عود طفلك كرم رمضان

عود طفلك كرم رمضان
"يزيد بن المهلب".
أمير من أمراء المسلمين في دولة بني أمية، تغير الدهر عليه فأودع السجن، ولكنه استطاع الفرار منه، وبينما هو وفتاه يسيران في وسط القفار والصحارى، فإذا بهما يقابلان راعٍ ومعه بعض الشياه، فقال يزيد لفتاه: (استسقنا من هذا اللبن)، فذهب الفتى إلى الراعي، واشترى منه بعض اللبن، فأمر الأمير فتاه أن يعطي الراعي ألف درهم، فقال الفتى للأمير: ولكنه لا يعرفك أيها الأمير، فقال له الأمير: (ولكني أعرف نفسي).
عزيزي المربي، هكذا تكون النفوس السامية الراقية، دائمًا هي كريمة جوادة معطاءة، باذلة للخير في كل نواحيه وفي كل مجالاته، حتى ولو كانت في أحلك الظروف والمواقف كما رأينا من "يزيد بن المهلب".
ونخص بالخير رمضان.
لا شك أنك تريد من طفلك أن يصبح كريم النفس، جواد اليد، باذلًا للخير؛ فإذًا لم تسنح لنا فرصة أعظم من شهر رمضان المبارك، شهر الجود والكرم، الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم كما يصفه ابن عباس رضي الله عنه أجود من الريح المرسلة التي تنشر المطر والزرع والنماء، فمن الضروري أن نزرع حب العطاء عند صغارنا، مستغلين الجو الإيماني الجماعي الموجود في شهر رمضان، شهر الخير والعطاء في غرس حب الإنفاق عند طفلك.
لماذا من الصغر؟
لأن هناك عبادات كثيرة يجب أن يتعلمها طفلك منذ صغره؛ ليعتاد عليها، ويحسن أداءها عندما يبلغ سن التكليف، ومنها الإنفاق في الخير؛ فللمال وقع في القلب، وإذا لم يعتد طفلك على حب الخير أكثر من حب المال؛ لن يستطيع أداء هذه العبادة.
خير الناس أنفعهم للناس.
لو تأملنا نصوص الكتاب والسنة سويًا أيها المربي الفاضل؛ لوجدنا أن الشرع الحنيف قد منح باذلي الخير مكانة عالية رفيعة، فلأنهم اقتطعوا من أموالهم ومن طعامهم ليبذلوها للمحتاجين في سبيل الله، ولأنهم آثروا غيرهم بالخير؛ فأكرمهم الله جزيل الثواب، فيقول الله تعالى مادحًا المؤمنين في سورة "المؤمنون": ((والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة)) [المؤمنون:60]، ويقول تعالى: ((والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم)) [المعارج:24-25]، ويقول تعالى عنهم في سورة الإنسان: ((ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتميًا وأسيرًا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا)) [الإنسان:9].
ولباذل الخير وعود نبوية عديدة رواها لنا رجال الصحابة رضي الله عنهم؛ فهذا وعد بالظل يوم القيامة: ((كل امرئ في ظل صدقته حتى يُقضى بين الناس)) [صححه الألباني]، ووعد آخر بمضاعفة الثواب فعن أبي مسعود ألأنصاري قال: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة)) [رواه مسلم]، ووعد ثالث بأنها تطفئ غضب الرحمن تعالى: ((صدقة السر؛ تُطفئ غضب الرب، وصلة الرحم؛ تزيد في العمر، وفعل المعروف؛ يقي مصارع السوء)) [صححه الألباني].
ثمان وسائل عملية لتعليم ابنك الكرم.
1- حينما يشتري علبة من الحلوى مثلًا؛ اجعله يضعها في طبق، ثم يدعو إخوته ليأكلوا منها جميعًا.
