مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

كيف تصبح متميزا؟

6 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

السر الأول

يحكى عن عاملين في إحدى شركات البناء، أرسلتهما الشركة التي يعملان لحسابها من أجل إصلاح سطح إحدى البنايات، وعندما وصل العاملان إلى المصعد، إذا بلافتة مكتوب عليها (المصعد معطل)، فتوقفا هنيهة يفكران: ما العمل؟ لكنهما حسما أمرهما سريعا بالصعود على الدرج بالرغم من أن العمارة بها أربعون دورا، سيصعدان وهما يحملان المعدات لهذا الارتفاع الشاهق، لكنها الحماسة.

وبعد جهد مضن، وعرق غزير، وجلسات استراحة كبيرة وصلا أخيرا إلى غايتهما، هنا التفت أحدهما إلى الآخر وقال: (لدي خبران أود الإفصاح لك بهما، أحدهما سار، والآخر غير سار)، فقال صديقه: (إذن فلنبدأ بالسار)، فقال له صاحبه: (أبشر، لقد وصلنا إلى سطح البناية أخيرا)، فقال له صاحبه بعدما تنهد بارتياح: (رائع لقد نجحنا، إذن وما هو الخبر السيء؟)، فقال له صاحبه في غيظ: (هذه ليست البناية المقصودة).

للأسف الشديد هناك كثير من الناس يمضون في حياتهم كهذين العاملين، تأخذهم فورة الحماسة والاندفاع ليتحركوا في الحياة دون تخطيط أو إدارة لحياتهم أو تحديد لأهدافهم، فلا هو يدري عن قدراته وإمكاناته ومواطن قوته ومواضع ضعفه، ولا هو يدري إلى أين هو سائر؟ فتراه لا يسأل نفسه: هل أنا واثق في قدراتي؟ هل أعرف أين أنا الآن وإلى أين سأتجه؟ هل لي هدف واضح ورسالة محددة في الحياة؟ فبينما جميع الناس تتمنى التميز والتفوق، إلا أن القليل فقط هم الذين يسيرون على الطريق الصحيح.

أجب عن هذين السؤالين:

وهنا يكمن مفتاح السر الأول من أسرار تميزك ونجاحك، إنه يكمن في إجابتك الدقيقة عن هذين السؤالين: من أنا؟ وماذا أريد؟ فلا سبيل إلى تحقيق النجاح وروم التميز إلا من خلال الإجابة عليهما فكما يقول إبراهام لنكولن: (لو عرفنا أولا أين نحن وماذا نريد؟ نستطيع أن نحكم ماذا نفعل؟ وكيف نحصل عليه؟).

1. اعرف نفسك:

لا تكن كالطرماح:

هل تعرف من هو الطرماح بن حكيم الطائي؟ إنه ذاك الشاعر المشهور الذي قعد للناس وقال : اسألوني عن غريب اللغة، وقد أحكمته كله، وكان في ذلك صادقا، فقال له رجل : ما معنى الطرماح؟ فلم يعرفه.

وهنا يبدأ السر الأول من أسرار التميز في الكشف عن مكنونه، ونعني بذلك إدراك إمكانياتك وقدراتك ومواهبك التي حباك الله عز وجل بها ، ولا تنس تكريمه لك: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (70) سورة الإسراء، وإبداعه في خلقك: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (4) سورة التين.

وتكمن أهمية معرفة النفس أنها توضح لنا أي سبيل سنسلك؟ مما يمنح الإنسان الدافع الذي يحفزه إلى تحقيق هذا الهدف، ولنا في ابن عباس رضي الله عنهما المثل والقدوة، فعنه أنه قال: (لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت لرجل من الأنصار: هلم نسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم اليوم كثير)، فقال: (واعجبا لك يا ابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من ترى ؟) فترك ذلك، وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريح علي التراب، فيخرج، فيراني، فيقول: (يا ابن عم رسول الله! ألا أرسلت إلي فآتيك؟) فأقول: (أنا أحق أن آتيك، فأسألك)، قال: (فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس علي)، فقال: (هذا الفتى أعقل مني).

فانظر إلى ابن عباس رضي الله عنهما لما أدرك موطن قوته في العلم والحفظ، فاجتهد في سلوك ذاك السبيل، حتى صار من علماء الأمة الأفذاذ، فأقبل على العلم بينما ترك صاحبه ذلك؛ لأنه لم يؤمن بقدراته على تحصيل ذلك العلم.

2. حدد هدفك:

ونعني بذلك وضوح الهدف, وتسليط كل الأضواء عليه, والدوران في فلكه, حتى تذوب الفوارق بينك وبينه فتصير كل السبل تفضي إليه، وبالتالي يصبح للحياة رونقا جميلا جذابا، ولكن حتى يكون هدفك فعالا لابد أن يتحقق فيه شروط الهدف الفعال وهي:

أ‌. المشروعية : ونعني بها توافق الهدف مع شرع الله كما قال تعالى في كتابه الكريم : {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (69) سورة العنكبوت.

