مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

عمليًّا: علاج العدوان لدى الأطفال

6 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

عمر السبع

إدخال تعديلات على الحالة النفسية للطفل

(وذلك بالعمل على تخفيف الضغوط التي يعاني منها الطفل؛ فلا يُعقَل أن يواجه الطفل هذه الضغوط من البيت ومن المدرسة، ويُحرَم الاندماج في جماعة الرفاق؛ بل ينبغي العمل على تعويض الطفل بظروف أفضل خارج البيت؛ فالخبرات الطيبة في المدرسة يمكن أن تساعد الأطفال عندما تصادفهم المتاعب في البيت، كما قد يكون للمشاركة في النادي أو في غرفة رياضية، أو حتى فرصة الانضمام لصحبة طيبة من أطفال نفس السن، أثر طيب في تخفيف الضغوط التي يعاني منها الطفل.

وليكن واضحًا لنا باستمرار أنه من خير الطرق، التي يمكن للكبار انتهاجها لمساعدة الأطفال في هذا الشأن؛ هي أن يعلموهم الفرق بين المشاعر العدائية باعتبارها انفعالًا طبيعيًّا لا ينبغي للأطفال أن يستشعرون بسببه الإثم، وبين السلوك العدواني الذي ينبغي فرض الحدود عليه، وذلك أنه من اليسير على الأطفال إذ يحاولون تحقيق المعايير التي يفرضها مجتمع الكبار أن يسيئوا فهم ما ينتظره منهم الكبار؛ فقد يتوجسون خيفة من أن يلاموا على مشاعرهم مثلما يلامون على أفعالهم.

إننا لا نستطيع استئصال العدوان من نفوس الأطفال بإنكارنا وجود العدوان في تلك النفوس، ولكننا نستطيع أن نساعدهم على تعلم مقاومة هذا الانفعال؛ حتى لا يصبح من الشدة بحيث يعجزون ونعجز معهم عن التحكم فيه.

ولا مناص من أن يشعر الطفل بالغضب بين الفينة والفينة، بيد أنه يستطيع الامتناع عن تصريف هذا الشعور دون حاجة لضغط خارجي، وأن مهمتنا كآباء ومربين هي:

(أن نتقبل المشاعر العدائية بوصفها جزءًا طبيعيًّا من حياة الطفل، وأن نساعد الطفل على أن يعتاد التحكم في دوافعه العدائية) [عدوان الأطفال، محمد علي قطب ووفاء محمد عبد الجواد، ص(55)].

ولكن أهم التعديلات التي لابد أن نجريها على الحالة النفسية للطفل؛ حتى نحميه من الوقوع في العدوان ابتداءً:

1. التربية بالحب.

2. لابد أن نُعلِّم أطفالنا أن يواجهوا إخفاقاتهم.

1. التربية بالحب:

(الحب هو الغذاء النفسي الذي تنمو وتنضج عليه الشخصية، وإذا أعطى الطفل الحب الواعي المستنير سيمتلئ ثقة بنا واطمئنانًا إلينا، وبالتالي ثقة في نفسه واطمئنانًا إلى العالم الذي حوله، وهو أهم عوامل خروجه عن أنانيته وتركيزه على نفسه.

ولا نقصد بذلك الحب الغشيم المطلق، الذي يخاف عليه من الأذى فنحوطه بعناية مبالغ فيها، ونحصي عليه خطواته ونكاد نمنعه من أي نشاط مستقل خشية لما يتعرض له من ضرر، فهذا الحب سيجعله ينظر إلى العالم حوله كأنه مستودع أخطار لا يعرف كيف ومتى يواجهه، أما الحب الناضج فإنه ينمي قدراته) [الصحة النفسية للطفل، د.حاتم محمد آدم، ص(207)].

ولابد أن يشعر الابن دائمًا بمشاعر الحب من والديه، مشاعر مترجمة إلى كلمات وأفعال، ووقائع عملية في كل وقت حتى عندما يخطئ الابن، فأنت لا تكرهه هو، وإنما تكره فعل الخطأ الذي قام به.

إن الطفل الذي يَشبَع من الحب والحنان يكون أميل إلى الطاعة والتعاون؛ ولذا فالحب والعطف ركنان أساسيان من أركان تربية الطفل.

ومن الخطأ أن يعتقد الآباء أن المحبة هي توفير الحاجيات والملابس والهدايا والمآكل الطيبة وما شابه ذلك، فالحب الحقيقي الذي لا ينتبه إليه الكثير من الآباء هو: عاطفة ومشاعر وتفهُّم.

