جولة في صحافة الثلاثاء 30نوفمبر

مفكرة الإسلام : تواصل صحف العالم اهتمامها بالوثائق التي نشرها موقع ويكيليكس, وفي حولتنا تغطية لهذا الاهتمام, إلى جانب حديثنا عن مستقبل القضية الفلسطينية في ضوء فشل مسار المفاوضات, والقرار الظني المنتظر في بيروت والذي قد يشعل فتيل الفتنة الطائفية مجددا.
فضيحة الوثائق الأميركية
في صحيفة الشرق الأوسط قال طارق الحميد بعنوان فضيحة الوثائق الأميركية: الحقيقة الواضحة في وثائق «ويكيليكس» أنها أزمة أميركية ترقى للفضيحة، وأفضل وصف لها ما قاله وزير الخارجية الإيطالي بأنها «11 سبتمبر الدبلوماسية الدولية». فهي فضيحة بحجم التقصير الأميركي في الحفاظ على سرية الاجتماعات، كما أنها فضيحة للعقلية التي تدار بها الدبلوماسية الأميركية، خصوصا ما ورد في الوثائق من أن الدبلوماسيين الأميركيين يتجسسون على نظرائهم بالأمم المتحدة.
والسؤال كما يقول الحميد,هو: كيف سيكون وضع الدبلوماسية، والعلاقات الدولية اليوم؟ ومن يستطيع الوثوق بالدبلوماسيين الأميركيين، من كل ساسة العالم، طالما أن الأمن القومي لبعض تلك الدول قد يتعرض للخطر؟ وهذا ما أكده الناطق باسم رئيس الوزراء البريطاني؛ حيث يقول: «إن التسريبات ونشرها تلحق أضرارا بالأمن القومي في أميركا وبريطانيا وأماكن أخرى.. من المهم أن تكون الحكومات قادرة على العمل وفق أسس سرية المعلومات».
ولا بد من القول هنا , يضيف الحميد, بأن منطقتنا ليست بحاجة لوثائق تؤكد أو تنفي أن إيران مصدر قلق، كما أن رد الفعل الإيراني الذي بدا متعقلا على وثائق «ويكيليكس» ليس بسبب صفاء النية، بل لأن الوثائق نفسها تدين طهران في مسائل أمنية خطرة. وهنا لا يمكن للمتابع إلا استحضار ما نسب لرئيس الوزراء القطري - في الوثائق - من القول بأن العلاقة مع إيران تسير وفق التالي: «هم يكذبون علينا، ونحن نكذب عليهم». وهذه المقولة، وإن لم تكن دقيقة، تستحق أن تكون حكمة هذا العام، فقد لخصت واقع المنطقة مع إيران بكل ذكاء ووضوح. فطهران تدرك، ودون وثائق، أنها تعيش في محيط لا يثق بها، ولا يمكن أيضا أن يتنازل لها عن قراره وسيادته.
الصين مستعدة للتخلي عن كوريا الشمالية
وقسمت الجارديان صفحتها الاولى فضلا عن صفحات داخلية لعرض وثائق، ووضعت عنوانا كبيرا على صفحتها الاولى يقول ان "الصين مستعدة للتخلي عن كوريا الشمالية".
وتكشف برقيات الدبلوماسية الأمريكية المسربة في ويكليكس أن الصين قد ارسلت اشارات للولايات المتحدة عن استعدادها للقبول بتوحيد الكوريتين وانها تنأى بنفسها عن النظام الكوري الشمالي.
وكشفت البرقيات ان شخصية صينية رفيعة وصفت حليفهم الرسمي بـ "الطفل المدلل".وتأتي هذه التسريبات في لحظة حرجة في شبه الجزيرة الكورية بعد قصف كوريا الشمالية لجزيرة يونبيونج الكورية الجنوبية ومقتل اربعة اشخاص في القصف وتهديدات الحرب بين الكوريتين.
كما تمثل احراجا واضحا للموقف الصيني حيث رفضت الصين العمل الكوري الشمالي، وان دعت لاحقا لعقد مباحثات سداسية طارئة بهذا الشأن.
