كيفية التوفيق بين الفردية والجماعية

ذكرنا في الحلقات الماضية أن علينا مراعاة التوازن بين الفردية والجماعية، وذلك بداية بأن نعلم بأن الإنسان بفطرته يحتوي على هاتين الغريزتين، وأنه لا بد من تحقيق التوازن بينهما.
وحتى يحقق الإنسان التوازن بين الفردية والجماعية؛ فلا بد أن يشعر الفرد بانتمائه للمجموع وولائه له، وفي الوقت ذاته يشعر أنه جزء من هذا المجموع و أنه كيان إيجابي فيه، وأنه جزء من قوته، إلا أن قوته وحده لا تسوى شيئًا لو تركت وحدها، وإنما يجب أن تنضم وتتحد مع القوى الأخرى لتوليد أعظم قوى في الوجود.
- قانون الاتزان:
وإليك قانون الاتزان الذي ذكره رويارد كبلينج فقال: "إليك قانون الوجود مصيره الصدق والخلود: قوة المجموعة للفرد وقوة الفرد للمجموعة ومن التزم بالقانون فسينجح ومن خالفه فسيموت." ([1])
وعندما يمتلك الشخص هذا الاتزان؛ يصبح نجاحه الشخصي متمثلًا في نجاح المؤسسة؛ ويصبح نجاح المؤسسة متمثلًا في نجاحه الشخصي.
يقول ستيفن كوفي: "المؤسسة الفعالة هي التي يمتلك أفرادها المعرفة، والمهارة، والرغبة، والفرصة للنجاح الشخصي، بطريقة تؤدي إلى النجاح الشامل للمؤسسة ككل". ([2])
ومن هنا يشعر الشخص من خلال اتزانه، بأهمية الالتزام الشخصي بما هو مطلوب منه، لتتوحد جهوده مع غيره ليتحقق هدف المجموع، ومن هنا يتحقق النجاح في الحياة.
يقول فينس لومباردي: "الالتزام الفردي بالمشاركة في العمل الجماعي هو ما يجعل الفريق، الشركة، المجتمع، أو حتى الحضارة الإنسانية تحقق النجاح" ([3])
- معا..معا..معا :
ويكون شعار هذا الشخص الملتزم بعمله، والذي يتعاون بعمله مع الآخرين للوصول إلى الهدف هو: "نأتي معًا، نشترك معًا، نعمل معًا، ننجح معًا". ([4])
إنه شخص يدرك ويعتقد ما ذكرناه سابقا أنه"تزداد السعادة عندما تتوزع على عدة أشخاص". ([5])
وحتى يتم هذا الاتزان بين الفردية والجماعية فلا بد من مجموعة من النقاط نلخصها فيما يلي:
1. الفهم أو الوعي:
فلا بد أن يفهم الفرد ضرورة المجموع وأهميته في حياته، وضوابط العمل معه، وواجباته تجاه ذلك المجموع وحقوقه في ظل وجوده مع المجموع.
فإن هذا الفهم يجعله حريصًا على لزومه، وعدم التخلي عنه، مهما تكن الظروف والملابسات، وهو كذلك يحمله على الالتزام بضوابط العمل معه، وبذل أقصى ما في وسعه وما في طاقته ليبقى للمجموع الاستمرار، وليتحقق له النجاح، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى يجب أن يفهم المجموع، منزلة ومكانة الفرد فيه، وحقوق الفرد عليه، وأثر تمكينه من نيل هذه الحقوق.
كما عليه أن يدرك أن أي فرد داخل المجموع هو قوة إيجابية فاعلة يجب استغلالها الاستغلال الأمثل، وتفريغ طاقاتها فيما يؤدي إلى تحقيق هدف المجموع.
فإن هذا الفهم يحمل المجموع على أن يحرص على الفرد، ويستغل طاقاته وإمكاناته، ولا يتخلى عنه إلا إذا تأكد له أن وجوده سيكون عنصر تعطيل لمهمته أو رسالته.
و بذلك يتضح لنا؛ أن الفهم أو الوعي هو الركن الأساسي الذي تؤسس عليه عملية التوازن بين الفردية والجماعية.
