ندى ..علمتني الحب..!!
جاءنى صوتها الحبيب عبر الهاتف :لابد أن ألقاك..أود أن أتحدث معك في أمر هام!
قلت: مرحباً وأهلاً بك أم ندى, تفضلي بعد صلاة المغرب نشرب الشاي سوياً ونتكلم.
وفى الموعد حضرت أم ندى .. أختي وحبيبتي في الله تعالى، وبينما أكواب الشاى الساخن في أيدينا،بدأتها بالسؤال:هيا أخبريني ما هو الأمر الهام؟
أجابت قائلة:كنت اتحدث مع إحدى صديقاتى عبر الهاتف بينما أقبلت علىّ ابنتى" ندى" ذات الأعوام الثمانية تريد شيئاً،فوضعت يدى عليها أستمهلها ريثما أنتهى من المحادثة،ثم ضممتها- تلقائياً- إلىّ وقبلتها،وأنهيت المحادثة فإذا بندى لا تزال واقفة أمامى ..لتسألنى:"ماما..أنتي بتحبيني؟!!"
أجبتها مباشرة: طبعاً يا ندى..جرت من أمامي وتركتني مع الأفكار التي أثارها هذا الموقف، وذاك السؤال..!وكأنما نبشت بهذا السؤال قبرا في صدري لطالما دفنت فيه حبي لها..نعم أحب أبنائي جداً مثل جميع الأمهات ولكنه حب أخرس لا يسمعون له صوتاً ولا يجدون له طعماً أو رائحة..لقد انتبهت إلى أنني لا أقبّل "ندى"أو أضمها أو أناديها بحبيبتي..،ومنذ تلك اللحظة وأنا أحاول أن أعوضها عمّا فات، ولكني لم أكن أتصور أن إظهار مشاعر الحب له كل هذه القيمة لدى الأبناء !!
قلت لها: إن ما غاب عنك يا عزيزتي قد غاب كذلك عن كثير من الآباء والأمهات، إن الأبناء هم منحة الله إلى الآباء، والقدرة على رعايتهم ب"حب" هي الشكر الواجب لهذه المنحة الإلهية.
هذا المفهوم يجب أن يستقر في أذهاننا نحن الآباء والأمهات وهذا المفهوم يعد أسلوبا تربويا،وسلاحا إنسانيا عجيبا.
قالت أم ندى: ومن منا لا يحب أبناؤه؟ إنهم أحب وأغلى شيء لدينا في الوجود !
قلت: نعم إننا كُلنَا كآباء وأمهات نحب أبناءنا، ولكن ..كم منّا يخبر أبناءه أنه يحبهم؟..كم منّا يشعرهم بهذا الحب؟
إنّ إبداء مشاعر الحب للأبناء والتعبير عنه بشتى الصور له مكاسب تربوية عديدة،
فهو يبني ولا يهدم..يشيع الطمأنينة والمتعة والراحة في نفوس الأبناء، وينفي عنهم العذاب والقلق والحيرة.
فالحب هو أسهل طريق للحصول على برّ الأبناء وطاعتهم:
يقول خبراء التربية أنّ الطفل الذي يشبع من الحب والحنان يكون أكثر ميلاً للطاعة والتعاون والانضباط ، وهذا أمر صحيح؛حيث أن مشاعر الحب الواضحة من شأنها أن تقيم جسور الارتباط القوية بين الآباء وأبنائهم، مما لا يجعلهم مطيعين فقط؛ بل يجعلهم يتشوّفون ما يريده آباءهم وأمهاتهم ويبادروا إلى تنفيذه قبل أن يطلبوه في مبادرة ذاتية تضع رضا الوالدين فوق كل مطالب النفس والذات،وذلك حتى يثبتوا لهم جدارتهم بهذا الحب،بينما نجد من حُرِمَوا من هذه المشاعر من الأبناء يلجأون غالباً إلى إزعاج والديهم لتنبيههم إلى حاجتهم المفقودة، فالذي يبذر الحب في قلوب أبنائه يحوّلهم إلى جنود يحرسونه، وعمال يخدمونه، وإلى مظلاتٍ تقيه حرّ الشمس..
