التاريخ السري للجمهورية السادسة .. كتاب في تاريخ فرنسا

صدر مؤخرا في فرنسا كتاب بعنوان التاريخ السري للجمهورية السادسة من إعداد جون غيسنال، كبير المحققين بمجلة لوبوان وأستاذ متعاون بالمدرسة العسكرية الخاصة سان سير، وريمي كوفر، الكاتب الصحفي والأستاذ بمعهد الدراسات السياسية في باريس، وفرانسيس زامبوني،الصحفي المتعاون مع صحيفة ليبراسيون، ومارتين أورانج، الصحفية القديمة بصحيفة لوموند ورئيسة تحرير صحيفة لاتريبون، ورونو لوكارد، الصحفي المحقق بليبراسيون والكتاب وفقا لما ذكرته جريدة الخبر الجزائرية يشكل عصارة سنوات من البحث والتحقيق في أشهر الفضائح التي عرفتها فرنسا خلال نصف القرن الأخير، بداية من جرائم الجيش الفرنسي في الجزائر، وانتهاء إلى فضيحة كليرستريم، التي يوجد كل من رئيس الحكومة الفرنسية الحالي دومينيك دوفيلبان والجنرال روندو، أحد أشهر رجال المخابرات الفرنسية، داخل خانة الشك الأولى فيها•
وعلق الصحفي الفرنسي الشهير آلان دوهامال على محتوى الكتاب بقوله هناك التاريخ الرسمي الرائع بانتخاباته وتداوله وندواته الصحفية، بإضراباته وأزماته وكوارثه الصناعية وهناك التاريخ السري، بأجهزته الخاصة ومؤامراته وعمليات القتل فيه، والتي تبلغ في بعض الأحيان حدود المجازر الجمهورية الخامسة تحت كل رؤسائها تعطي صورة قبيحة جدا: قتل وتعذيب واختطافات ومجازر خلال حرب الجزائر• تضييع كامل لعمليات التحرر من الاستعمار في افريقيا السوداء عبر قافلة من الانقلابات العسكرية والمجازر، عدوى غريبة من جرائم القتل السياسية في عهد الرئيس جيسكار ديستان تمويلات غير قانونية للأحزاب السياسية، تنصتات هاتفية غير شرعية في عهد الرئيس فرانسوا ميتران وجدالات وتحقيقات وشكوك من كل نوع في عهد الرئيس جاك شيراك•
يوضّح أصحاب الكتاب بأن عملهم يهدف إلى اقتراح معاينة إكلينيكية لنصف قرن من الممارسة السياسية بفرنسا. ومن أجل ذلك فهم يدعون قراءهم إلى التفكير في سؤال يقول: ألم يحن الوقت بعد لسقوط الجمهورية الفرنسية الخامسة وحلول الجمهورية السادسة مكانها؟
جاء الكتاب في سبعة فصول، يتناول الأول منها الظروف التي تأسست فيها الجمهورية الخامسة بفرنسا عبر الانقلاب الهادئ على الجمهورية الرابعة الذي قاد الجنرال شارل دوغول إلى قصر الإليزي عام .1958 والسياسة الحديدية التي قادها هذا الأخير في الجزائر ضمن عملية الانبعاث، والتي عرفت منح أجهزة المخابرات والبوليس السري كل صلاحيات مواجهة ثورة التحرير الجزائرية عبر استعمال الوسائل غير المشروعة كالتعذيب والاغتيال. وهي نفس الأساليب التي استعملتها فرنسا خلال عهدي دوغول وبومبيدو في مواجهات حركات التحرر بإفريقيا، كما حدث في الكاميرون وغينيا•
أما القسم الثالث للكتاب، الذي يحمل عنوان الديبلوماسية الخفية، فيكشف العديد من الفضائح التي ميزت نشاط فرنسا الموجه تجاه الخارج، ومن ذلك المساعدات المقدمة لإسرائيل من أجل الحصول على القنبلة الذرية عبر صفقة مشبوهة سيرتها وتابعتها أجهزة المخابرات الفرنسية بعيدا عن كل الأطر الرسمية كوزارة الخارجية والبرلمان .