وتقول الجارديان إن الوثائق المسربة تكشف عن ان الاحساس بالاحباط لدى بكين ازاء بيونجيانج قد تنامى منذ تجارب الصواريخ والتجارب النووية التي اجرتها في العام الماضي، فضلا عن تنامي قلق بكين بشأن الاستقرار الاقتصادي في المنطقة ومخاوفها من أن تسبب وفاة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج-ايل في صراع بين خلفائه.
وتضيف الصحيفة إن البرقيات الامريكية الدبلوماسية المسربة تكشف عن إن الصين تتحرك لتبعد نفسها عن الزعيم الكوري الشمالي.على سبيل المثال لا الحصر، تنقل احدى الوثائق عن وكيل وزير الخارجية الكوري الجنوبي قوله إنه قد ابلغ من مسؤولين صينييين رفيعين أنهما يؤمنان بأن الكوريتين ينبغي ان يتوحدا تحت قيادة كوريا الجنوبية وان هذه النظرة وجدت لها صدى لدى القيادة في بكين.
وتنقل وثيقة اخرى عن نائب وزير الخارجية الصيني قوله لمسؤولين امريكيين إن بيونجيانج كانت تتصرف مثل "الطفل المدلل" لتجذب انتباه واشنطن في ابريل/نيسان عام 2009 بإجرائها تجارب صاروخية.
وفي وثيقة اخرى تحذير لسفير صيني من أن النشاط النووي الكوري الشمالي كان" تهديدا لأمن العالم كله".
ويقدر مسؤولون صينيون في وثيقة اخرى ان الصين يمكن ان تتعامل مع تدفق 300 الف نازح من الكوريين الشمالين في حالة حدوث عدم استقرار خطير هناك حسب ممثل وكالة دولية، بيد أنها قد تحتاج الى إستخدام الجيش لغلق الحدود.
وفي مناقشات بالغة الحساسية في فبراير/شباط من العام الماضي قال نائب وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشون يونج-وو للسفيرة الامريكية كاثلين ستيفينس إن الجيل الشاب من قادة الحزب الشيوعي لم يعودوا راغبين في اعتبار كوريا الشمالية حليفا مفيدا او يمكن الاعتماد عليه، وانهم لن يجازفوا بتجدد النزاع المسلح في شبه الجزيرة، حسب برقية سرية إلى واشنطن.
الدبلوماسية الشعبية
وتخصص صحيفة التايمز مقال الرأي فيها للموضوع ذاته تحت عنوان " الدبلوماسية الشعبية" ترى فيه ان نشر البرقيات الدبلوماسية السرية كشف عن فشل استخباري وتسبب في اضرار في المصالح الامريكية، كم كشف ايضا عن إن المشكلات التي تقلق الولايات المتحدة هي حقيقية وضاغطة.
وتخلص الى أن وضع 250 الف برقية سرية من السفارات الامريكية حول العالم في حقل التداول العام في موقع ويكليكس يقدم شيئا أكبر من كونها مصدر معلومات، اذ غنها قدمت كشفا واستبصارا رائعا عن الدبلوماسية الحديثة.
خامنئي مصاب بسرطان الدم
وفي الشأن الايراني ايضا انفردت صحيفة الديلي تلجراف بمقال كتبه مراسل الشؤون الخارجية فيها دامين ماكيلروي تحدث فيه نقلا عن الوثائق الدبلوماسية الامريكية المسربة الى ويكليكس عن إن المرشد الروحي للثورة الايرانية اية الله علي خامنئي مصاب بسرطان في مراحله الاخيرة، وانه قد يتوفى خلال اشهر حسبما نقل مصدر ايراني مطلع لعدد من المسؤولين الامريكيين.
ويحاط اسلوب حياة وتفاصيل الوضع الصحي للمرشد الايراني البالغ من العمر 71 عاما بالسرية الشديدة.
ويرى كاتب المقال إن أي معلومات موثوقة عن أنه يموت ستحدث تغييرا كبيرا اسهم دبلوماسية المفاوضات بين طهران وخصومها الغربيين.
وتقول الصحيفة ان القنصل الامريكي في اسطنبول قد نقل في اغسطس/آب 2009 عن رجل اعمال ايراني مقرب من هاشمي رفسنجاني الرئيس الايراني السابق، انه تم تشخيص نوع قاتل من سرطان الدم (اللوكيميا) لدى المرشد الاعلى.