وهو أيضاً خير وسيلة للتوجيه وإسداء النصائح التربوية:
والنبي r هو خير من أرسى دعائم هذا الأسلوب الرائع في التربية وأقام عليها صرحها الشامخ الذى خرّج لنا بدوره جيل الصحابة التي أصبحت خير مثال يحتذى للشخصية المتوازنة والمتكاملة البنيان، وذلك يتضح بجلاء من خلال مواقفه r التربوية مع صغار الصحابة سناً الذين ربّاهم على عينه، فصاروا من كبارهم قدْراً رغم حداثة أسنانهم، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنّ النبي r أخذ بيده وقال:" يا معاذ والله إني لأحبك، والله إني لأحبك، فقال أوصيك يا معاذ لا تدعن دبر كل صلاة تقول: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"-أخرجه أبو داود في سننه
لاحظي في هذا الموقف اللمسات التالية:
- التلامس من خلال الأخذ باليد.
- التقديم بعبارة "والله إني لأحبك" المؤكدة بالقسم.
- تكرار اسم معاذ t أكثر من مرة.
- عبارة"أوصيك"بعد هذه المقدمات.
كل ذلك سيجعل المتربى حريصا على تنفيذ تلك الوصية،متقبلاً لها بصدر واسع رحب بعد أن وصلته مفعمة برسائل الحب في غاية الوضوح والقوة،لتلقى منه القبول والطاعة،لأن الذي يحب أحداً يحرص كل الحرص على أن يسعده،ويبذل له كل ما يستطيع،حيث تختزل الدنيا كلها في شخص المحبوب،فيصبح إرضاؤه وكأنه إرضاء للدنيا كلها،وإغضابه ومخاصمته،وكأنه إغضاب ومخاصمة الدنيا كلها..!!
إذن ما علينا إلا أن نتحول إلى محبوب لأبنائنا،حينئذ سيحرص الإبن دائماً على أن يفعل ما يسعد محبوبه،ويبتعد عن كل ما يغضبه.
ولابد أن نظهره للأبناء ولا يظل حبيس الصدور!!
فلعلك تعرفين أن التعبير عن الحب من الأمور التي تزيده وتنميه،ولذلك كان من وصايا النبى r إلينا:" إذا أحب أحدكم أخاه،فليخبره أنه يحبه"،فهل نترك أبناءنا يقرءون ما بين السطور حتى يعلموا أننا نحبهم؟ لا،ولكن نظهر حبنا الكبير لهم مؤكداً بألف دليل :أظهري لابنتك قيمتها عندك، وقدرها في قلبك..عانقيها إذا أقبلت عليك، شُدي على يديها،واربتي على كتفها وظهرها..أخبريها أنك تحبين الكثير من الأشياء التي تحبها..وتقدرين ما تقوم به من أعمال مهما كانت بسيطة..تسامحي مع أخطائها، وتذكري أنّ هذا النوع من الحب هو الأساس القوي لشعور الأبناء بالأمن والاستقرار، ونمو عواطفهم، بل وعقولهم بشكل سليم.
إن أحبابنا الصغار مشاعرهم كاملة وتجاربهم محدودة، ولهذا السبب تكون التصرفات والكلمات العاطفية شديدة التأثير فيهم، فليس أمامنا إذن سوى الدخول إليهم من باب اللطف والرحمة والعطف والحنان والبذل...من خلال الهدية والملاطفة والبسمة والنظرة، فينعكس ذلك على نفوس الأبناء بالسرور والرضا والبشر والأمن، وفى تلك اللحظة يصبح الباب مفتوحاً للدخول إلى نفوسهم وعقولهم وزرع القيم والمبادئ والمفاهيم السليمة فيها.
إن الحب الذى نريده-أختى الحبيبة-يعنى ببساطة أن تصبح مسافة الهواء التي تفصل بين جسد الطفل وجسد والديه مملوءة بالدفء والحنان ..يتنفسه أبناؤنا مع الهواء ويدورون في فلكه آمنين سعداء وإن لم يروه بأعينهم.
قالت أم ندى وهى تهم بالنهوض:
الحمد لله تعالى أنّ هذا الموقف قد حدث، حتى أنتبه إلى تقصيري في حق ابنتي وأبدأ معها صفحة جديدة ..أكتب عليها بكل جوارحي كلمات ولمسات الحب المسموعة والمرئية ..وشكراً لك، فقد أصبح الأمر عندي أكثر عمقاً وأهمية بعد حديثنا .
قلـت: لا تشكريني ..إنّ من تستحق الشكر حقاً هي "ندى"فقد علمتنا بسؤالها درساً رائعاً في الحب!!