كيف أكون مع الله في كل حال 2

3. القرآن
رمضان هو شهر القرآن قال تعالى : {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ} [البقرة: 185].
رسائل ربانية:
إنه لشئ عظيم باهر أن يخص الله الكبير المتعال مالك الملك سبحانه وتعالى، هذا الإنسان الضعيف الصغير القليل بخطابه وبكلامه فعن الحسن بن علي قال: إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربكم فكانوا يتدبرونها بالليل ويتفقدونها بالنهار [ التبيان في آداب حملة القرآن، ص(28)].
إنه كرامة لم تعطى للملائكة:
وهنيئًا لك أختي المسلمة المرتلة للقرآن المتدبرة لمعانيه فأنت في كرامة/ لم تعطها الملائكة الكرام البررة كما قال بن الصلاح: قراءة القرآن كرامة أكرم الله بها البشر فقد ورد أن الملائكة لم يعطوا ذلك وأنها حريصة على استماعه من الإنس [الإتقان في علوم القرآن (1/291)].
علامة حبك لله:
فالله تعالى أعطاك اذن مناجاته من خلال ترنمك بآيات الذكر الحكيم وهو بذلك أعطاك سر محبته وكما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: من أحب القرآن فهو يحب الله ورسوله وتأملي كيف أحب الله عبدًا لمجرد أنه أحب سورة من قصار السور في القرآن وهي سورة الاخلاص، فكان يؤم قومه بها كل صلاة فلما سئل عن ذلك قال: (لأن فيها صفة الرحمن وانا احب ان اقرأ بها فقال صلى الله عليه وسلم: أخبروه ان الله يحبه) [متفق عليه] [مختصر تفسير بن كثير في تفسير سورة الاخلاص].
صلاح القلب بالقرآن:
فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب، ولهذا قال ابن مسعود: لاتهذوا القرآن هذا الشعر ولا تنثروه نثر الدقل وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب لا يكن هم أحدكم آخر السورة، وروى ابو ايوب عن أبي جمرة، قال قلت لابن عباس: إني سريع القراءة إني اقرأ القرآن في ثلاث، قال لأن أقرأ سورة من القرآن في ليلة فأتدبرها وأرتلها، أحب إلي من أن أقرأ القرآن كما تقرأ) [مفتاح دار السعادة، ابن القيم، (1/187)].
تجارة رابحة:
قال الآجري رحمه الله: من تلا القرآن وأراد به متاجرة مولاه الكريم فانه يربحه الربح الذي لا بعده ربح ويعرفه بركة المتاجرة في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} [فاطر: 29-30].
انزع أقفال قلبك:
حرري قلبك من قيود الدنيا وحلقي في سماء القرآن الرحبة وانزعي عن قلبك أقفاله التي تحول بينك وبين التدبر {َفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَ} [محمد: 24]، ولا تكوني أقل من الحجارة الجامدة التي لو أنزل عليها القرآن لتصدعت من خشية الله {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}[الحشر: 21]، واحذري أن تكوني ممن اشتكى منهم النبي صلى الله عليه وسلم الى ربه فقال: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30] وتذكري أن الله يحب أهل القرآن فهم أهل الله وخاصته ولا يرضى عن هاجري التدبر ولو كانوا من حفظته، ويرضى عن التالين الذاكرين المتدبرين، ويشملهم بعطفه ورحمته، لذلك جعل ابن القيم رحمه الله أول سبب من الأسباب العشرة الموجبة لمحبة الله (قراءة القرآن مع التدبر والتفكر لمعانيه وما أريد به كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه ليتفهم مراد صاحبه منه) [مدارج السالكين، (3/7)].
إنه عملك في رمضان:
سئل الإمام الزهري عن العمل في رمضان فقال: انما هو تلاوة القرآن واطعام الطعام ونقل عبد الرازق عن الإمام الثوري أنه كان اذا دخل رمضان ترك جميع العبادات غير الواجبة وأقبل على تلاوة القرآن، وحكى بن عبد الحكم عن الإمام مالك أنه كان إذا دخل رمضان فر من مجالس العلم وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف [وظائف رمضان، ابن رجب، ص(42)، مستفاد من كتاب روح الصيام ومعانيه].
الواجب العملي:
1. حافظي على ورد يومي من كتاب الله واحرصي على أن تختمي القرآن ولو مرة واحدة في هذا الشهر الكريم
2. اقرأي القرآن ترتيلًا واستحضري أن الله يكلمك وأنه أنزله إليك.
3. توقفي عند كل آية فإن كان فيها تسبيح، فسبحي وإن كان فيها نعمة فاشكري الله وإن كان فيه نعيم فاسألي الله من فضله، وإن كان فيها عذاب فتعوّذي بالله منه كما كان يفعل سيد الخلق صلى الله عليه وسلم.
4. كرري الآيات التي تشعرين فيها بالخشوع، فالآية كالتمرة كلما مضغتيها استخرجت حلاوتها.
5. اختمي في رمضان هذا ختمتين، ختمة قراءة بدون تدبر، ثم ختمة بعدها بتدبر لمعاني القرآن والتفكر فيه.
