الشيخوخة.. تنكيس في الخلق
قال الله تعالى: {ومن نعمره نكسه في الخلق أفلا يعقلون} يس 68 ، أخبر المولى سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة أن من طال عمره لنكس ف يخلقه أي: أنقلب حاله وارتدت قواه وتراجعت قدراته متجهة نحو الضعف والوهن وصار كمن انتكس وانقلب رأسا على عقب ، ويكتف هذا الوصف الدقيق العلم بحالة عامة من التدهور والارتداد لتسع لتشمل كافة التغيرات الظاهرة والخفية وذلك لاستيعاب لفظ [الخلق] لكافة التركيبات والأنشطة البدنية.
ومنذ نزول القرآن ، الكريم في القرن السابع الميلادي إلى عقود قليلة لم يكن معروفًا سوى التغيرات الظاهرة في الهيئة ، ومع توفر التقنيات وتقدم الدراسات لم تخرج التغيرات الخفية المكتظة حديثًا عن الوصف الجامع {ومن نعمره ننكسه في الخلق} ، وينسجم هذا الوصف المطابق للواقع مع نظائر عددية تتعلق بوصف مراحل العمر عامة أو مرحلة الشيخوخة خاصة. وبهذا يكتف القرآن العمل بخفايا التكوين في بيان معجز لا يعارض الحقائق الخفية ولا يصدم المعارف السائدة منذ التنزيل.
مجمل أقوال علماء اللغة والتفسير:
فإن ابن منظور: {ننكس قلب الشئ على رأسه} والمقام يتعلق بوصف الحالة في أواخر العمر بعد بلوغ غاية الكفاءة في مرحلة الشباب ، ولذا التعبير بفعل [ننكس] في الآية الكريمة يعني انقلب الحال في الخلق وقد ورد فعل [أننكس] في قوله تعالى {لم ينكسوا عني رؤوسهم} الأنبياء 65 ، وذلك في بيان حال قيام النبي إبراهيم عليه السلام ، عندما علموا للإعراض بعدما قلبتهم مجته ، قال الشوفاني: [أي رجعوا إلى جهلهم وعندهم فثبته سبحانه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشئ أعلاه}.
وكذلك قوله تعالى: {ومن نعمره ننكسه في الخلق} قال الألوسي: [فيه تشبيه] أي تشبيه انقلاب حال من بلغ الشيخوخة بقلب الشئ على رأسه ، قال ابن منظور: {فصار بدل القوة ضعف ويميل للشباب عزمنا} وقال أبي السعود: {فلا يزال يزايد ضعفه وتتناقص قوته وتنتقص بنيته ويتغير شكله وصورته حتى يعود إلى حالة شبيهة بحالة الصبي في ضعف الجسد وقلة العقل والخلو عن الفهم والإدراك} وقال البقوي: {أي تضعف جوارحه بعد قوتها وتردها إلى نقصائها بهعد زيادتها} ولفظ {الخلق} هنا تعبير عن البنية والجوارح أو لخلقه قال ابن كثير: {هو الضعف في الخلق} لأن {الخلق يستعمل بمعنى المخلوق} و[في لغة العرب التي نزل بها القرآن أن يسمي المفعول باسم المصدر فيسمي المخلوق خلق لقبله: {هذا خلق الله} والله {بدأ الخلق}.. والمبدوء الشئ المخلوق وهذا نظير قوله تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعف وشيبة} الروم 54. قال ابن كثير: 0والمراد [والمراد من هذا الإخبار عن الضعف والكبر ودلائله الظاهرة والباطنة] وأكد ابن كثير في موضع آخر على اشتمال النص الكريم الدلالة على تغيرات باطنة لشيخوخة بالإضافة إلى التغيرات الظاهرة ، فقال: [تتغير الصفات الظاهرة والباطنة] ورجح الألوسي اختلاف زمان ابتداء تغيرات الشيخوخة ، وعبارته هي: [والحق أن زمان ابتداء الضعف وانتقاص البنية مختلف الاختلاف لأمزجة والعوارض].