وقال المصدر إن رفسنجاني يعتقد أن منافسه الكبير سيموت "في غضون اشهر".
ويخلص الكاتب إلى أن توقيت هذه المعلومات مهم جدا لأن رفسنجاني كان في وقت ما ينسق المعارضة لإعادة انتخاب الرئيس محمود احمدي نجاد الذي فاز في انتخابات مزورة بشكل صارخ في يونيو/حزيران الماضي.
ويقول التقرير "نتيجة لذلك، قرر رفسنجاني التوقف عن تحدي خامنيئي وتهيئة الارض لنفسه،بدلا من ذلك، لاختيار خليفة خامنيئي".
" واذا نجح في ذلك- على الرغم من انه سيواجه بوضوح معارضة قوية من حلفاء احمدي نجاد في المجلس (مجلس تشخيص مصلحة النظام) فأنه سيدعو أحمدي نجاد إلى الاستقالة واجراء انتخابات جديدة".
تَغَيروا أولاً
ونتحول الى الشأن الفلسطيني حيث جاء في افتتاحية الخليج بعنوان تَغَيروا أولاً :عندما تعلن السلطة الفلسطينية “أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، وأن عملية السلام لم تعد قابلة للحياة على الإطلاق”، فهذا يعني سقوط خيار المفاوضات، ولابد من البحث عن بدائل أخرى . ذلك أن “إسرائيل” ماضية في عملية الاستيطان والتهويد والتوسع إلى ما لا نهاية، وأن الولايات المتحدة عاجزة، والأصح أنها لا تريد ممارسة الضغط على “إسرائيل” بالتخلي عن ممارساتها .
هنا، كما تقول الخليج, من البديهي طرح السؤال: هل يقبل الفلسطينيون والعرب بالأمر الواقع الذي تفرضه “إسرائيل”؟ هل يتمسكون إلى ما لا نهاية بعملية تسوية فاشلة وبمفاوضات عقيمة لا جدوى منها، وهو “خيار” يعني بالنسبة للكيان العجز وعدم القدرة على الفعل؟
وتضيف الصحيفة إن الوضع العربي الفلسطيني الحالي العاجز والمتواكل والمتهرب من تحمل مسؤولياته، هو فرصة مثالية للكيان الصهيوني كي يستكمل خطوات التوسع والتهويد، طالما يدرك أن رد الفعل المقابل لن يتجاوز الشجب والاستنكار، وهذا لا قيمة له في موازين القوة وحسابات المواجهة.
كي تستقيم المعادلة، ويصبح بالإمكان أن تتراجع “إسرائيل” عن سياستها القائمة، لابد للفلسطينيين والعرب أن يغيّروا ويتغيّروا،تقول الخليج, أن يغيّروا في طريقة تعاملهم مع “إسرائيل” والولايات المتحدة بعدما فشلوا في بلوغ أي من أهدافهم عبر المفاوضات، وبعد سنوات من الرهانات الخاطئة التي لم تجلب إلا الخيبة والفشل، وأن يتغيّروا بأن يخرجوا من حالة الضعف والتواكل، ولديهم الكثير من مصادر القوة التي تمكنهم من الفعل والتأثير وإجبار الآخرين على احترامهم واحترام حقوقهم، لأن القوي وحده هو الذي يفرض موقفه وتكون كلمته مسموعة.
آن للفلسطينيين مغادرة العملية التفاوضية المذلّة
وفي صحيفة دار الحياة قال ماجد كيالي بعنوان آن للفلسطينيين مغادرة العملية التفاوضية المذلّة: لقد تجاوزت حكومة نتانياهو كل منطق، فبعد أن استجاب الفلسطينيون لمطلب أمن الاحتلال، باتت تشترط لعملية التسوية اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة يهودية، وقبول مواصلة أنشطتها الاستيطانية، واستثناء القدس من أي تجميد ولو موقت للاستيطان. ليس هذا فحسب، فثمة لإسرائيل اشتراطات أخرى للتسوية، من الأطراف الدولية والإقليمية أيضاً، ضمنها إغداق الولايات المتحدة الأميركية المساعدات المالية والعسكرية عليها، والاعتراف بوجود أمني لها على الحدود الفلسطينية مع الأردن، والاستجابة لسياستها في شأن تشديد الطوق على إيران، أو توجيه ضربة عسكرية لمنشآتها النووية، ودفع العالم العربي لإقامة علاقات طبيعية معها، وكل ذلك من أجل مجرد تسوية مجحفة وجزئية ومنقوصة!
