حكومة العراق أم إيران؟

الخبر: اهتمت وسائل الإعلام المختلفة بالزيارة التي قام بها رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته نورى المالكى إلى طهران، ووصفت لقائه مع الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بالنادر، مشيرة أن إيران أيدت ولأول مرة بشكل علني تولي المالكي فترة حكم ثانية، وهو ما ظهر بوضوح خلال اللقاء.
تعليق
بقلم: فتحي مجدي
لم تكن زيارة رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته، نوري المالكي إلى إيران، مجرد محطة عابرة ضمن جولته الإقليمية التي يسعى خلالها إلى تأمين الدعم لتشكيل حكومة جديدة مدتها أربع سنوات، بعد مأزق سياسي استمر 7 أشهر، بل كانت بمثابة بوابة العبور الرئيسة لضمان المرور دون عوائق في طريقه نحو "المنطقة الخضراء"، حتى وإن كان ذلك ضربًا بعرض الحائط لإرادة العراقيين وتحديًا لرغبات الكثيرين منهم في إزاحته من صدارة المشهد السياسي الراهن بالعراق وإسقاط مشروعه الطائفي.
فقد منح الدور الإيراني المتعاظم بالعراق منذ الغزو الأمريكي في مارس 2003، لحكام طهران قوة تأثير متزايدة على الساحة العراقية، وخبرة أكثر من غيرها بمسالك ودروب العملية السياسية الوعرة في هذا البلد المضطرب، وقدرة أكبر على رسم ملامح المشهد بكافة تفاصيله وأحداثه، من دون أن تظهر في الصورة مباشرة، وقامت من وراء الكواليس بتلقين "ممثليها" أدوارهم، كل وفق دوره المنوط به والمراد له، دون إتاحة الفرصة لأحد للخروج على النص إلا نادرًا.
لم يبالغ المالكي في توصيفه للعلاقة بين العراق وإيران حين تحدث إلى الصحفيين خلال زيارته إلى طهران واصفًا العلاقات بينهما، باعتبارها "علاقات إستراتيجية وتأتي في مقدمة علاقات العراق مع الدول الأخرى" وكأنه بذلك يريد توجيه رسالة إلى الأطراف والقوى الإقليمية بلغة واضحة لا لبس فيها أو غموض، تؤكد أن العراق ما هو إلا "حديقة خلفية" لإيران، وأن إيران هي "الحاكم الفعلي للعراق"، عبر حلفائها الذين يدينون لها بالولاء، ولا يتحرجون من تبعيتهم لنظام ولاية الفقيه.
يتضح هذا جليًا في محاولات "رجالات إيران" منذ قدموا إلى العراق على دبابات الاحتلال الأمريكي، قبل سبع سنوات، فهم لا يألون جهدًا من أجل إبعاده عن محيطه العربي بشتى الطرق، وإحداث القطيعة التامة بين العرب وما كان يعرف بـ "حامي البوابة الشرقية للأمة العربية"، والذي شكل على مدار سنوات طويلة حصنًا منيعًا أمام الأطماع الخارجية الرامية لاختراق الجسد العربي، ومحاولة تفكيكه وإضعافه، وهو الذي خاض من قبل حربًا استمرت لمدة ثماني سنوات، لمنع محاولات تصدير "ثورة الملالي" إلى دول المنطقة، وإحياء أطماع إيران الشيعية في دول الجوار.
فقد كانت إيران بالفعل هي المستفيد الأكبر من إسقاط نظام حكم صدام حسين بالعراق، الذي ظل لسنوات طويلة بمثابة شوكة كبيرة في حلقها، تحول دون تمرير مشروعها بالمنطقة، ومع الإطاحة به عادت لإحياء هذا المشروع القديم، عبر مواليها الذين عاشوا في كنفها بالمنفى، والذين لم يفوتوا الفرصة وعادوا سريعًا إلى العراق بعد أن وجدوا الباب مفتوحًا على مصراعيه، وانخرطوا في المشروع السياسي للاحتلال، مستغلين حالة الفراغ السياسي التي نشأت في أعقاب الإطاحة بنظام صدام في الترويج لأنفسهم باعتبارهم "الورثة الشرعيون" للحكم بالعراق.
ساعدهم عزوف غالبية السياسيين السُنة عن المشاركة في العملية السياسية، في ظل رفض قطاع كبير منهم الاعتراف بها تحت الاحتلال، واستفاد الشيعة من ذلك كثيرًا، إذ سرعان ما هيمنوا على الحكم بالعراق، بعدما أثبتوا إخلاصهم للاحتلال، رافضين إبداء مقاومة حتى ولو كانت سياسية ضده، كان المالكي أحد هؤلاء السياسيين الشيعة الذين بزغ نجمهم سريعًا على الساحة السياسية بالعراق، وأصبح خلال ثلاث سنوات من ذلك، "الرجل الأول" في هرمية السلطة.
