مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

الولادة الجديدة

7 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

"الولادة الجديدة" ترددت هذه الكلمات في نفس حبيبتنا بعد أن أدت صلاة الفجر في بيتها، وهي تتمتم بأذكار ختم الصلاة، سابحة مع ذكريات قريبة، لم تمض عليها بضعة شهور.

ذكريات تائبة:

ومضت صديقتنا تتذكر، تتذكر تلك اللحظة التي أحياها الله تبارك وتعالى فيها من جديد، يوم أن ودعت حياة البعد والعصيان، وذاقت حلاوة الإيمان في رمضان، بعد أن كادت تموت في حادثة، تمامًا كما مات قلبه من قبل، في لجج المعاصي والآثام.

ما زالت تتذكر كيف أنجاها الله تعالى من تلك الحادثة، لتتغير من بعدها حياتها تمامًا، فتدخل شهر رمضان فيتغير حالها، فلقد كانت تلك اللحظة بمثابة زلزال عنيف، هزَّ في قلبها بقية إيمان كاد أن يموت، لولا أن تداركها نعمة من ربها؛ لنبذت في عراء الشقاء وهي سقيمة بأدواء البعد والحرمان.

نعم، تذكرت يوم أن مضت إلى بيتها، ودخلت حجرتها، لتجد تلك الصور القبيحة التي زيَّنت ـ بل قبح ـ بها جدارن الغرفة، فجعلت تمزقها وتبكي، تبكي على ليال انقضت في بعد عن ربها، وأيام مضت في انتهاك للمحرمات، ومقارفة لموبقات، فما أشقاها من حياة!

مزَّقت تلك الصور، وتخلصت من هذه الشرائط والأفلام، رمت كل ذلك في سلة المهملات، ثم ارتمت على فراشها تجهش بالبكاء، وهي تهتف: يا رب، يا رب، يا رب، طالما عصيتك، فهل تقبلني؟ يا رب، طالما بارزتك بالقبيح فهل تسامحني؟

وهنا يأتيها النداء العلوي الشفيف الرقراق، وكأنما يريد الله تعالى أن يذيقها برد الإجابة، بعد أن ألهمها حلاوة النداء، فإذا بصوت المنادي لصلاة الفجر، ينادي: حي على الصلاة، حي على الفلاح.

وكأنما الله تعالى يناديها: يا أمَتي، عصيتنا فأمهلناكِ، وإذ عدتِ إلينا فإنا قبلناكِ، وعند هذا الحد من الذكريات، لم تتمالك حبيبتنا نفسها، فإذا بدموعها تسيل على خديها، وهي تتلو في قلبها قول الله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام: 122]

أي المتيقظات أنتِ؟

فإلى هذه الحبيبة، اتي اهتز في قلبها الإيمان من بعد ركود، واستيقظت فطرتها النائمة من بعد سبات، ومضت يقطع إلى الله تعالى أول خطوة في الطريق؛ فسرت في أوصالها خشية الخالق الجليل، وجادت عينها بعبرات الرجاء في رحمة الغفور الرحيم، واستنشق قلبها عبير محبة المنعم الودود، ورسوله الذي أرسله ربه رحمة للعالمين، وكان رمضان لها صفحة جديدة في علاقتها مع الله تعالى.

إلى تلك الحبيبة أتوجه بتلك الكلمات، أواصل فيها معها المسير إلى ربنا، في تلك الرحلة الواجبة على كل عباد الله تعالى، طوعًا أو كرهًا، نقترب فيها من الله عز وجل بعد رمضان.

ولئن كنا في الخطوة السابقة قد اهتز في قلوبنا ذلك الإيمان الدفين، فأراد لنا الرب الرحيم أن تستيقظ قلوبنا عبر شحنة المحبة والخوف والرجاء؛ فإننا في هذه الخطوة نريد أن نستغل تلك اليقظة، فنجعل منها وقودًا إيمانيًا، نقطع بواسطته مسافة عظيمة في الطريق إلى الله تعالى.

ذلك أن اليقظة وحدها لا تكفي لكي يصل المسافر إلى ربه، فالشأن كل الشأن فيما يفعله بعد أن يستيقظ من نومه، فكم من مسافر استيقظ ثم نام، ولم يقطع من رحلته شيئًا، وما ذاك إلا لأنه لم يبادر إلى انتهاز تلك اليقظة في سير حقيقي جاد إلى ربه تعالى، وتغيير جذري شامل ودائم في كل شئون حياته، لتتحول هزة إيمانه من حالة عارضة طارئة، إلى سلوك دائم، يدفعه دفعًا إلى مواصلة السير إلى ربه، حتى ينعم ببَرَد الوصول إلى رضوانه تعالى والجنة، وذلك الفوز العظيم.