وأضاف قائلا: السؤال الآن: وماذا بعد؟ ليس سؤالاً نافلاً، أو للمزايدة، وإنما هو سؤال جد واقعي فقرار «الكنيست» الإسرائيلي ليس بمثابة صفعة للفلسطينيين فقط، وإنما هو أيضاً بمثابة صفعة للنظام العربي (ومبادرته السلمية)، كما للدول الكبرى الراعية لعملية السلام. وإسرائيل توجه رسالة صلفة من خلال هذا التصويت في «الكنيست» مفادها أن بضعة مئات ألوف من اليهود من ناخبي أحزاب «شاس» (لليهود المتدينين) لزعيمهم الحاخام عوفاديا يوسيف، و «إسرائيل بيتنا»(لليهود الروس من المهاجرين الجدد)، لزعيمهم افيغدور ليبرمان، وعصابات المستوطنين ومتطرفي «الليكود»، هم وحدهم يملكون تقرير مستقبل الشرق الأوسط، وتقرير مسألة الاستقرار والسلم فيه، غير عابئين بالمصالح الدولية وحتى الأميركية، وعلى الضد من حقوق ملايين الفلسطينيين، ومعهم ثلاثمئة مليون من العرب.
لبنان في انتظار القرار الظني
وفي الشان اللبناني وصحيفة دار الخليج قال غسان العزي بعنوان لبنان في انتظار القرار الظني:عاش اللبنانيون منذ تشكيل فريق التحقيق الأول على وقع التسريبات في انتظار صدور التقارير عن اللجنة والتي كانت تشكل مادة نقاش سياسي عام شديد السخونة لفترة تمتد إلى حين صدور التقرير التالي عن التحقيق نفسه أيام القاضي الألماني ديتليف ميليس ثم خلفه البلجيكي براميرتز قبل تعيين الكندي دانيال بيلمار الذي سيكون مدعياً عاماً للمحكمة بعد انتهاء التحقيق الذي يقوده.
ومضى قائلا إنه فيلم بوليسي طويل، وعلى الطريقة الهوليوودية الأمريكية . ونكاد نضيف بأنه فيلم مشوق لولا أن مشاهديه من اللبنانيين خصوصاً، والعرب عموماً يلتهمون أظافرهم ويحبسون أنفاسهم خوفاً بل رعباً لدى مشاهدة العرض الذي ما إن ينتهي حتى تكون صالة العرض قد تحطمت على رؤوس من فيها . هذا على الأقل ما أنفك يبشر به “الإسرائيليون” وما يؤكده رعاتهم الأمريكيون في هذه الأيام العصيبة جداً من تاريخ “الديمقراطية اللبنانية الناشئة” التي طالما بشر بها الرئيس السابق بوش ومحافظوه الذين كانوا جدداً .
وطرح سؤالا:هل سيتوقف “الإسرائيليون” والأمريكيون عند ذاك عن ملاحقة المقاومة اللبنانية ولديهم ضدها مثل هذا السلاح الفتاك الذي هو الاتهام الدولي؟ بالطبع لا، لكن يكون لبنان عندها قد مرر قطوع “القرار الظني” ليبدأ مرحلة جديدة لن تكون أقل خطورة هي الأخرى على مصيره والمنطقة معه .
برلمان2010 وقضايا تقدم الوطن
ومن ناحيتها اهتمت صحيفة الأهرام الانتخابات البرلمانية,وقالت تحت عنوان برلمان2010 وقضايا تقدم الوطن: برلمان2010 من المنشود أن يصبح بوتقة سياسية وتشريعية خلاقة للمساهمة الفعالة والواعية في صنع المستقبل وصولا إلي تقدم الوطن, وتبوأ مكانة مرموقة علي خريطة الدنيا تليق بتاريخه وحضارته, ذلك أن الزمن الكوني الراهن يشهد ظاهرتين متلازمتين.
