عيدكم مبارك يا أهل ليبيا

كتبه / شريف عبد العزيز
مفكرة الإسلام : في وقت عصيب لا تكاد تري فيه ما يسر الفؤاد، و لا تسمع فيه ما يريح الخاطر، بين مقدسات أسيرة علي وشك الانهيار، وبلاد عريضة تحت نير الاحتلال، ودول عريقة مزقتها الخلافات، وشعوب فارغة شغلتها التفاهات، وساسة فاسدون شهوتهم جمع الأموال، وإعلاميون مهرجون هدفهم نشر المفاسد والعصبيات، وعدو لا يغفل و لا يكل عن التخطيط والكيد للأمة ليل نهار، في هذا الوقت العصيب الذي أصبح فيه متابعة وسائل الإعلام من نشرات وبرامج ومنتديات نوع من العذاب وجلد الذات، في هذا الوقت لا بأس بمطالعة آخر طرائف العرب وعجائبهم، وهي العجائب والطرائف التي لا تنتهي، والتي تحمل قدراً كبيراً من المضحكات المبكيات .
ليبيا وخالف تعرف
مركز الاستشعار الليبي والمسئول عن تحديد أوائل الشهور، ومنازل القمر، والتي ترتبط بشعائر الإسلام، يختلف عن نظائره من المراكز الفلكية في كل أنحاء العالم، فهو مركز قد ضبطت أجهزته ومناظيره وعلمائه علي مخالفة باقي الدول العربية والإسلامية في مواعيد المناسك من شهر رمضان وعيد الفطر و الوقوف بعرفات، ففي صيام الناس تفطر ليبيا، و في فطرهم تصوم ليبيا، وفي عرفات الناس، تضحي ليبيا كما حدث هذا العام .
| في ليبيا كل شيء مختلف عن سائر العالم الإسلامي والمحيط العربي والوسط الإقليمي |
القيادة الليبية ومنذ أن وصلت لسدة الحكم في العربية الليبية في أعقاب الملكية السنوسية أي من أربعين سنة تحديداً، وهي تعطي الأنموذج الفريد في إقرار المبدأ الشهير " خالف تعرف "، ففي ليبيا كل شيء مختلف عن سائر العالم الإسلامي والمحيط العربي والوسط الإقليمي، فرغم البداية الطيبة التي استبشر به الكثيرون في المحيط العربي و الطابع الإسلامي للنظام بادئ الأمر، وأبدي النظام الليبي أنه الوارث لقيم وأفكار الناصرية في البلاد العربية والإسلامية، وكان للخطوات الجيدة في بداية النظام الليبي أثر في ترسيخ قواعده، و تعميق جذوره داخلياً وخارجياً، ولكن المراقب الفطن للأحداث يري قيادة شديدة الاعتداد بالنفس والعجب بالذات والاستهتار بكل ما سواه، حتى لو وصل الأمر للعقائد نفسها، ورفض العمل بالسنة بحجة وجود الضعيف والموضوع فيها، في حين يعظم الكتاب الأخضر المليء بالأعاجيب والطرائف والتناقضات، ويرفع فوق مصاف الكتب السماوية، ويقدم علي القرآن نفسه، بل ويقدم علي العبث والتحريف في القرآن نفسه بحذف بعض كلماته منه برأيه وهواه الفاسد، حتى التاريخ لم يسلم من تفردات القيادة الليبية وعجائبها، فليبيا لها تاريخ هجري خاص بها يبدأ من وفاة النبي صلي الله عليه وسلم، وليس من الهجرة مثلما تعارفت عليه الأمة منذ عهد عمر رضي الله عنه .