كانت بداية صعوده مع اختياره لعضوية مجلس الحكم، وتعيينه في منصب نائب رئيس "هيئة اجتثاث البعث"، التي شكلها الحاكم الأمريكي بول بريمر (2003-2004)، ورأسها السياسي الشيعي أحمد الجبلي، ثم شغل العديد من المناصب، منها رئاسة اللجنة الأمنية في الجمعية الوطنية العراقية (البرلمان الانتقالي)، والمتحدث الاعلامي باسم الائتلاف العراقي الموحد، وهو من الذين دافعوا بشدة عن سن ما يسمى بـ "قانون مكافحة الارهاب"، في البرلمان العراقي، وكان أحد لجنة صياغة الدستور العراقي، وقد اكتسب الرجل الثاني في حزب "الدعوة الإسلامية" شهرة إعلامية بسبب الظهور في وسائل الإعلام ليدين بقوة الهجمات التي تستهدف الشيعة.
وجاء صعود إلى رئاسة الحكومة في 20 مايو 2006، كرئيس لأول حكومة دائمة، وعلى الرغم من تأكيده آنذاك، أنه لن يقبل أن تدار الوزارات على أسس طائفية أو اثنية، إلا أن الصورة كانت مناقضة تمامًا لوعوده وتعهداته، ففي عهده تكرست الطائفية داخل مؤسسات الحكم بشكل أكبر من ذي قبل، وهيمن رجال إيران على الوزارات والمؤسسات العراقية، وصبغت الطائفية القرارات الحكومية، وأصبح العراق سوقًا للبضائع والسلع الإيرانية "الرديئة"، باعتراف موفق الربيعي المستشار السابق للأمن الوطني العراقي، والقيادي في "الائتلاف الوطني".
وأصبحت لإيران اليد الطولى في العراق، ساعدها على ذلك ارتباطها معه بحدود مشتركة تتجاوز 1300 كلم، واستغلت حالة الفوضى الأمنية التي شهدها العراق للعمل بأريحية ودون اعتراض، وقامت بزرع أتباع لها دائمين من خلال إنشاء مشاريع تجارية أو مؤسسات إعلامية تتم إدارتها من قبل عراقيين لهم ولاء لإيران، وافتتحت الكثير من المؤسسات الدينية، بالإضافة إلى مكاتب لمراجع دين إيرانيين يقومون بتوزيع رواتب شهرية على بعض طلبة الحوزة الدينية.
لكن الخدمة الأكبر، التي من المؤكد أن إيران لن تنساها للمالكي أبدًا، فتتمثل في إقراره التخلص من صدام حسين، العدود اللدود لإيران، بعد أن وقع على قرار إعدامه شنقًا في 30 ديسمبر 2006، فجر يوم عيد الأضحى، على الرغم من الانتقادات الواسعة، واختياره يوم احتفال المسلمين بعيدهم الأكبر لتنفيذ الحكم، زاعمًا أن تنفيذه جاء بعد محاكمة نزيهة وعادلة لم يكن يستحقها، على الرغم من الاعترافات الصحفية التي أدلى بها قضاة بالمحكمة الجنائية العليا وكشفت عن ضغوط سياسية عليهم، الأمر الذي دفع بالقاضي رزكار محمد أمين إلى الاستقالة من المحكمة.
عمل المالكي على توطيد العلاقات مع إيران التي تظاهرت بدورها في بادئ الأمر باعتراضها على تشكيلته الحكومية، بينما شن هو حملة هجوم عليها خلال الحملة ضد ميليشيا "جيش المهدي" في البصرة وفي مدن أخرى من دون ذكرها بالاسم، واتهمها بالوقوف خلف زعيم التيار الصدري مُـقتدى الصدر وباحتضانه، لكنها كانت "سحابة صيف" سرعان ما انقشعت، بعد زيارة قام بها وفد قريب منه إلى طهران في مايو 2008 وقد سعى لكسب ودها بشكل أكبر ورضخ لمطالبها. 
وكان حريصًا على إظهار ولائه التام لإيران، والتأكيد على وفائه لها، والتأكيد على أنه لا يزال يدور في نسقها الفكري، وإن لم يعلن عن ذلك صراحة، لكن ظهوره على سبيل المثال في أحد لقاءاته مع الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد من دون أن يرتدي رابطة عنق في مراعاة لنمط الملابس المتصل بالثورة الإيرانية، التي تحظر على المسئولين ارتدائها، يكشف عن مغزى خطوة كهذه، ويعطي دلالة على أن تبعيته لإيران تصل إلى حد التقيد بالزي الذي يتماشى معها.
وهو الآن يجني ثمار مواقفه المقربة من إيران ودفاعه عنها، في مواجهة الانتقادات لدورها المتنامي بالعراق، بعدما أبدت دعمها له ووقفت إلى جانبه في الأزمة القائمة حول تشكيلة الحكومة العراقية، منذ إجراء الانتخابات في مارس الماضي، والتي أسفرت عن نتائج غير حاسمة، حل فيها ائتلافه "دولة القانون" ثانيًا خلف قائمة "العراقية" بزعامة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، فقد مارست طهران ضغوطًا شديدة على غريمه مقتدى الصدر، وحتى يتراجع عن رفضه للتمديد له، وإجياره تحت التهديد على دخول "التيار الصدري" في تحالف معه لتشكيل الحكومة الجديدة.