2- اجعله يشاهد أفلام الكرتون الهادفة التي تدعو إلى الكرم وتحث على بذل الخير، وتوضح ثواب فاعل الخير في الدنيا والآخرة، وأنه يصبح رجلًا محبوبًا بين الناس.
3- اجعله يشارك إخوته وأصحابه وجيرانه في ألعابه وممتلكاته، وامدحه كلما فعل ذلك حتى يترسخ حب هذا السلوك في قلبه.
4- اشترِ له حصالة ـ في رمضان على وجه الخصوص ـ واجعله يضع فيها مبلغ من المال من مصروفه يوميًا؛ حتى إذا انقضى الأسبوع أخذه وأعطاه لأحد الفقراء أو المحتاجين.
5- قم بعمل خيري على مستوى الأسرة؛ فلا بأس أن تتولى أنت مشروع لتجميع الملابس، أو لتجميع المال لإفطار الصائمين على مستوى عائلتك؛ واجعل ابنك يشارك بقية أطفال العائلة في هذا المشروع.
6- كون فريق عمل من أطفالك الصغار أو صغار العائلة وفتيانها؛ لجمع زكاة الفطر وإيصالها، وقم بعمل قائمة بالمستحقين، ووزع الفريق إلى مجموعات, ثم لينطلق كل فريق إلى عمله، أو شاركهم في مشروعات لإفطار الصائمين، واطلب من بناتك القيام بإعداد الوجبات.
7- إذا صادفك في الطريق سائل؛ اعط طفلك قدرًا من المال، واطلب منه أن يضعه في يد السائل؛ فإن ذلك له أثر كبير على نفس الطفل، وسيغرس فيه حب الكرم والصدقة.
8- مطالبة الطفل بإيصال وجبة رمضانية لأحد الفقراء؛ ليرى بنفسه فرحة الفقير، وأيضًا الجار، ولا تدع الفرصة تفوتك عن تعليمه عن حق الجار، فقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من فطر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء)) [صححه الألباني].
قصة مؤثرة.
وختامًا أيها المربي الفاضل؛ هذه قصة مؤثرة لطفل كريم، عوده أبواه الكرم وبذل الخير، فاجعل أولى وسائل تعليم ابنك الكرم أن تقص له هذه القصة الجميلة.
في يوم من الأيام كان موظف مؤسسة مكة المكرمة الخيرية بالمدينة المنورة جالسًا، في مكتب المؤسسة، بشارع الحزام، إذ دخل عليه طفل صغير، يحمل في يده كيسًا مملوءًا، ووضعه أمام الموظف، وأراد أن ينصرف، فطلب الموظف من الطفل أن ينتظر حتى يفتح الكيس، ويعد النقود أمامه، ويعطيه إيصالًا بالمبلغ، إلا أن الطفل أصر على أن لا يفتح الكيس في حضرته، ولا يعلم كم أنفق، فتركه ينصرف.
يقول الموظف: فتحت الكيس فوجدت فيه ورقة بخطه الصغير تقول: (نصف المبلغ لفقراء المدينة، ونصفه الآخر للمشاركة في بناء مسجد)، ثم كانت المفاجأة؛ حيث اتضح أن المبلغ يتكون من عملات خليجية، ما بين "الريال السعودي"، و"الدرهم الإماراتي"، و"الدينار الكويتي"، و"الفلس البحريني"، ومعظم المبلغ عملات معدنية، من فئة الريال، ونصف الريال، ونصف الدرهم، وهللات، وفلوس، وقد بلغ مجموع ما في الكيس ( 160 ) ريالًا تقريبًا، ثم جلست والدهشة تلفني، وأنا أقول في نفسي: طفل يتصدق بهذا المبلغ الكبير بالنسبة له، والله أعلم كيف جمعه!! أمر يدعو للدهشة والغرابة، ويدل على أن هذه الأمة بخير مادام فيها مثل هذا الطفل البريء).
فرغب ابنك في بذل الخير، بارك الله لنا في أولادنا، وجعلهم ذخرًا للإسلام والمسلمين.