انتخابات العراق.. آمال ومخاوف

روبرت دريفوس/ ذي نيشن
ترجمة/ شيماء نعمان
مفكرة الإسلام : مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في العراق، ينتاب المراقبين حالة من القلق بشأن النتائج التي قد يسفر عنها السباق الانتخابي المقبل الذي يتوقع الكثير من المراقبين أن يقضي على حالة الهدوء الهش الراهن في العراق.
وذهب البعض إلى القول بأن هناك دلائل تشير إلى احتمال انزلاق البلاد إلى حرب أهلية جديدة كنتيجة للاحتكاكات الطائفية الداخلية والتدخلات الخارجية؛ وهو الاحتمال الذي تناوله على نحو تفصيلي المعلق السياسي وصحفي التحقيقات الأمريكي المعروف "روبرت دريفوس" في تقرير له نشرته مؤخرًا مجلة "ذي نيشن" تحت عنوان (العراق: هل ينزلق إلى حرب أهلية جديدة؟)
وقال دريفوس:
إن "الحرب الصالحة" في أفغانستان لا تسير على ما يرام، وربما ستعلم إدارة أوباما قريبًا أن "الحرب السيئة"- التي من شأنها أن تكون الحرب المندلعة بالعراق- لم تنته بعد.
وعلى الرغم من أن الرئيس أوباما تعهد مرارًا بتقليص عدد القوات الأمريكية في العراق إلى نحو 50.000 بحلول شهر أغسطس- ثم سحب هذه القوات بحلول نهاية عام 2011- فمن حقنا أن نتساءل إذا ما كان ذلك سيحدث. نظرًا، في المقام الأول، إلى أن الانتخابات البرلمانية المقبلة في العراق قد تأجلت من هذا الشهر حتى 7 مارس، وبما أنه من المتوقع أن يبقى حجم القوات الأمريكية فوق 120.000 حتى نهاية الانتخابات، فإنه سيتعين على الولايات إتمام انسحاب غير منظم، بسحب 70.000 من قواتها خلال خمسة شهور فحسب، من أجل الوفاء بالموعد النهائي في أغسطس.
وإذا حدث ذلك، فمن المحتمل أن يحدث على خلفية فوضى سياسية واسعة في العراق، وأعمال عنف جديدة، وخطر تجدد حرب أهلية، والإمكانية الخافتة لحدوث انقلاب عسكري.
وقد وضعت المؤسسة السياسية الشيعية تحديدات بعينها حين قامت هيئة حكومية متوسطة المستوى، ما يسمى بـ "لجنة المساءلة والعدالة"، بحظر أكثر من عشرة أحزاب وشخصيات سياسية بارزة من المشاركة في انتخابات مارس. وهذه اللجنة هي وريثة لـ "لجنة اجتثاث البعث" السابقة؛ التي أنشئت عام 2003 على يد الحاكم المدني الأمريكي الأعلى بالعراق"بول بريمر"، وترأسها "أحمد الجلبي" ورفاقه. ومن بين تلك الأسماء المحظورة واحدًا من أبرز اللاعبين على الساحة العراقية وهو "صالح المطلك"، الزعيم السني العلماني والنائب البرلماني الهام الذي يعد كيانه السياسي "جبهة الحوار الوطني" حاصدًا شعبيًا للأصوات بين سنة العراق المجردين من الحقوق. ويلقى المطلك، السياسي المعروف، دعمًا من البعثيين السابقين والحاليين، والشخصيات السنية العلمانية المعارضة للحكام الشيعة في بغداد، وكذلك من جانب المواطنين العراقيين الذين يساورهم القلق إزاء نفوذ إيران التدخلي في الشئون العراقية.