وللأسف فكثير من الآباء يظنون أن الطفل كائن هلامي لا يشعر ولا يحس، ولكن على العكس؛ فالطفل شديد الحساسية يتأثر أكثر من غيره بأسلوب المعاملة التي يتلقاها؛ ولكن مشكلته الوحيدة هي أنه لا يحسن التعبير عن هذه الحساسية، أو بعبارة أدق وأكثر موضوعية، هو أن الكبار ليسوا في مستوى فك الرموز والرسائل غير الشفوية التي يبعث بها الطفل مستنكرًا طرق التعامل معه أو محتجًا أو معارضًا، فلا تدمر الحب إذًا بأن تسخر من الطفل؛ كأن تسخر من عيوبه وإخفاقاته الطبيعية، فلكل جواد كبوة.

إياك أن تستهزئ به: كأن تصفه بأوصاف الحيوانات، أو بإطلاق الألقاب السيئة عليه.

تجنب الاتهام المتكرر: كاتهامه بالفشل دائمًا، أو المس بأمانته وقدراته.

واحذر الخطاب المهين: من خلال ألفاظ وجمل معينة مثل: أنت غبي، لا تفهم كالحمار، أخجل لكونك ابني، لن تنجح أبدًا، تأكل كالحيوان، يا ليتك مثل أخيك.

كل هذا يهزم الطفل داخليًّا، ويُضعِف ثقته بنفسه، ويجعله متجنبًا للجميع، ويترك صداقة أمه وأبيه، ويجعله في النهاية يسلك مسلكًا عدوانية؛ لا لأنه يضمر العداء لأحد، ولكن لأنه يفتقد الحب والحنان والعطف منك، فإذا وجده استقرت نفسه وهدأ قلبه، وأصبح إنسانًا سويًّا يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف.

وجماع الحب قبلة ترسمها على رأس طفلك، فيسري عبير الحب في كل نواحي البيت، ليعمره الهدوء والسكينة والراحة والطمأنينة، ولن تكلفك هذه القبلة شيئًا، ولن تحتاج منك جهدًا، ولا تظن أن هذه القبلة تمر على الطفل هكذا دون أن يشعر بها، لا، إن لها دورًا فعالًا في حياة الطفل، وفي تحريك مشاعر الطفل وعاطفته، وهي دليل رحمة القلب للطفل، ثم هي أولًا وأخيرًا سنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

2. لابد أن نُعلِّم أطفالنا أن يواجهوا إخفاقاتهم:

لابد أن نُعلِّمهم الطريقة الصحيحة في التعامل مع الإحباط، لابد أن نُعلِّمهم أن الاستسلام للإحباط لن يجدي شيئًا، وأن الحل في المواجهة، وأن نقوي فيهم الشعور بالتفاؤل والثقة بالله.

لابد أن نُعلِّمهم أيضًا، أن الوقوع في الخطأ لا يعني الفشل، وإنما النجاح يولد من رحم الفشل.

وعلينا أن نُعلِّمهم أيضًا، أن الخطأ فرصة للتعلم، وأن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، وبهذا يكون الإحباط من الخطأ دافعًا لعدم الوقوع فيه مرة أخرى وفرصة للتعلم.

(وينبغي أيضًا في المرحلة الأولى من حياة الطفل الدراسية تكريس شعور هام آخر لديه مرتبط بنشاطه الذهني الآخذ بالتشكيل، وهو الشعور بالنجاح، إن هذا الشعور يولد لدى الطفل في مرحلة مبكرة جدًّا، فهو يفرح كثيرًا عندما نثني عليه ويشعر ببالغ الأسى، إذا وجهنا إليه اللوم أو التأنيب على أخطاء ارتكبها.

إن شعور الفرح يقوي الرغبة في القيام بالأعمال المختلفة بشكل أفضل وأدق، أما التكدر فإما أن يطفئ الرغبة والاندفاع أو على العكس أو يُولِّد موجة من الطاقات للسعي لتصحيح الأخطاء وتجاوز الهفوات، والحصول على نتائج أفضل، بيد أن المشاعر الإيجابية بشكل عام تعتبر دوافع أقوى لتحفيز النشاط النفسي، بالمقارنة مع شعور الفشل؛ لذا ينبغي تنمية هذا الشعور قبل غيره من المشاعر خلال العملية التربوية.

ولذلك، نحاول دومًا عدم ترك أي ثغرة في مواظبته على الدراسة، أيضًا ليس علينا أن نجاهد دومًا في إبراز المساوئ والأخطاء التي يرتكبها طفلنا عند كل خطوة يقوم بها.

وبهذا نُركِّز الانتباه على نواقصه وعدم مقدرته على النجاح، ناسين أننا بهذا نُكرِّس لديه الشعور بالفشل، ذلك الشعور الذي لا يبعد سوى خطوة واحدة عن شعور فقدان الثقة بالنفس.