ب‌. الدقة والوضوح : ونعني بهما أن يكون الهدف واضحا محددا لا لبس فيه ولا غموض فكما يقول براين ترايسي: (حدد بدقة أهدافك في كل جوانب حياتك، فإنك لن تستطيع أن تصيب هدفا لا تستطيع أن تراه).

ت‌. القابلية للتقويم والقياس: فالهدف الواضح الذي يمكن قياسه يعطيك القدرة على تحقيقه بنجاح؛ لأن معرفتك بمدى التقدم الذي تحرزه حيال هدفك سوف يشجعك، ويزيد من ثقتك بنفسك.

ث‌. القابلية للتحقيق: بأن يكون الهدف يتسم بالواقعية والطموح في آن واحد, فلا تأخذك الحماسة فتحدد هدفا تعلم يقينا عدم قدرتك على تحقيقه، وهذا ما يؤكده ستيف ستراسر حين يهمس في أذنك قائلا: (ضع لنفسك أهدافا إيجابية واجعل آمالك معقولة)، ولكن في نفس الوقت لا تسمح للانهزامية والكسل أن يتغلفا بغلاف الواقعية، فتحدد هدفا دون مستوى قدراتك، فكما يقول ستيف جارفي: (يجب عليك أن تضع لنفسك أهدافا بعيدة عن منالك؛ لأنك إذا وضعت أهدافا يمكن تحقيقها بدون قدر كبير من العمل أو التفكير، فستبقى عالقا في مكان أقل مما تؤهلك له موهبتك وإمكانياتك الحقيقية).

ج‌. مراعاة عامل الزمن : فالزمن رأس مال كل من ينشد النجاح كما أن الهدف دون إطار زمني محدد البدء والنهاية لا يعدو كونه أمنية, ولا تنس أن يكون الإطار الزمني متسما أيضا بالواقعية بلا إفراط أو تفريط.

علامة الاستفهام:

وكأني أرى عزيزي القارئ علامة استفهام قد بدأت ترتسم على قسمات وجهك، علامة استفهام تحوي في طياتها السؤال الأهم ألا وهو إن كانت الأهداف هي سر من أسرار التميز فكيف أستطيع تحقيقها؟ والجواب يكمن في تلك الانطلاقة الثلاثية.

أولا: خارطة الطريق:

ونعني بها تحديد الأهداف، ودعنا نحدد هدفا، وليكن هدفك أنك تريد أن تنشئ مشروعا تجاريا خاصا بك، كأن تنشئ مصنعا لإنتاج الأقلام والأدوات المكتبية في وقت لا يزيد عن ثلاث سنوات من الآن، وسترى أن هدفك الذي حددته هذا يتميز بأنه هدف:

1. مشروع: حيث أن تلك الأوراق، والأدوات المكتبية هي أمور أباح الشرع استخدامها لغرض كتابة العلم، ونشر الخير، وإيصال المعرفة للآخرين.

2. واضح محدد: حيث حددت المجال الذي ستنشئ مشروعك فيه، وهو مجال الأوراق والأدوات المكتبية.

3. محدد بإطار زمني: حيث قمت بوضع حد زمني للبدء في إنشاء ذلك المشروع، وكان ذلك الحد الزمني هو ثلاث سنوات.

4. قابل للتقويم والقياس: حيث يمكنك تقسيم هذا الهدف على مراحل، منها أولا أنك ستعمل مثلا في أحد المصانع التي تعمل في ذلك المجال؛ حتى تتعرف عن قرب على عملية تصنيع هذه الأوراق والأدوات المكتبية، وثانيا أنك سوف تلتحق بأحد الدورات التي تختص بكيفية عمل الآلات والماكينات التي تقوم بصناعة ذلك الورق أو تلك الأدوات المكتبية، وثالثا أنك ستقرأ في الكتب المختصة بتلك الصناعات، أو تسأل أحد من المختصين الخبراء في ذلك المجال.

5. قابل للتحقيق: بأن تكون قادرا من حيث الوقت المتاح لديك, ومن حيث قدراتك الجسمية والذهنية والمالية على إتمام هذا الهدف بنجاح.

ثانيا: اعقلها وتوكل:

فلا يكفي أخذك بالأسباب وحدها, بل لا بد من وسائل إيمانية تستجلب بها عون الله لك, وسداده سبحانه وتعالى لخطاك, ومن هذه الوسائل:

1. سهام لا تخطئ الهدف: ونعني بها يدين مرفوعتين لله بالدعاء، وقلبا خاشعا لله تعالى، ونفسا تستشعر فقرها واحتياجها لتوفيق الله تعالى؛ فالدعاء هو العبادة كما يقول صلى الله عليه وسلم.

