الجزائر....كيف تخرج من النفق المظلم؟

الخبر:
مفكرة الإسلام : حكمت محكمتان جنائيتان جزائريتان في عنابة شرق الجزائر وبسكرة جنوبها, الاثنين, على 27 إسلاميًا بالإعدام, بينهم 25 غيابيًا, وذلك بعد إدانتهم بتهم تتعلق بـ"الإرهاب".
التعليق:
كتبه / علي صلاح
عادت الأوضاع الأمنية في الجزائر للاشتعال من جديد بعد فترة من الهدوء النسبي خصوصًا بعد ميثاق المصالحة الذي تم إقراره مؤخرًا في البلاد للخروج من النفق المظلم الذي دخلته منذ أكثر من 15 عامًا بعد الانقلاب العسكري الذي قام به مجموعة من الضباط الاستئصاليين ذوي العلاقات المشبوهة مع فرنسا والذين ساءهم اختيار الشعب بإرادته الحرة لمجموعة من الإسلاميين لقيادته بعد أن ذاق الفقر والظلم عشرات السنين على أيدي الحكومات العلمانية الفاشية... ولم يكن اختيار الشعب وقتئذ بناءً على العاطفة وإنما عن تجربة؛ حيث شاهد كيف أدار الإسلاميون المحليات (البلديات) بنزاهة قبيل إجراء الانتخابات التشريعية .
استمرار الفوضى
لقد استمرت الفوضى في الجزائر سنوات طويلة بعد إلغاء انتخابات عام 1992 لعدة أسباب منها:
1 ـ إصرار السلطات على استبعاد الجبهة الإسلامية للإنقاذ – التي أوشكت على الفوز في انتخابات 1992 – من أي مشروع لإنهاء الفوضى في البلاد والاستعاضة عن ذلك بإشراك تيارات إسلامية أخرى ليس لها شعبية كبيرة .
2 ـ سيطرة العسكريين على القرار السياسي وميولهم العلمانية المتطرفة.
3 ـ الضغوط الغربية المتزايدة - خصوصًا من قبل المحتل الفرنسي السابق- لتوجيه الحلول المقترحة لخدمة أهدافهم.
4 ـ التركيز على الحل الأمني لمواجهة التيارات المسلحة رغم أن القضية في جوهرها سياسية .
لقد حاولت السلطات الجزائرية في عهد بوتفليقة اتخاذ خطوة مغايرة بطرح مشروع ميثاق للمصالحة الوطنية, إلا أن المشروع لم يستوعب جميع التيارات المسلحة عندما أصرّ على استبعاد هذه التيارات من المشاركة في أي عمل سياسي في المستقبل مع الإصرار على حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ... ومن غرائب الأمور أن الجبهة عوقبت على فوزها في الانتخابات بالحل ولم يعاقب الذين انقلبوا على المسار الديمقراطي بالقوة العسكرية بل تولى بعضهم مناصب رفيعة داخل وخارج البلاد! هذه المعضلة وغيرها أفقدت النظام في الجزائر المصداقية, وكان انضمام الجماعة السلفية للدعوة والقتال لتنظيم القاعدة مؤخرًا تأكيدًا على فشل النظام في إخراج البلاد من عثرتها وبداية لسلسلة جديدة من عمليات العنف والتي كان من آخرها التفجيرين الأخيرين اللذين وقعا في 11 ديسمبر وسقط فيهما 67 قتيلاً منهم 17 من موظفي الأمم المتحدة, لقد استهدف أحد هذين الهجومين منطقة ذات حساسية أمنية ويوجد بها عدد من السفارات ومكاتب للأمم المتحدة وهو ما يؤكد فشل الحل الأمني للخروج من الأزمة ..الحالة الجزائرية أصدق مثال على فشل الحلول الأمنية والاستقصائية في مواجهة العنف الذي ينطلق من عقيدة دينية... لو فكرت السلطات الجزائرية مبكرًا في الحلول الفكرية والسياسية لما وصل الوضع لما هو عليه الآن ولما استطاعت القاعدة أن تتغلغل داخل الجماعات المسلحة.
وهنا نلفت الانتباه لأهمية المراجعات التي قامت بها جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية في مصر وأثرهما على تحجيم العنف في البلاد وفشل القاعدة في التغلغل داخل التيارات الإسلامية خلافًا لما حدث في الجزائر.
الطريق الصحيح
على السلطات الجزائرية أن تفتح الأبواب للقيادات الإسلامية المعتدلة والتي لها شعبية كبيرة مثل الشيخ عباس مدني وعلي بلحاج والسماح للجبهة بالعودة للحياة السياسية هي وغيرها من الجماعات الفاعلة وعدم الاعتماد على الحل الأمني كحل وحيد في مواجهة العنف, كما لا يمكن الاعتماد على بعض التيارات الإسلامية التي ليس لها شعبية كبيرة لتحسين وجه النظام فهذه حيل مكشوفة تؤدي إلى نتائج عكسية..إن أول خطوة اتخذتها الحكومة بعد انفجاري 11 ديسمبر كان الإعلان عن حركة تطهير في الشرطة، وصرح علي التونسي مدير عام الأمن الوطني قائلاً: "انتظروا إجراءات جديدة ولكن أيضًا حركة واسعة في صفوف قوات الأمن الوطني في الأسابيع المقبلة". كما قامت السلطات بإصدار عدد من أحكام الإعدام على بعض الإسلاميين المتهمين في قضايا عنف.
إن الأصوات العلمانية المتطرفة التي أورثت الجزائر العنف والفوضى مازالت لها الكلمة العليا وهي التي لا زالت تتبنى الحل الأمني والعسكري للأزمة..إنها نفس الأصوات التي هاجمت مراجعات جماعات العنف في مصر وهي أصوات لها غايات خبيثة تخاصم ثقافة وتراث وعقيدة هذه الأمة، وعلى العقلاء من أهل الحكم أن يستيقظوا قبل فوات الأوان.