2. المشاركة الفعالة:
وذلك بأن يكون الفرد إيجابيًا في وسط المجموع، يقوم بواجباته التي عليه القيام بها، ولا يتأخر عن واجب النصيحة للآخرين في ثوبها اللائق بها، ويحرص على إعمال للفكر، وإبداء الرأي بما يعود على المجموع بالخير والمصلحة.
3. رعاية المجموع للفرد:
فعلى المجموع أن يقوم بواجبه نحو الفرد من رعايته المتمثلة في إعطائه حقه، والسؤال عنه وعلاج ما يعترض طريقه من صعاب، وعقبات، وإعمال كل طاقاته ومواهبه فيما يناسبها من ميادين ومجالات والإجابة عن تساؤلاته أو استفساراته، والنظر في آرائه ومقترحاته بعين التقدير والاعتبار.
4. استشعار المسؤولية:
يجب على الفرد أن يستشعر المسئولية الفردية والجماعية، وذلك بأن يستشعر بأنه مسئول مسئولية خاصة عن أداء دوره، وتحقيق الهدف المطلوب منه.
كما عليه أن يستشعر كذلك أنه مسئول مسئولية شخصية عن هدف المجموع، وأن عدم تحقيق المجموع للهدف المطلوب إنما يرجع بسبب تقصيره هو، لأنه مسئول عن تحقيق هدف المجموع مع الآخرين وليس مسئولًا عن تحقيق دوره فحسب.
فلعبة كرة القدم ـ أو الألعاب الجماعية عمومًا ـ تعتبر مثال جيد لذلك.
فنجد فيها أن على كل عضو من أعضاء الفريق أن لا يكتفي بمجرد أداء دوره في الملعب بشكل جيد؛ بل عليه أن يكون مستشعرًا مسئولية تحقيق الفوز للفريق، وأن يبذل كل جهده لتحقيق فوز الفريق؛ لأنه في نهاية الأمر إن أدى دوره بنجاح بنسبة 100% لكن خسر الفريق في النهاية، فلا قيمة لكل ما بذله.
- مثال رائع:
فقد أخرج عبدالرزاق عن قتادة y أن رسول الله r وأبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم صدرًا من خلافته، كانوا يصلون بمكة وبمنى ركعتين، ثم إن عثمان صلاها أربعًا، فبلغ ذلك ابن مسعود فاسترجع"أي قال إنا لله وإنا إليه راجعون حزنا على ذلك" ثم قام فصلى أربعًا، فقيل له: استرجعت ثم صليت أربعا؟ قال: الخلاف شر". ([6])
في هذا الموقف البسيط يتضح لنا كيف كان الصحابي الجليل ابن مسعود y متوازنًا بين فرديته وجماعيته، فعلى الرغم من اعتراضه على الصلاة أربعًا واختلافه مع عثمان y في ذلك ـ واتضح ذلك من خلال استرجاعه ـ إلا أنه في النهاية وقام وصلى أربعًا للحفاظ على وحدة الصف وحتى لا تحدث فرقة بين الصحابة، وظهر ذلك في تعليله حيث قال"الخلاف شر".
وهكذا يعلمك ابن مسعود y كيفية التوازن وهو أن عليك أن تبدي وتشارك برأيك، ولكن إذا حدث اختلاف في الاجتهاد وأخذ المجموع برأي غير رأيك، فما عليك إلا أن تنفذ معهم ذلك الرأي على اقتناع تام به كأنه رأيك بالضبط.
لأن التزامك بهذا الرأي الجماعي ـ وحتى ولو كان يخالف الصواب ـ أفضل وأصوب بكثير من أن تنعزل وحدك برأي فردي مهما كان ذلك الرأي، وصدق علي بن أبي طالب y حين قال"كدر الجماعة خير من صفو الفرقة".
([1]) الانتصار مع فرق العمل، كاثرين كارفلاس، ص(16)
([2]) الانتصار مع فرق العمل، كاثرين كارفلاس، ص(44)
([3]) الانتصار مع فرق العمل، كاثرين كارفلاس، ص(63)
([4]) الانتصار مع فرق العمل، كاثرين كارفلاس، ص(75)
([5]) الانتصار مع فرق العمل، كاثرين كارفلاس، ص(22)
([6]) مصنف عبد الرزاق، عبد الرزاق الصنعاني، (2/516)