينكر أنه خرج من رحم التجربة الإسلامية التركية، إلا إن قادة الحزب أنفسهم دأبوا على نفي صفة الإسلامية عنهم، هذا التضارب جعل الجميع يتساءل: ما الذي يجري في تركيا؟، هل هو أسلمة للعلمانية، أم علمنة للإسلام؟
وأيًا كانت الإجابة على هذا السؤال، والتي تختلف كثيرًا وفقًا لرؤية المراقب وأفكاره، إلا أن جول بالتأكيد سيسعى إلى انتهاج نهج حزبه في تجنب أية مواجهة مع قيادة الجيش التركي؛ لذلك لم يكن مستغربًا أن يصرّح جول في خطابه أمام البرلمان بعد أدائه اليمين الدستورية رئيسًا جديدًا لتركيا التزامه بمبادئ العلمانية ومبادئ أتاتورك، إلا إن جول أكد التزامه بالعلمانية القائمة على حرية الدين والمعتقد.
ويبدو أن الجملة الأخيرة هي سر مشروع حزب العدالة والتنمية, وهو محاولة استغلال ما في العلمانية من مساحات للحرية بما يتيح التحرك من أجل ترسيخ المفاهيم الإسلامية، وإيجاد عجلة تنموية قائمة على القيم الإسلامية دون الاقتراب من الملفات الشائكة، وبشكل خاص الملفات الخارجية؛ مما يجعل مشروع العدالة والتنمية أقل من طموحات كثير من الإسلاميين. يقول أحد المراقبين: يجب ألا تتوقع خطوات راديكالية حين يصبح جول رئيسًا. معارضوه الذين يخشون أن يفعل سيدهشون، وأيضًا مؤيدوه الذين يأملون في خطوات راديكالية سيخيب أملهم.
نموذج العدالة والتنمية؟
هل أصبح العدالة والتنمية نموذجًا منشودًا للإسلاميين؟، سؤال تردد كثيرًا، وللإجابة عليه نشير إلى أن حزب العدالة والتنمية، وإن رفض مؤسسوها وصفه بالإسلامي، إلا إنه حزب تنموي يعتمد على قيم إسلامية أصيلة، أهمها العدل، ويميز نموذج العدالة والتنمية عدم التسرع، وهو عيب أسقط كثيرًا من التجارب الإسلامية، من أقربها حزب السعادة الذي يقوده نجم الدين أربكان، والذي فقد كثيرًا من شعبيته في الانتخابات الأخيرة، ولعل سبب ذلك إصراره على أفكار لم يحن وقتها للشعب التركي مثل الفكرة القومية الإسلامية، والأمم المتحدة الإسلامية، وحلف الناتو الإسلامي.
إن العدالة والتنمية نموذج لحزب تنموي يهتم بنهضة البلاد، قد يقبله البعض ويرفضه آخرون، ولكنه نموذج نجح في إضافة شيء من النور على الساحة التركية العلمانية المظلمة.