ويذهب أصحاب الكتاب إلى أن الشخصية المعروفة الوحيدة التي كان لها علم بهذا الملف هي رئيس الجمهورية الفرنسية، وفيما عاداه فإن كل الشخصيات الأخرى كانت عبارة عن أشباح وهو ما يدحض ما ادعته فرنسا دائما من أنها قدمت مساعدات للكيان الصهيوني لتمكينه من الحصول على التكنولوجيا النووية السلمية.
كما يكشف هذا الفصل تورط أجهزة المخابرات الفرنسية خلال تسعينيات القرن الماضي في الأزمة الجزائرية، وتدخل نفس الأجهزة في منطقة الساحل الإفريقي على الحدود المالية النيجيرية ضمن الأزمة بين الطوارق• ويتحدث المحققون في الكتاب عن جزء من خيارات فرنسا الاستراتيجية داخل مستعمراتها السابقة حين قررت الجمهورية الخامسة بداية من الجنرال شارل دوغول الاستثمار في جزء من النخب المغاربية والإفريقية وهيكلتهم عبر عدد من الشبكات الاستخباراتية كما هو الشأن بالنسبة لمراكز الربط الاستعلاماتي ونظام فوكارتوشبكات آلف، التي مكنت فرنسا من حماية مصالحها الاقتصادية الاستراتيجية الكبرى عبر قادة ومسؤولين أفارقة نهبوا بلدانهم ويعطي المحققون رواندا نموذجا لذلك، مستعينين بتقرير للرجل الأول في المديرية العامة للأمن الخارجي عن الأوضاع في هذا البلد حين وقوع مجزرة الهوتو ضد التوتسي• ويكشف المحققون عن أهم الشبكات واللوبيات المسيطرة على القرار الاقتصادي والسياسي في فرنسا، وقسموها إلى مستويات ثلاثة، يتعلق الأول بعدد من الهيئات العمومية المعروفة، التي يجهل أغلب الفرنسيين تأثيرها الكبير على السياسة الفرنسية كما هو الشأن بالنسبة للمدرسة الوطنية للإدارة التي يجهل الكثيرون أن رئيس الحكومة الفرنسية دومينيك دوفيلبان، وهو أحد زعماء اليمين والمرشحة الاشتراكية للانتخابات الرئاسية القادمة سيغولان روايال ينتميان إلى نفس الدفعة المتخرجة من هذه المدرسة''، وأيضا مدرسة النخبة العسكرية ''سان سير'' ''التي يجهل الكثير من الفرنسيين أن الجنرال رونودو، المتهم الأساسي في فضيحة ''كليرستريم'' الأخيرة، متخرج منها بالإضافة إلى 12 من أكبر ضباط المخابرات السامين في تاريخ الجمهورية الخامسة إضافة إلى قطاع المناجم الذي، ولأسباب غير مفهومة، تكفل بأغلبية مشاريع التحديث الكبرى في الجمهورية الخامسة، كما هو الشأن بالنسبة لتي جي في والاتصالات والنووي المدني وتصنيع طائرات الإيرباص وكونكورد''.
أما المستوى الثاني من اللوبيات فهي التي وصفها أصحاب الكتاب بشبه السرية كما هون الشأن بالنسبة للحركة الماسونية التي بلغت أوج تأثيرها بفرنسا وإفريقيا في إطار الجمهورية الخامسة، ثم تأتي اللوبيات السرية وغير الشرعية كبعض شبكات الاستعمالات، التي من أهمها شبكة الفاتيكان بفرنسا''•
ويبلغ الكتاب أقصى إثارته في الفصل الذي يتحدث عن الزوايا الخفية داخل قطاع الإعلام بفرنسا، الذي استطاعت السلطة الفرنسية من تدجينه عبر شبكة تتكون من 150 إعلامي تضم مقدمين للبرامج التلفزيونية ومدراء جرائد ومجلات وكتاب افتتاحيات ورؤساء تحرير لكبريات وسائل الإعلام. ويستدل أصحاب الكتاب على ذلك بمجموعة من التحقيقات والأخبار التي أوردوها في الكتاب لأنهم لم يتمكنوا من نشرها عبر القنوات الإعلامية التي يتعاونون معها