مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

الجوانب الإيجابية في أزمة فاروق حسني والحجاب

4 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

السيد أبو داود

مفكرة الإٍسلام: كانت الكتابات التي اشتبكت مع فاروق حسني _وزير الثقافة _المصري في أعقاب تصريحاته ضد الحجاب كثيرة ومتنوعة، وتعاملت مع الأزمة بشكل معقول، ركز على الجوانب السلبية للأزمة، المتمثلة في التحرش بالشارع الإسلامي وصدم الناس في رموزهم الدينية، وهذا كله مشكور ومقدر. لكنني في هذه السطور سوف أتعامل مع الأزمة _بعد أن انتهت أو كادت_من جانب آخر، هو ما انطوت عليه من إيجابيات.

وإذا كان هناك قطاع من الإسلاميين توقعوا إقالة الوزير، كرد فعل على تصريحاته، فإن العالمين ببواطن الأمور كانوا يستبعدون ذلك، بل يرونه ضربا من الخيال. فالدولة المصرية هي التي اختارت فاروق حسني وزيراً للثقافة ولديها ملف كامل عنه، وعن ثقافته وأفكاره، وبالتالي فهي لم تقع على إنسان تجهله، كما أن أحدا لم يفرضه عليها، وإنما تم اختياره في حدود ما تسمح به الحالة العلمانية المصرية، التي هي من مواريث دولة محمد علي العلمانية، التي حاول إيجادها على أنقاض الأزهر، لكن الأزهر الذي يمثل الجانب الديني للدولة بقي موجودا ولم يختف كما كان يحلم محمد علي. وهكذا، توازنت الحالة العلمانية المصرية عند حدود معينة، هي علمانية مخففة، وليست علمانية متطرفة كما هو الحال في تركيا وتونس. والمقصود أن الدولة المصرية العلمانية، التي اختارت فاروق حسني دون سواه، لم يكن يتصور منها أن تقيله لأنه اصطدم بثوابت إسلامية. فهذا لو حدث معناه أن مصر تخلت بقدر كبير عن علمانيتها، وسيكون رسالة للغرب، يتصور أهل الحكم في مصر أنها رسالة سلبية، لأنهم يطرحون أنفسهم أمام الغرب على أنهم بلد علماني، متسامح مع الأديان، وليس للدين توجيه جوهري لقرارات الدولة.

إن أكبر جانب إيجابي في القضية هو ما عبر عنه الوزير نفسه في أعقاب هدوء العاصفة، حين أعلن أنه فوجئ بهذا الرد العنيف، وبأن الأمور المتصلة بالدين غير مفهومة بشكل كامل، مما دفعه للإعلان عن تشكيل لجنة دينية داخل وزارة الثقافة لضبط علاقة الوزارة بالدين سواء في المواقف أو الإصدارات.

فالوزير لم يكن يتوقع أن يتعرض لهذه الحملة الشرسة التي جاءته من كل اتجاه.

وصحيح أننا لن نحمل تصريحات الوزير بشأن هذه اللجنة على محمل الجد، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ومن يتهجم على الثوابت لا يمكن تصور أنه سيدافع عنها. وصحيح أيضا أن الوزير تعرض لحملة ثانية من رموز العلمانية على خلفية تصريحه عن تشكيل هذه اللجنة، وصفوه فيها بأنه يحاول إحياء محاكم التفتيش، لكن أن يهتز الوزير بهذه الدرجة، وأن يشعر بالرعب الذي جعله يلازم منزله أسبوعا، غضبا من حملات الهجوم عليه، فهذا يؤكد أن المرجعية في الشارع مازالت إسلامية رغم الجهود الإعلامية والثقافية المكثفة التي تنطلق من المرجعية العلمانية.

والذي أرعب الوزير، أنه متأكد من الإسلاميين تم التضييق عليهم تمامًا على كل المستويات، وتم منعهم من أن يكون لهم صحيفة أو مجلة أو محطة إذاعة أو تليفزيون، ومع ذلك يستطيع هؤلاء أن يديروا اشد الأزمات بكثير من النجاح، ويجدوا من يساعدهم ويقف معهم، فالوزير فوجئ بمختلف الصحف والمجلات ومحطات الإذاعة والفضائيات تقف ضده وتهاجمه وتتندر عليه، وهكذا ضاع ما أنفقه على امتداد 19 عاماً هي عمره في الوزارة سدى، ولم يستطيع تجييش الجيوش الثقافية، والإعلامية التي تدافع عن منطلقاته العلمانية، رغم انه يمتلك الميزانيات والكوادر والقرار .

الجانب الإيجابي الآخر في القضية أننا اكتشفنا أن الشارع ما زال إسلامياً، محباً لدينه، مدافعاً عن عقيدته، رغم حملات التشويه التي تبثها الآلة الإعلامية العلمانية الجبارة، سواء في الخارج أو في الداخل. وفي هذا فشل لهذه الجهود العلمانية من ناحية، ومن ناحية أخرى نجاح للتيارات الإسلامية وتأكيد لتأثيرها وتقبل الشارع لها.

