الطفل التوحدي (1) تاريخ التوحد !!
دخلت حجرة الكشف أسرة مكونة من أب وأم وطفلهما البالغ من العمر 6سنوات .الأب في متوسط العمر ، والأم شابة ، وكان يبدو على وجههما درجة من درجات القلق والتوتر ... أما الابن فقد جلس في مقعد بعيدا عن الأب والأم ... حيث كان يمسك بلعبة قديمة في يده ويلعب بها بشكل متكرر وبصورة غير طبيعية وعندما وجهت له التحية لم يرد عليها ، وعندما حاول الأب أن يجلسه في كرسي قريب أو أن يأخذ منه اللعبة التي يلعب بها قاوم ذلك بصورة عنيفة ... وطوال فترة الكشف لم يحاول النظر في وجهي.
ثم بدأ الأب في عرض التقارير والروشتات والفحوصات التي يحملها من الأطباء السابقين ...وأنهى كلامه بان الجميع قد أخبروه أن ابنه يعانى من حالة من الحالات المرضية التي تسمى التوحد أو الذاتوية... وهنا سألت الأم ... ما هو مرض التوحد أو الذاتوية يا دكتور؟ وما هي أعراضه ؟ وهل هذا المرض وراثي ؟ وهل له علاج ؟
أعطى الطبيب ظهره للوالدين و بدأ ينظر من نافذة مكتبه و كأنه يتذكر التاريخ الأليم لهذا المرض ... ثم توجه لهما و قال :
كان ليو كانر Leo Kanner، وهو طبيب نفسي للأطفال، أول من استعمل لفظة التوحد في العام 1943، عندما وصف مجموعة من الأطفال المنزوين و المنطوين على أنفسهم . في تلك الفترة، كان يعتقد أن التوحد نتيجة علاقة باردة بين الطفل والأهل. فقد عزا برونو بتليهيم Bruno Bettleheimوهو عالم ومحلل نفسي، التوحد في العام 1960 إلى علاقة مضطربة بين الطفل وأمه فينعكس إحباطها ويأسها ونقص حنانها على الطفل ما يجعله ينفصل عن الواقع. وفي أواخر الستينات، لعب برنارد ريملاند Bernard Rimland وهو والد طفل توحدي ومؤسس الجمعية الأميركية للتوحد، دوراً مهماً لوضع مقاربة تستند على علم الأعصاب بغية الكشف عن اسباب التوحد. وأعلن ريملاند سنة 1978 أن 10% من المتوحدين يتمتعون يقدرات غير عادية في مجال الفن أو الرياضيات أو قوة الذاكرة مقارنة مع 1% من المتخلفين عقلياً، وقد وصفهم ريملاند "بالعلماء التوحدين".
وفي العام 1994، قامت الجمعية الأميركية لعلم النفس في كتيبها الاحصائي التشخيصي الرابع(DSM-IV) بتصنيف التوحد وبعض الاضطرابات المرتبطة به تحت عنوان عريض هو اضطرابات النمو العامة التي تتضمن:
1- الاضطراب التوحدي الذي أشرنا إليه آنفاً بالتوحد.
2- اضطراب اسبرجر Asperger .
3- اضطراب ريت Rett .
4- اضطراب الطفولة الذهاني.
5- اضطرابات النمو العامة غير المحددة.
بدت علامات الحزن على وجه الأب و الأم خوفاً على وليدهما ... و سأل الأب الطبيب مستفهماً : و لكني لم أسمع أبداً عن هذا المرض هل نسبته نادرة إلى هذا الحد ...
أجاب الطبيب في هدوء وهو يكمل الحديث ..
تقدر نسبة الإصابة بهذا المرض بنحو 1 بين كل 500 طفل وبالغ في الولايات المتحدة الأمريكية ولا تتوفر إحصائيات دقيقة عن عدد المصابين في كل دولة وما يعرف أن إعاقة التوحد تصيب الذكور أكثر من الإناث أي بمعدل 4 إلى 1، وهي إعاقة تصيب الأسر من جميع الطبقات الاجتماعية ومن جميع الأجناس والأعراق.
كما تقدر نسبة شيوع اعاقة التوحد عالميا بـ 4 - 5 حالات توحد كلاسيكية في كل 10.000 مولود ومن 14 – 20 حالة ( أسبيرجر ) توحد ذا كفاءة أعلى ويوجد التوحد في جميع أنحاء العالم وفي جميع الطبقات العرقية والاجتماعية في العائلات .
وتشير الإحصائيات الحديثة إلى أن نسبة الإصابة بالتوحد في ازدياد مقارنة مع الاضطرابات العقلية الأخرى كالصرع والشلل الدماغي والتخلف العقلي أما مركز الأبحاث في جامعة كامبردج فقد أصدر تقريرا بازدياد نسبة مرض التوحد حيث أصبحت 75 حالة في كل 10.000 من عمر 5-11 سنة وتعتبر هذه نسبة كبيرة عما كان معروف سابقا وهو 5 حالات في كل 10.000 .
كما أن 60 – 70 % من المصابين بالتوحد مصابون أيضاً بالتخلف العقلي ، أما من رزقوا بالذكاء الطبيعي منهم ، فقد يجدون صعوبة في الاعتماد على النفس في الحياة ، وذلك لشدة الخلل في المهارات الاجتماعية واللغة ونمط التعلم غير العادي ، إلا أن 25% لديهم ذكاء طبيعي أو فوق المعدل ، كما أن البعض قد تكون لديهم مهارات فائقة في الرسم أو الرياضة أو غيرها من المهارات الفنية ...
وقد لوحظ إن حوالي 40% من الذاتويين لديهم معامل ذكاء يقل عن (50-55) وحوالى 30% يتراوح معامل ذكائهم بين ( 50-70 ) ويلاحظ أن حدوث الذاتوية يتزايد مع نقص الذكاء فحوالي 20%من الذاتويين لديهم ذكاء غير لفظي سوي .
وبالطبع توجد مراكز لعلاج التوحد في أكثر من 13 دولة حول العالم قبل سنوات وازدادت الآن بشكل كبير مع ازدياد المرض الذي تضاعفت نسبة زيادته 4 أضعاف عن قبل .
الأب في اهتمام : أنت إلى الآن لم توضح لي ما هو هذا المرض وما هي أعراضه .. وما أسبابه وكيف العلاج ؟!
وفي هذه اللحظة قطع الحديث صوت ارتطام اللعبة القديمة التي كانت في يد الطفل التوحدي بزجاج نافذة حجرة الكشف .. وبدأ الطبيب والأب والأم كل منهم ينظر إلى الطفل نظرة تعجب وتفحص ... هذه النظرة هي التي حللت سلوك الطفل التوحدي وهذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..