2. كنزي عجزي: توكل صادق على الله، فلن يكفيك الأخذ بالأسباب وتحديد الأهداف، فعليك فقط البداية ومنه التمام إن شاء الله.

ثالثا: نظرية الـ 10 سنتيمترات:

وهي تلك النظرية التي صاغها الدكتور إبراهيم الفقي، ومفادها أنه عليك أن تسير يوميا ولو 10 سنتيمترات نحو هدفك، فلا يكفي أن يحدد الواحد منا هدفه بدقة ووضوح، ويتوكل على الله تبارك وتعالى، ثم لا يضع هذا الهدف محل التنفيذ، بل يجب أن يتحرك الواحد منا كل يوم نحو هدفه.

وبهذا نكون قد كشفنا اللثام عن السر الأول من أسرار النجاح والتميز، وموعدنا في الحلقة القادمة حتى نكشف اللثام عن السر الثاني من أسرار التميز، فإلى لقاء قريب نحقق به نجاحنا، وننصر فيه أمتنا.

أهم المراجع:

1. صناعة الهدف، هشام مصطفى عبد العزيز.

2. إدارة الذات، د. أكرم رضا.

3. أفضل ما قيل في قوة الأهداف، كاثرين كارفيلاس.

4. سلسلة الكتيب الشامل في الإنجاز الشخصي، براين ترايسي.

5. سيطر على حياتك، د. إبراهيم الفقي.

6. قوة التفكير، د. إبراهيم الفقي.

7. المفاتيح العشرة للنجاح، د. إبراهيم الفقي.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 29 مايو 2008
  1. بيت نظيف = زواج سعيد(بعد الزفاف جلس الزوجان الجديدان وأحضرا دفترا كتبا عليه (كراسة الرؤية المشتركة)... فقد بدءا في قراءة سلسلة مقالات الرؤية المشتركة بين الزوجين على موقع المفكرة ويحولان هذا الكلام النظري إلى تطبيق عملي في حياتهم الجديدة. ومن الأشياء التي كُتبالبيت السعيد · 6 د قراءة
  2. أظافرك عنوان جمالك وصحتكأظافرك عنوان جمالك وصحتك لا تتعجبي من هذا العنوان أختي الفاضلة.. نعم أظافرك هي عنوان جمالك وصحتك, فشكل الأظافر وتناسق حجمها ونظافتها من الأمور التي تدل على اهتمام صاحبتها بنفسها وجمالها وأناقتها والعكس أيضا صحيح فكلما كانت المرأة مهملة لأظازهرة · 5 د قراءة
  3. الفاتيكان يطالب بإلغاء الجهاد ويرفض اعتبار القرآن كلام اللهجدد مسئولو الفاتيكان هجومهم على الإسلام والمسلمين، حيث طالب أحد مستشاري بابا الفاتيكان المسلمين بإلغاء الجهاد، رافضًا في الوقت ذاته الاعتراف بأن القرآن كلام الله. وقال الكاردينال "جين لويس توران" مستشار بابا الفاتيكان "بينديكتوس السادس عشر"أفريقيا وأوربا · 1 د قراءة
  4. معاريف: مستقبل غامض لسليمان مع حزب اللهأحمد الغريب مفكرة الإسلام : فور انتخاب البرلمان اللبناني قائد الجيش ميشيل سليمان رئيسًا للبنان، ومع انتهاء حالة الفراغ الرئاسي اللبناني، وهي الفترة التي اعتبرها المراقبون أعنف وأطول أزمة رئاسية في تاريخهم، أبدت وسائل الإعلام الصهيونية اهتمامقالات مترجمة · 5 د قراءة
  5. تاكسي عائم في تركيا لمواجهة أزمة المواصلاتفي محاولة لمواجهة أزمة المواصلات، قامت تركيا بتشغيل أول تاكسي عائم في مياه مضيق البسفور بمدينة إسطنبول, وذلك في إطار مشروع استخدام القوارب السريعة كمركبات أجرة للتنقل بين مناطق المدينة المختلفة كما هو الحال مع سيارات الأجرة البرية. وأكد مسئعجائب وغرائب · 1 د قراءة
  6. في معارك عنيفة مع طالبان.. مقتل جنود كنديين وتدمير ثلاث آليات في قندهارلقي عدد من الجنود الكنديين مصرعهم ودمرت ثلاثة من آلياتهم العسكرية في اشتباكات عنيفة مع حركة طالبان في إقليم قندهار جنوبي أفغانستان. وقالت مصادر مقربة من حركة طالبان: إن الحركة نصبت كمينًا لقافلة تابعة للقوات الكندية في قندهار؛ ما أدى إلى انالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: كيف تصبح متميزا؟