وهي الضغوط التي لم ينكرها الصدر المقيم في مدينة "قم" الإيرانية" منذ 2007 من أجل التراجع عن موقفه تجاه غريمه، والذي سبق أن وصفه بـ "الكذاب"، كما جاء في بيانه الذي أعلن فيه القبول بإعادة ترشيح المالكي لولاية ثانية، قائلاً إن "الضغوطات السياسية أمر لا بد منه في العمل السياسي، فكل يجر النار إلى قرصه"، مضيفًا "اعلموا أن السياسة هي أخذ وعطاء".
كانت الضغوط من العنف إلى الحد الذي جعلت الصدر يتزحزح عن موقفه المتشدد تجاه المالكي وبعد أن ظل على مدار الشهور الماضية يعبر عن رفضه القاطع لترشيحه، وإبداء ميله الواضح ناحية علاوي، خاصة بعد لقائهما بدمشق، فقد أجبرته إيران على عدم السفر إلى أربيل بشمالي العراق، وحيث كان مقررًا أن يلتقيه مجددًا، لبحث بلورة تحالف لتشكيل الحكومة، وأبلغته رسالة شديدة اللهجة أنه لا خيار أمامه سوى المالكي، وهو ما كشفه قيادي في "الائتلاف الوطني" الذي يتزعمه عمار الحكيم، حيث قال إن فحوى الرسالة الإيرانية الموجهة إلى حلفاء إيران بالمجلس الأعلى الإسلامي والتيار الصدري كانت: "ستقبلون بالمالكي حتى وإن ضربكم على رؤوسكم"!!.
وانتهى الأمر بموافقة الصدر على ترشيح المالكي لحكومة موالية لطهران في بغداد، بعد مفاوضات مكثفة كشفت النقاب عنها صحيفة "الجارديان" البريطانية وشاركت فيها سوريا و"حزب الله" اللبناني وبعض من أبرز القيادات الدينية الشيعية فيها، لتتوج في النهاية المساعي الإيرانية الحثيثة التي بدأت من وراء الكواليس منذ مطلع سبتمبر الماضي، غداة انسحاب قوات الاحتلال الأمريكية من العراق في نهاية أغسطس، وبعدما رأى الإيرانيون في هذا الانسحاب فرصتهم لملء الفراغ الناجم عنه، وخلال أيام من ذلك الانسحاب طُلب من مقتدى الصدر، إعادة النظر في موقفه من المالكي خصمه اللدود.
التفاصيل كشفت عن الدور الذي مارسه الزعيم الروحي للتيار الصدري المرجع الشيعي كاظم الحائري، والذي يعتبر الأب الروحي لمقتدى الصدر على مدى 15 عامًا للتراجع عن موقفه من المالكي، وخلال أيام من التحرك الإيراني، سارع المالكي إلى إيفاد أحد كبار مساعديه إلى قم مع أحد زعماء حزب "الدعوة" وهو عبد الحليم الزهيري، وقد التحق محمد كوثراني، عضو المكتب السياسي لـ "حزب الله" اللبناني، والجنرال قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" التابع لقوات "الحرس الثوري" الإيراني بالوفد العراقي.
وجاءت زيارة المالكي الأخيرة إلى إيران لتعلن رسميًا عن ولادة هذا التحالف بعد مخاض عسير، جاء وليد الإكراه، فبعدما اجتمع مع القادة الإيرانيين وعلى رأسهم مرشد الجمهورية الإيرانية علي خامنئي، وإعلان طهران دعمها له باعتباره "أحد الخيارات المناسبة بالنسبة للعراق"، توجه إلى قم حيث التقى الصدر وهو اللقاء الأول من نوعه منذ توترت العلاقات بينهما، أعلن خلاله زعيم "التيار الصدري" تأييده لترشيح زعيم ائتلاف "دولة القانون"، فيما يشكل دفعة قوية على طريق تشكيل الحكومة.
لكن المالكي وإن كان قد اجتاز ما يعتبرها البعض عقبة مهمة في مسعاه الرامي للبقاء بمنصبه، إلا أنه لم يحسم الصراع تمامًا لصالحه، ولا يبدو أنه سينجح في ذلك على المدى القريب، مع تمسك "المجلس الأعلى الإسلامي"، أحد مكونات "التحالف الوطني" برفضه ترشيحه، وبات الأخير أقرب للتحالف مع علاوي، والدخول في تحالف معه يضم إلى جانبهما حزب "الفضيلة"، ولا يتوقع والحال هكذا أن تنتهي سريعًا أزمة تشكيل الحكومة، ليفاقم هذا الأمر مخاوف حدوث فراغ سياسي بالعراق.