6. حافظي على ورد ثابت لكِ من القرآن، حتى يكون لكِ زادًا في آخرتك.
الههم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وذهاب غمنا وحزننا وذكرنا منه ما نسينا وعلمنا منه ما جهلنا .. آمين
4.الصدقة:
قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل كريم يحب الكرم ومعالي الأخلاق ويبغض سفسافها) [صححه الألباني في السلسلة الصحيحة، (1378)]، وجود الله على عباده يزداد في رمضان وهو يحب من عباده أيضًا أن يزيدوا في الجود والكرم في هذا الشهر الفضيل تأملي معنا حال أجود الناس في رمضان: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن وكان جبرائيل يلقاه كل ليلة من شهر رمضان فلرسول الله حين يلقاه جبريل أجود من الريح المرسلة) [متفق عليه]، (والصدقة برهان) [أخرجه مسلم(1328)] كما قال صلى الله عليه وسلم فهي تبرهن على ايمان صاحبها واحسان صاحبها وسلامة قلبه.
صومي رمضان مرتين: وذلك بافطار الصائمين فأنت بجودك على الصائمين وأصحاب الحاجة تحوزي معهم مثل أجورهم فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من فطّر صائمًا فله مثل أجره لا ينقص ذلك من أجر الصائم شيء) [صححه الألباني في صحيح الجامع، (6415)].
أنفقي ليخلف الله عليك:
قال صلى الله عليه وسلم: ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقًا خلفًا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكًا تلفًا [رواه البخاري(1442)]، وقال صلى الله عليه وسلم: (انفق يا بن آدم ينفق عليك) [متقق عليه] واعلمي أن إنفاق المال لا ينقص من المال شيئًا قال صلى الله عليه وسلم (ما نقصت صدقة من مال) [رواه مسلم].
أشكال الصدقة والجود:
هناك أشكال غير المال من الجود والصدقة منها الاحسان الى الخلق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فانه دعوة الى طاعة الله وتعليم العلم النافع والدعاء للمسلمين وازالة الأذى عنهم كما جاء في حديث(تبسمك في وجه أخيك صدقة وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال صدقة، وإفراغك في دلوك في دلو أخيك لك صدقة) [صححه الألباني في صحيح الجامع، (2908)] وتأملي في هذا الحديث الجامع (كل معروف صدقة) [متفق عليه] فأنت ان جمعت بين القيام وإسحسان الكلام واطعام الطعام فإنك تجازى بذلك الجود جزاء حسنًافقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها وبطونها من ظهورها قالو لمن يا رسول الله قال لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام) [حسنه الألباني في صحيح الجامع، (2123)].
نماذج من الجود:
أخبر عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: ما رأيت امرأتين قط أجود من عائشة وأسماء وجودهما مختلف أما عائشة فكانت تجمع الشئ الى الشئ حتى اذا اجتمع عندها قسمته وأما أسماء فكانت لا تمسك شيئًا لغد [شخصية المرأة المسلمة، ص(362)].
أبو الدحداح وصفقته الرابحة:
وما أجمل هذه القصة العظيمة، التي تدل على أهمية التعاون بين الزوجين على الصدقة، (فعندما سمع أبو الدحداح الأنصاري رضي الله عنه قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245].
فيسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: آلله يستقرضنا؟ فيرد المربي العظيم صلى الله عليه وسلم: (نعم يا أبا الدحداح) فيقول رضي الله عنه: أرني يدك يا رسول الله فإني قد أقرضت ربي حائطي، وحائطه ذلك يومئذ من أجمل بساتين المدينة، وأحب ماله إلى قلبه، فيذهب إلى حائطه وينادي على زوجه أن اخرجي يا أم الدحداح، فقد أقرضت ربي حائطي، فتعمد الزوجة الصالحة رضي الله عنها إلى صبيانها، تخرج ما في أفواههم، وتنقض ما في أكمامها من ثمر البستان، تربيهم بدورها على نور (سمعنا وأطعنا) بفعلها قبل قولها، وهي ترد على زوجها: ربح البيع أبا الدحداح، ربح البيع أبا الدحداح، وهنا تأتي الجائزة النبوية لهذه الأسرة الكريمة، فيبشرهم رسول الهدى صلى الله عليه وسلم بقوله: (كم غذق رداح في الجنة لأبي الدحداح) [تفسير الطبري، (5/285)، تفسير ابن كثير (8/14-15)، نقلًا عن حياة النور، فريد مناع، ص(39-40)].
الواجب العملي:
1.تصدقي يوميًا في رمضان ولو بشق تمرة (اتقوا النار ولو بشق تمرة) [رواه البخاري].
2. احتسبي النية في اطعام الطعام وافطار الصائمين واحرصي أن تشملي أكبر عدد ممكن من المسلمين ولا تنس صلة رحمك وأقاربك وجيرانك وتذكري قوله صلى الله عليه وسلم (يا معشر النساء تصدقن وأكثرن من الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار) [صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، (4003)].
اللهم جد علينا بجودك واشملنا بعفوك واجعلنا من المقبولين عندك .. آمين