وعلى مدى الشهور العديدة الماضية، ساهم المطلك في تشكيل كتلة معارضة قوية بهدف تحدي كلاً من رئيس الحكومة "نوري المالكي"، الذي يتزعم فصيلاً في حزب الدعوة الشيعي الطائفي، والتحالف الشيعي الأكبر الذي يضم المجلس الإسلامي الأعلى في العراق، وميليشيات "مقتدى الصدر" والجلبي. وكان قد تم تشكيل ذلك التحالف بدعم قوي من إيران، التي ساعد زعمائها الديكتاتوريين ورجال الدين المتشددين فيها في إقامته. وتشكل المجلس الإسلامي الأعلى في العراق- ولديه جناح شبه عسكري يمثله لواء بدر- عام 1982 كذراع لفيالق الحرس الثوري الإيراني. وظل لفترة طويلة يخضع فعليًا لقيادة ضباط الجيش الإيراني. والزعيم القومي الصدرأيضًا قد سقط تحت مظلة إيران وأمضى معظم العامين الماضيين يعيش في مدينة قم، وهي العاصمة الدينية لإيران. أما الجلبي، بالرغم من صلاته بالمحافظين الجدد، طالما اشتبه في كونه يرتبط بعلاقات سرية مع جهاز الاستخبارات الإيراني.
وأوضح الكاتب في تقريره أن المطلك منذ العام الماضي قد تشارك مع عدد من السياسيين العراقيين البارزين في كتلة علمانية غير طائفية وصفها الكثير من العراقيين بأنها أمل العراق الوحيد في الخلاص من الطائفية الدينية. ومن بين أحد حلفائه الرئيسيين هو رئيس الوزراء العراقي الأسبق والعلماني الشيعي "إياد علاوي"، الذي يمكن أن يصبح رئيسًا للحكومة إذا ما أُجريت انتخابات نزيهة.
ويمكن لتحالف المطلك- علاوي، الذي يضم كذلك العديد من كبار السياسيين السنة- أن يشكل حكومة ائتلافية مع بعض اللاعبين الصاعدين الجدد على الساحة السياسية العراقية، بما في ذلك بقايا حركة الصحوة السنية، والفائزين في الانتخابات المحلية بمحافظات نينوي، وصلاح الدين، والأنبار وغيرها من المحافظات العراقية. ووفقًا لمصادر عراقية مطلعة، فقد تحدث علاوي إلى الأكراد، بما فيهم عشيرة البرزاني ذات النفوذ، بشان إمكانية تشكيل تحالف عقب الانتخابات المقبلة. وربما يتمتع علاوي، كشيعي علماني، ببعض القبول في مناطق الجنوب العراقي ذي الغالبية الشيعية، أيضًا، وخاصة بمحافظة البصرة.
وبالرغم من أن حكومة العراق قد تقرر تجنب الحظر المفروض على المطلك، إلا أن القرار قد أثار بالفعل غضبًا شديدًا في أنحاء العراق، كما أن الكتلة السياسية المرتبطة بالمطلك، وعلاوي، والزعيم السني "طارق الهاشمي"- نائب الرئيس العراقي- تهدد بمقاطعة اقتراع مارس.
وقد عارض العديد من العراقيين قرار حظر المطلك، الذي يُتهم بأنه على صلات وثيقة بحزب البعث المنحل. وقال "أيهم السامرائي"، وزير الكهرباء العراقي السابق، لمجلة "ذي نيشن" أنه إذا ما سُمح للإجراء المتخذ ضد المطلك بالاستمرار، فإن الأمر قد يدفع بالعديد من أعضاء المعارضة العراقية إلى العنف مجددًا حتى أن جولة جديدة من الحرب الأهلية يمكن أن تندلع. والسامرائي، الذي اعتبر في البداية أنه يترشح لعضوية برلمانية كجزء من تحالف علاوي – المطلك، قام بدلاً عن ذلك بتأسيس حزب مستقل (الجبهة الوطنية المتحدة) ويتوقع أن يحصد ما يصل إلى عشرة مقاعد بالبرلمان المقبل من محافظة صلاح الدين وهي مسقط رأسه، ومن كلٍ من نينوي، والأنبار، وديالى، وبغداد.