تناقضات في كل اتجاه
بعدها بدأت القيادة الليبية تدخل عهداً جديداً من التفرد، والإقدام علي كل غريب وعجيب، فدعم لا محدود لجيش أيرلندا الشمالي المعارض لانجلترا، وتوجه واسع النطاق نحو الشيوعية الروسية، وخلاف ليس له ما يبرره مع أمريكا أدى لضرب السواحل الليبية بالطيران الأمريكي، ومحاصرتها اقتصادياً لفترة طويلة، مع السير علي طريق الخطوات الاستعراضية التي يسمع لها ضجيج، لا يري لها طحين، وتغيير واسع ومتكرر للوزارات والحكومات، وخلافات شديدة مع العديد من دول الجوار والفضائل الفلسطينية بلا أدني مبرر، واندفاع إلي الوحدة مع أي دولة عربية شريطة أن يكون هو الرئيس مستلهما النموذج الناصري في الوحدة مع سوريا في الخمسينيات من القرن الماضي، ولكنها وحدة قصيرة العمر لا تدوم شهوراً، ثم التورط في عمليات تخريبية في ألمانيا واسكتلندا دفعت البلاد ثمنها علي أثمن ما يكون .
بعدها تفتق ذهن القيادة الليبية عن مشروع الانخلاع من الهوية العربية، والتوجه بكليته نحو القارة السوداء، وراح يهدر أموالاً طائلة من خزانة الدولة علي احتفالات وكرنفالات وهدايا وعطايا علي الدول الإفريقية الصغيرة والفقيرة ليس من باب دعمها ورفع معاناتها، ولكن من باب الشهرة ولفت الأنظار، وكسب أرضية شعبية لها وسط البلاد الساذج أهلها، ليهتفوا باسمه، ويمنحوه أطول وأعجب وأطرف لقب في التاريخ وهو "ملك ملوك وسلاطين وشيوخ وعمد إفريقيا، وإمام المسلمين، قائد الثورة الشعبية، وعميد الحكام، ورئيس الاتحاد الإفريقي " ولكن لم يشبع ذلك نهمه وشغفه بالألقاب وكل غريب وعجيب، فاخترعت له نقابة الأشراف الصوفية في مصر نسباً للرسول صلي الله عليه وسلم، ليكون الرجل بعدها من آل البيت رضوان عليهم، وهي الخطوة التي قوبلت بالرفض من المسلمين في شتى بقاع الأرض حتى من الصوفية أنفسهم .
وللشعب رأي آخر
| بدأ الشعب الليبي يضيق ذرعاً. ولم يخرج الليبيون لصلاة العيد في الساحات والمساجد المخصصة لهذا الغرض، وخلت الساحات والمساجد من الرواد إلا بعض العشرات، وأصر معظم الليبيين علي الصوم في هذا اليوم علي أنه يوم عرفة |
مع كثرة مخالفات النظام الليبي للعرف السائد وما عليه السواد الأعظم للمسلمين ــ وليس الحكومات أو القيادات ــ بدأ الشعب الليبي يضيق ذرعاً، بعد أن وجدوا أنفسهم كل عام يصومون ويفطرون ويضحون، عكس الدول الإسلامية، بلا مبرر شرعي، ولا سند علمي، حتى أصبحوا أعجوبة بين الناس فقرروا هذا العام ولأول مرة تحدي قرارات المرصد الليبي للاستشعار عن بعد التي حددت صلاة عيد الأضحى هذا العام بيوم الخميس، والذي يوافق وقفة عرفات عند عموم المسلمين، ولم يخرج الليبيون لصلاة العيد في الساحات والمساجد المخصصة لهذا الغرض، وخلت الساحات والمساجد من الرواد إلا بعض العشرات، وأصر معظم الليبيين علي الصوم في هذا اليوم علي أنه يوم عرفة، وتبادلوا رسائل الجوال الداعية لصلاة العيد يوم الجمعة، مما دفع السلطات الليبية لمنع صلاة العيد يوم الجمعة والتهديد بالتنكيل بمن يقدم علي هذه الفعلة، فرد الليبيون بالاتفاق علي لإقامتها في البيوت، المهم أن الليبيين تعاهدوا وربما لأول مرة لوقف هذه المهزلة السنوية لقيادة خالف تعرف، ونحن لا نملك أمام هذا الإصرار الشعبي لأهل ليبيا إلا أن نقول عيدكم مبارك يا أهل ليبيا .