بالإضافة إلى ذلك، فإن مثل هذا الأسلوب التربوي في التأثير على الطفل لا يؤدي إلى توليد الانفعالات السلبية في نفسه، وإعاقة تطوره النفسي فحسب؛ بل يعرقل عملية تَكوُّن الخبرات الدراسية المختلفة لديه؛ كالكتابة والقراءة وحل المسائل الذهنية، أي أنه يعرقل نشاطه الدراسي بشكل عام، في حين أن الأبحاث العليمة تشد بأن جملة تأثيراتنا على الطفل التي ترتكز إلى تنمية شعور النجاح لديه، وتقوية هذا الشعور بالثناء والمكافأة، يعطي ثمارًا ونتائج باهرة.

إن شعور النجاح المدعَّم بالثناء والمكافأة يعمل على تعزيز الثقة بالنفس، فكل إنسان مدعو لمعرفة ما يملك من طاقات وإمكانيات وتحديد الهدف الذي يحب أن يبلغه في حياته.

وعندما يكون الإنسان واثقًا من قدراته يصبح من السهل عليه اجتياز الصعوبات التي تعترض سبيله مهما كبرت، ولا يعود يشعر بالخوف مهما كانت الحالة التي تواجهه خطيرة، ولن يسير وراء الآخرين مسلوب الإرادة لأنه واثق بنفسه، ويمكننا تربية الشخصية القوية المستقلة إذا حفزنا في الطفل مشاعر النجاح والثقة بالنفس.

وهنا لا ينبغي التخوُّف من إصابة الطفل بالغرور أو الزهو بالنفس والاعتداد بالذات، بالطبع إذا كان شعور الزهو الاعتداد بالنفس غير مستند إلى أسس وإنجازات حقيقية، وإذا اكتفى الطفل بالنجاحات المحددة التي حققها ولم يسع لتحقيق المزيد؛ فإن مثل هذا الاعتداد بالنفس لن يُقدِّم للطفل سوى الضرر) [تربية مشاعر الأطفال في الأسرة, عبد المطلب أبو سيف، ص(51-52)].

المصادر:

· تربية مشاعر الأطفال في الأسرة, عبد المطلب أبو سيف.

· الصحة النفسية للطفل, د.حاتم محمد آدم.

· عدوان الأطفال، محمد علي قطب ووفاء محمد عبد الجواد.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 7 سبتمبر 2012
  1. قلب مؤمنمحمد السيد عبد الرازق { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: ١٣٩]، هكذا خاطب الله تعالى صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم في قلب ظروف اليأس والهزيمة بعد معركة أحد، ليوجههم إلى أهم خطوة عشباب · 8 د قراءة
  2. الديوان الملكي يعلن مغادرة وزير الخارجية السعودي للمستشفىأعلن الديوان الملكى السعودى، أن وزير الخارجية السعودى الأمير سعود الفيصل غادر المستشفى اليوم، الخميس، بعد إجراء جراحة. وقال الديوان"غادر صاحب السمو الملكى الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية اليوم، الخميس، المستشفى بعد أن استكمل بحمد الله تعالالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  3. الجيش التركي يطلق عملية عسكرية واسعة ضد "مواقع كردية"مفكرة الاسلام: أطلق الجيش التركي عملية عسكرية برية وجوية واسعة النطاق ضد مسلحي حزب العمال الكردستاني في جنوب-شرق البلاد حيث أوقعت مواجهات عنيفة الأحد حوالى 30 قتيلا، بحسب مصادر محلية. ووصفت مصادر أمنية تركية العملية بأنها "عملية جوية وبرية العالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  4. بشار الأسد مرعوب.. لا ينام سوى ساعة واحدة ويتابع 16 قناة !مفكرة الاسلام: كشف الصحفي السوري، عبد الله العمر، الذي انشق مؤخرًا عن المكتب الإعلامي في القصر الرئاسي في دمشق، أن رئيس النظام بشار الأسد يسيطر عليه القلق الشديد، ولا ينام في اليوم سوى ساعة واحدة أو ساعتين، فضلا عن متابعته 16 قناة فضائية يوالعالم العربي والإسلامي · 2 د قراءة
  5. 70 قتيلا في سوريا بـ"جمعة حمص تناديكم"مفكرة الاسلام: أعلنت لجان التنسيق المحلية عن سقوط 70 قتيلا بنيران ميليشيات بشار الأسد في مناطق مختلفة من البلاد، حتى اللحظة يوم الجمعة، وذلك بالتزامن مع دعوات لمظاهرات تحت شعار "حمص تناديكم" تضامنا مع المدينة المحاصرة منذ أشهر. وكانت مدينتاالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  6. محكمة أمريكية تأمر بإجبار "نضال حسن" على حلق لحيتهمفكرة الاسلام: أصرت المحكمة العسكرية الأمريكية التى تنظر قضية الضابط المسلم "نضال حسن المتهم" بقتل عدد من الجنود في قاعدة فورت هوود العسكرية عام 2009، على أن يحلق المتهم لحيته. وأمر القاض العسكري الكولونيل جريجوري غروس، الطبيب المسلم نضال حالأمريكتان · 2 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: عمليًّا: علاج العدوان لدى الأطفال