إلا أن ما يثير قلق السامرائي هو أن الجيش العراقي- وأكثر لواءاته من المواليين لرئيس الحكومة المالكي- لن يتقبل وجود حكومة جديدة، في حالة خسارة المالكي. حيث قال أن "المالكي قد نشر أعضاء حزب الدعوة في كل مكان، وجميع اللواءات في بغداد من الشيعة، والكثيرين منهم لواءات جدد قام المالكي بترقيتهم".
وصرح "رائد جرار"، وهو محلل سياسي عراقي المولد يعيش في واشنطن وزميل بارز لمنظمة Peace Action، لمجلة "ذي نيشن" أن الإجراء المُتخذ لحظر المطلك قد تترتب عليه عواقب سياسية وخيمة؛ قائلاً: "سيكون لذلك نتائج كارثية، نظرًا لأنه سيدفع الشعب للتناحر خارج إطار النظام"، مضيفًا أن "انتخابات مارس لديها القدرة على إشعال صراع أهلي جديد".
وقال جرار أنه على عكس ما يعتقد الكثيرون في واشنطن، فالعراق ليس لديه هذا النوع من المؤسسات السياسية والعسكرية المتوازنة التي تستطيع الصمود أمام مثل ذلك الصراع، مضيفًا أن القوات المسلحة العراقية منقسمة وممزقة على نحو بالغ بفعل الولاءاتالعرقية والطائفية "فإحدى الفرق قد تكون موالية للمالكي، وأخرى للأكراد، وأخرى للمجلس الإسلامي الأعلى في العراق. إن الجيش والشرطة غير موالين للعراق".
وأكد "جون جينكينز"، السفير البريطاني لدى العراق،أن حتى حدوث انقلاب عسكري بالبلاد ليس مسألة مستبعدة. وذكرت صحيفة "ذي ناشونال"، التي تصدر في دولة الإمارات العربية المتحدة أن:
"تحذير السفير البريطاني لدى العراق من أن حدوث انقلاب عسكري لا يزال "إمكانية حقيقية" في بغداد قد أثار موجة من الشائعات حول وجود مؤامرة، وهو الأمر الذي قوبل بردود فعل عنيفة التباين؛ فقد اتهمه البعض بإثارة الذعر، بينما تعلق آخرين بأمل أن تكون تلك نبوءة سوف تتحقق".
واعتبر في العراق تصريح السفير البريطاني كتحذير من انقلاب عسكري في بغداد- بالرغم من بعد احتماله- على أيدي أعضاء بعثيين سابقين في القوات المسلحة العراقية، نظرًا لكون أكثر ضباط الجيش السابقين في العراق كان قد تم تعيينهم خلال حقبة حكومة "صدام حسين" قبل عام 2003. وبالفعل فإن العديد من ضباط الجيش العراقي، سواء من السنة أو الشيعة، كانوا بعثيين. غير أن الجيش في العراق اليوم يضم كذلك قادة عرقيين وطائفيين، معظمهم شيعة مواليين للمالكي ولواء بدر، وهم أيضًا ربما يفضلون حدوث محاولة انقلابية عن السماح للمعارضة بالصعود إلى السلطة في مارس. وكما حدث في لبنان بعد عام 1975، أثناء الحرب الأهلية في البلاد، فإن الجيش العراقي يمكن أن ينقسم على أسس عرقية وطائفية دافعًا البلاد إلى حرب أهلية طويلة، ودولة كردية انفصالية وما هو أسوأ. وقد يؤدي ذلك بدوره إلى جر جيران العراق إلى الصراع؛ حيث تتدخل إيران مساندة حلفائها الشيعة، ويتحرك الجيش التركي لمواجهة الأكراد، وتقوم المملكة العربية السعودية والأردن بدعم السنة.