ويمكن في هذه الأزمة أن نرصد أن قطاعاً كبيراً من الصحف والمجلات ذات التوجيه القومي العروبي كانت ضد الوزير وكانت مع الشارع، منطلقة من أن الحجاب ليس رمزاً إسلامياً فقط ، بل إنه أصبح زياً وطنياً يجب على مختلف التيارات الدفاع عنه.

وربما انطلقت هذه التيارات من الاتجاه العام الذي يقود بوصلتها في السنوات الماضية، وهو التقارب مع الإسلام والإسلاميين، وعدم معاداة الإسلام بالشكل السافر كما كان في الماضي، وربما تيقن نفر من هذا التيار أن بقاءه مرتبط بمقدار ما سيأخذ من الإسلام، وبمقدار قربه من الإسلام.

فالتخاصم مع الإسلام هو الذي أدى إلى الضعف الشديد لهذه التيارات، بينما ترى التيارات الإسلامية تنمو ويتقبلها الشارع بقبول حسن.

هناك جانب إيجابي أيضاً في الأزمة وهو أن قطاعاً عريضاً من أهل الحكم في مصر ومعهم السواد الأعظم من الحزب الوطني الحاكم، رغم علمانيتهم، إلا أنهم وقفوا ضد الوزير، ولسان حالهم يقول : علمانيون نعم، ولكن علمانيين متطرفين لا ، ولسان حالهم يقول أيضاً: نخاصم الإسلاميين ونعتقلهم نعم، أما أن نخاصم الإسلام ورموزه ونصدم الإنسان البسيط في مشاعره الدينية لا.

وإذا كان قطاع من الإسلاميين نادمين على عدم إقالة الوزير العلماني، فإنني من أشد المؤيدين لبقائه الآن، والسبب أن الوزير اهتز تماماً، وأدرك كثيراً مما كان غائباً عنه، وسيفكر ألف مرة إذا أراد الهجوم على الإسلام. ووزير بهذا الوضع أفضل كثيراً من آخر علماني جديد يريد أن يؤكد علمانيته ليضمن بقاءه.

روابط الملف الصحفي

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 3 ديسمبر 2006
  1. الشرق والغرب و"تحالف الحضارات"إعداد: مروة عامر مفكرة الإسلام : سادت مبادرة ما يُدعى "بتحالف الحضارات" الأجواء خلال الآونة الأخيرة - وهو فكرة جمع العالم الغربي والعالم العربي الإسلامي من خلال تدعيم ما يسمى الحوار الثقافي والسياسي بينهما لتشكيل تحالف بين الشعوب, أيًا كانتحدث الساعة · 5 د قراءة
  2. تفجيرات المكسيك واللعبة الأمريكية لتصدير "الإرهاب"من المستفيد من الإشاعات بشأن وجود خلايا "إرهابية" عالمية في المكسيك؟ ترجمة: مروة عامر إسيدرو إيريرا إرننديث* مفكرة الإسلام : "لم يكن انفجار ثلاث قنابل متوسطة القوة في مناطق استراتيجية في مدينة المكسيك: المحكمة الانتخابية الفيدرالية والحزب احدث الساعة · 4 د قراءة
  3. الغرب يصعد حربه ضد الإسلامد. محمد يحيى مفكرة الإسلام: في أسبوع واحد شهدت الحرب على الإسلام المسماة بالحرب على الإرهاب تطورين مهمين سرعان ما حولتهما الأحداث التالية إلى سخرية. فقد ذهب رئيس الوزراء البريطاني إلى باكستان في ثياب الفاتحين حيث استقبله رئيس البلاد الجنرالمقالات وتحليلات · 4 د قراءة
  4. الإسلاميون السنة يحرزون تقدمًا بالجولة الثانية لانتخابات البحريننجح الإسلاميون السنة في تعزيز مقاعدهم بمجلس النواب البحريني في الجولة الثانية للانتخابات النيابية والبلدية بعدما تفوقوا على منافسيهم من المعارضة الممثلة في مرشحي جمعية العمل الوطني الديمقراطي "وعد" وجمعية "الوفاق الوطني الإسلامية" الشيعية. الانتخابات البرلمانية والمحلية بالبحرين · 1 د قراءة
  5. علماء ومثقفون مصريون يطالبون بإقالة وزير الثقافة لهجومه على الحجابأصدر مجموعة من العلماء والمثقفين بيانا بشأن تصريحات وزير الثقافة فاروق حسني التي تهجم فيها على فريضة الحجاب ، وتهكم على العلماء والدعاة معتبرًا إياهم سبباً فيما دعاه بـ"العودة إلى الوراء" من خلال الدعوة لارتداء الحجاب . وطالب البيان ـ الذي المشهد الثقافي · 15 د قراءة
  6. أسقف إسباني: لا يحق للسياسيين منع المسلمات من ارتداء الحجابصرّح فرناندو سيبستيان - أحد الأساقفة الإسبان - أن السياسيين لن يستطيعوا منع المسلمات من ارتداء الحجاب، وذلك خلال حوار معه حول فتح الحكومة الإسبانية باب المناقشات لحظر الحجاب الإسلامي في الأماكن العامة. وأكد سيبستيان خلال الحوار، أنه لا يحق أفريقيا وأوربا · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: الجوانب الإيجابية في أزمة فاروق حسني والحجاب