التحكم في النفس

محمد السيد عبد الرازق
(عندما كان عمره شهرين وقع الفيل الأبيض الصغير في فخ الصيادين في إفريقيا، وبيع في الأسواق لرجل ثري يملك حديقة حيوانات متكاملة، بدأ المالك على الفور في إرسال الفيل إلى بيته الجديد في حديقة الحيوان، وأطلق عليه اسم نيلسون.
وعندما وصل المالك مع نيلسون إلى المكان الجديد، قام عمال هذا الرجل الثري بربط أحد أرجل نيلسون بسلسلة حديدية قوية، وفي نهاية هذه السلسلة وضعوا كرة كبيرة مصنوعة من الحديد الصلب، ووضعوا نيلسون في مكان بعيد في الحديقة.
شعر نيلسون بالغضب الشديد من جراء هذه المعاملة القاسية، وعزم على تحرير نفسه من هذا الأسر، ولكنه كلما حاول أن يتحرك ويشد السلسلة الحديدية أحس بألم شديد، فما كان منه بعد عدة محاولات إلا أن تعب ونام.
وفي اليوم التالي استيقظ الفيل نيلسون وكرر ما فعله بالأمس، محاولًا تخليص نفسه، ولكن دون جدوى، وهكذا حتى يتعب ويتألم وينام، ومع كثرة محاولاته وكثرة آلامه وفشله قرر نيلسون أن يتقبل الواقع الجديد، ولم يعد يحاول تخليص نفسه مرة أخرى، وبذلك استطاع المالك الثري أن يبرمج الفيل نيلسون تمامًا كما يريد.
وفي إحدى الليالي عندما كان نيلسون نائمًا ذهب المالك مع عماله، وقاموا بتغيير الكرة الحديدية الكبيرة بكرة صغيرة مصنوعة من الخشب، وكان من الممكن أن تكون فرصة نيلسون لتخليص نفسه، ولكن الذي حدث هو العكس تمامًا، فقد بُرْمِج الفيل على أن محاولاته ستبوء بالفشل، وستسبب له الآلام والجراح.
كان مالك حديقة الحيوانات يعلم تمامًا أن نيلسون قوي للغاية، ولكنه يعرف أيضًا أنه قد بُرْمِج على تقبل واقعه الجديد وعلى أنه غير قادر على تغييره، بعد أن فقد إيمانه بقدرته وإمكاناته.
وفي يوم زار الحديقة فتى صغير مع والدته، وسأل المالك: هل يمكنك يا سيدي أن تشرح لي كيف أن هذا الفيل القوي لا يحاول سحب الكرة الخشبية وتخليص نفسه من الأسر؟ فرد الرجل: بالطبع أنت تعلم يا بني أن الفيل نيلسون قوي جدًّا، ويستطيع تخليص نفسه في أي وقت، وأنا أيضًا أعرف هذا، ولكن الأهم هو أن الفيل لا يعلم ذلك، ولا يعلم مدى قدراته وإمكاناته) [قوة التحكم في الذات، د.إبراهيم الفقي، ص(11-12)].
تغيير النفس:
ليس أشق على الإنسان من جهاده النفس وتغيير مرذول طباعها وتحليتها بمكارم الأخلاق وحسن العادات وفضائل السلوك, قال تعال: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9], وقال عليه الصلاة والسلام: (ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب), وقال الشاعر:
لولا المشقة ساد الناس كلهمو الجود يفقر والإقدام قتّال
وكل سلوك شخصي أو نمط خلقي وراءه خصيصة نفسية منظمة له ودافعة إليه, وحتى يستطيع الإنسان أن يتحكم في سلوكياته ويرتقي بأخلاقه ويضبط تصرفاته, فلا بد أن يلتفت قبل ذلك إلى الداوافع والخصائص النفسية, فما كان منها وراء السلوك المعوج والخلق الذميم فيعرضه لعملة التهذيب والتقليم والقلع والإزالة.
وما كان يطمح إليه من خلق نبيل وسلوك سوي قويم فليسع إلى إيجاد وتنمية الدوافع والخصائص النفسية المواجهة له يوجدها إن لم تكن موجودة وينميها إن كانت موجودة لكنها ضعيفة, وهذا ولا شك عملية شاقة وقد تكون مؤلمة؛ لأنها تهديد وتغيير للواقع النفسي والسلوكي والأخلاقي, والنفس تقاوم أي تغيير أو تهديد لواقعها مهما كان هذا الواقع؛ لأنه مرتبط بقناعات عقدية أو فكرية أو لذات وأفراح قلبية أو بدنية أو عادات مستحكمة؛ ولهذا بداية التغيير تكون من الأساسات التي قامت عليها هذه الأخلاق والسوكيات.
وبالمران والمجاهدة والإلحاح وتغيير القناعات العقلية والعمل الدؤوب تسلس النفس قيادها وتعطي زمامها ويسهل حينئذٍ السيطرة عليها وتوجيهها باستمرار إلى الأفضل.
قال أحمد العارفين: ما زلت أسوف النفس إلى الله وهي تبكي حتى سارت إليه وهي تضحك.