أولهما: أن جميع دول العالم, ومن بينها مصر تسعي بكل مالديها من امكانات وقدرات وخبرات لحل مشكلاتها بقصد تحقيق التقدم السياسي والاقتصادي الذي يكفل لشعوبها حياة أفضل وأكثر اشراقا.
ثانيهما: أن ثمة أزمات عالمية تبدو حادة وعاصفة بدأت تطل برأسها القبيح والمخيف, لعل من أبرزها أزمة المواد الغذائية وارتفاع أسعارها. وتقترن بهذه الأزمة تحذيرات الخبراء بأن دول العالم مرشحة لنقص في المواد الغذائية الأساسية ما لم تبادر إلي تنمية ثروتها الزراعية والحيوانية.
وفي ضوء هاتين الظاهرتين العالميتين تتحرك مصر لدرء أية آثار سلبية قد تلحق بها وصولا إلي تحقيق التقدم واعلاء شأن الوطن والمواطنين, ومن ثم فان برلمان2010 يتعين أن يضطلع بدور أساسي في بلورة وحل المشكلات التي قد تؤثر سلبا علي مسيرة التقدم.
وهنا ينبغي الاشارة, كما تقول الاهرام, إلي ثلاث قضايا محورية وجوهرية تمثل نقاط انطلاق الوطن والمواطن نحو التقدم والنهضة. وهذه القضايا هي التعليم, والرعاية الصحية, وتنمية الثروة الزراعية, وحتي تتضح أولوية هذه القضايا في صنع المستقبل.
السودان: أين الخطأ؟
وعن السودان: أين الخطأ؟ كتب حيدر إبراهيم علي في صحيفة البيان: فالمثقف السوداني لم يستطع التخلص من قوة ثقافة المجتمع التقليدي الذي ولد ونشأ فيه، فكانت سطوة التقاليد لا تقهر. فقد رضي المثقف بهذه العلاقة المتناقضة خشية الصدام مع المجتمع، مرددا: يجب أن نحترم عاداتنا وتقاليدنا، دون الجرأة على اختبار صلاحية وفعالية هذه العادات والتقاليد.
وكان هذا الوضع من أسباب الأزمة السودانية بالذات في علاقة الشمال والجنوب أو العرب وغير العرب. فقد كان المثقف الشيوعي التقدمي الشمالي أو الأخ المسلم الملتزم«العربي»، يقف نفس موقف جدته أو والدته لو تقدم شاب جنوبي أو من قبائل زنجية للزواج من أخته.
وقد تبنت النخبة السودانية بمختلف توجهاتها الفكرية رواسب الشعور العنصري فساهمت في تكريس عدم التمازج القومي. ومن الواضح أن عجز النخبة السودانية في هذه الجبهة الثقافية والعرقية قد فاقم أزمة نهوض الدولة الوطنية القائمة على المواطنة، والتي كان يجب العمل على تأسيسها منذ الاستقلال.
تخلت النخبة السودانية عن مسؤولية بناء وطنها حين قررت بحسم وأنانية منقطعة النظير، أن تبني نفسها أولا وللسودان رب يحميه. ومنذ منتصف سبعينات القرن الماضي اندفعت النخبة السودانية في عملية «الاغتراب».
وهي بالفعل اسم على مسمى، إذ لم يكن مجرد اغتراب جغرافي في المكان بل اغتراب شامل طال العقل والسلوك والذوق وحب الوطن وأصبح الوطن حقيبة وتطاولوا في البنيان والاستهلاك. وانتقل الوطن من المليون ميل مربع إلى الفضائيات.
وصاروا يهددون أطفالهم بالذهاب إلى السودان، ولو جاءت بهم ظروف الدراسة فهذا هو الجحيم. وإذا عدنا إلى سؤال البداية، لعلمنا أن ذلك السوداني المتفوق ظل غريبا عن وطنه باستمرار حتى قبل أن يغادره، لذلك حرم الوطن من العطاء ورد الجميل رغم أن الوطن قطع من لقمته ليعلمه ويرفع من قدره.