أفض على نفسك رقابة ذاتية ومحاسبة دائمة في أفكارك وعاداتك وسلوكك وأخلاقك وحركاتك وكلماتك (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا), وإليك بعض الصور التي تنفلت فيها النفس وفقد الإنسان السيطرة عليها أثناءها لعلك تحذر بعد ذلك هذه الصور.
بعض الصور انفلات النفس وعدم السيطرة عليها:
إن سبب كان بلاء وشقاء هو انفلات النفس وعدم السيطرة عليها حتى يحجب الهوى العقل, ولهذا الانفلات صور كثيرة منها:
(1- التسويف في تنفيذ الأعمال والتأجيل لما يجب المبادرة إليه إيثاراً للدعة والسكون والراحة والركون.
2- التردد والاضطراب عند محاولة الغقدام على أي عمل تحت ستار الخوف من الفشل أو عدم العمل مالم يتوقع حصول النجح الكامل يقباً.
3- عدم تحمل النفد والغضب لأتفه الأسباب, فإذا غضب حطم كل شيء, لا يراعي أي عواقب أو يحتسب لأي خسائر.
4- الشرود الذهني وعدم التركيز الفكري أثناء العمل.
5- تحميل النفس ما لا تطيق من العمل مما يؤدي إلى القلق والاضطراب وعدم تركيز الجهد وفقدان التوازن.
6- عدم الثقة في النفس وقي القدرة على عمل أي شيء.
7- الملل والسأم وعدم الاستمرار في أي عمل) [حتى لا تكون كلًا، عوض القرني].
علاج انفلات النفس:
انظر أخي الشاب لربك وهو يعاتب موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في تربية قومه يقول الله عز وجل : {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا " لماذا ؟ " سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [الأعراف: 145]، فهذا أول السبيل تهذيب النفس بمخالفة الهوى، فلا تتابع نفسك في كل ما تشتهي، فلا تجبها في كل ما تطلب.
مثال ذلك : أن تعرف من نفسك أنها لا تصبر على طاعة، فإذا قالت لك: هيا لنأكل أو لنذهب لزيارة فلان أو نحو ذلك من المباحات، فقل لها : ليس قبل أن أقرأ وردي من القرآن، فستظل تلح عليك فإن خالفتها ولم تفعل ما تطلبه منك المرة بعد المرة فسوف تتحكم فيها، ومن هنا تعلو همتك ، وتكون صاحب إرادة ، وهذه هي الرجولة الحقيقية فتأمل.
(فمن تابع نفسه في كل ما تطلب أهلكته ، لذلك قال تعالى في عاقبة من يخالف نفسه في هواها {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)} [ النازعات:40-41] وقد بين لنا ربنا حقيقة النفس فقال : {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [ يوسف: 53].
فالنفس قد تكون طاغوتًا يعبد من دون الله دون أن يدري الإنسان منا ، قال تعالى {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [ الجاثية: 23 ].
فاتباع الهوى سبب الضلال ، قال تعالى : {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين} [ القصص: 50 ].
انظر لما أراد الله أن يربي يحيى ليحكم صبيًا قال ربنا جل جلاله: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم:12]، وهو صبي يحكم لأنه تربى على الجدّ والرجولة ، لا على الترف، ولا على الشهوات، ولا على متابعة النفس، ومطاوعة الرغبات، ولا على توفير المطالب، {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا} [مريم: 12 –14] فأين هذه الصفات في شبابنا الآن؟!!) [الجدية في الالتزام، محمد حسين يعقوب].
ورقة عمل:
إن الله أمرنا بالجدية في الإسلام فقال : {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} [الطارق:13-14]، ولذا فإن السيطرة على نفسك هي من الصفات الهامة التي يجب أن تربي نفسك عليها أخي الشاب، ولتتذكر قول الله عز وجل القائل {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: ١١] (فلو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات، ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حسنوا أخلاقكم)، وكيف ينكر هذا في حق الآدمي وتغيير خلق البهيمة ممكن، إذ ينقل الصقر من الاستيحاش إلى الأنس، والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك، والفرس من الجماح إلى سلاسة الانقياد، وكل ذلك تغيير للأخلاق) [إحياء علوم الدين، الغزالي، (2/255)].
وهذه ورقة عمل لتحقق التحكم في النفس:
ـ ليس كل ما تطلبه نفسك تفعله، اربط دائمًا بفعل الأهداف، فمثلًا إذا كنت تريد أن تشاهد مباراة لكرة القدم فقل لنفسك لن أشاهد المباراة إلا عندما عندما أنتهي من المذاكرة.
ـ تذكر أن السيطرة على الذات هي طريقك للنجاح والتفوق، ولذا لا تتباطئ في تحقيق أهدافك فكل دقيقة وكل ساعة تمر دون تحقيق شيئًا مفيدًا في حياتك، هي بمثابة ضياع للوقت والعمر.
المصادر:
· إحياء علوم الدين، الغزالي.
· الجدية في الالتزام، محمد حسين يعقوب.
· حتى لا تكون كلًا، عوض القرني.
· قوة التحكم في الذات، د.إبراهيم الفقي.