من أجل ذلك؛ فقد وجب أن يقف كل مسافر مَنَّ عليه ربه باليقظة من رقاد الغفلة، مع نفسه وقفة حساب وتدقيق، ليسألها في صدق وإخلاص: أي المتيقظين أنت؟

وهنا يأتي ابن الجوزي رحمه الله ليعينكِ على الإجابة، فيقول مبينًا لك أصناف المتيقظين: ( تفكرت في سبب هداية من يهتدي، وانتباه من يتيقظ من رقاد غفلته؛ فوجدت السبب الأكبر: اختيار الحق U لذلك الشخص، كما قيل: إذا أرادك لأمر هيأك له، ثم ينقسم المتيقظون:

- فمنهم من يغلبه هواه ويقتضيه طبعه ما يشتهي مما قد اعتاده، فيعود القهقرى، ولا ينفعه ما حصل له من الانتباه، فانتباه مثل هذا زيادة في الحجة عليه.

- ومنهم من هو واقف في مقام المجاهدة بين صفين، العقل الآمر بالتقوى، والهوى المتقاضي للشهوات، فمنهم من يُغلَب بعد المجاهدات الطويلة، فيعود إلى الشر ويُختَم له به، ومنهم من يَغلِب تارة، ويُغلَب أخرى، فجراحاته لا في مقتل.

- ومنهم من يقهر عدوه، فيسجنه في حبس، فلا يبقى للعدو من الحيلة إلا الوسواس.

- ومن الصفوة أقوام مذ تيقظوا ما ناموا، ومذ سلكوا ما وقفوا، فهمهم صعود وترق، كلما عبروا مقامًا إلى مقام رأوا نقص ما كانوا فيه؛ فاستغفروا) [صيد الخاطر، ابن الجوزي، ص(119)].

فتأملي كيف استوى هؤلاء المتيقظون في أصل يقظتهم، واختلفوا كل الاختلاف في عاقبتها؟ ما بين مستيقظ خائر العزم، سرعان ما يعود إلى رقاد الغفلة بعد أول جولة يخوض فيها صراعًا مع نفسه وهواها، بعدما ذهبت عنه حلاوة يقظته.

وما بين ثان هو أحسن من الأول حالًا؛ فهو في جهاد مع نفسه وصراع من أجل تغييرها إلى ما يُرضِي الله تعالى، ولكنه قد يَغلِب أو يُغلَب.

ثم ثالث قد أحسن استغلال يقظته؛ فثبتت قدمه على طريق الإيمان، بعدما هزم نفسه الأمارة، وشيطانه المغوي بالضربة القاضية، عندما سارع إلى تحويل انتباهته الإيمانية من حالة عارضة إلى حياة مستديمة.

ثم رابع هو سيد همام، مذ تيقظ ما نام، ومذ بدأ سيره إلى ربه ما توقف، فقد ارتقت نفسه مرتقى صعبًا؛ فلم يعد يعرف إلا الصعود والترقي في مدارج السالكين إلى رب العالمين، فليس للنفس والشيطان عليه سبيل ولا سلطان، إلا ما يعتري البشر من سِنَة الغفلة الخفيفة التي يعقبها نشاط وفورة، تعود به إلى خير مما كان عليه قبل أن يَفتُر، فله مع عمر الفاروق t نسب، فلو رآه الشيطان سالكًا فجًا لسلك فَجًّا غير فجه، بعدما انقطع طمعه عن إغوائه وإضلاله.

الميلاد الجديد:

ولا شك أنكِ تطمحين الآن أن تكوني من هؤلاء الصفوة، الذين يتقنون فن الصعود والترقي إلى ربهم، والذين لا يعرفون النوم أو التثاؤب إلى جفونهم سبيلًا.

ولئن كنا في المرحلة السابقة قد بدأنا طريق الهداية، وقطعنا فيه أولى خطواته؛ فإن علينا الآن أن نُكمِل الطريق، وأن ندخل في عَرَضه ونغوص في أعماقه؛ حتى لا نعود القهقرى، فلابد أن ننغمس في حياة النور بكل كياننا، أن نولد ولادة جديدة، ونحيا حياة جديدة، أن يتغير فينا كل شيء، مشاعرنا وأفكارنا، مفاهيمنا وتصوراتنا، سلوكياتنا وأفعالنا، قيمنا وأخلاقياتنا.

فلا بد أن نعيد صياغة كل ذلك وفق منهج هذا الدين العظيم، الذي ارتضاه الله تبارك وتعالى لعباده فقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

إن هذه الولادة الجديدة هي نفسها التي حدثت لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فصاغتهم تلك الصياغة الفريدة، حتى أصبحوا خير جيل عرفته البشرية منذ أن خلق الله الخلق، إلى أن يرث سبحانه الأرض ومن عليها؛ فلقد كان الواحد منهم ما إن ينطق لسانه بكلمة التوحيد، فيشهد شهادة الصدق من أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؛ فإذا بك ترى أمامك إنسانًا آخر غير الذي كان، لا يَمُتُّ لماضيه الجاهلي بأي صلة تذكر.

فلقد تَبدَّل فيه كل شيء، تَبدَّلت فيه تصوراته وأفكاره؛ فإذا هي كلها وفق لا إله إلا الله، إذا بالشهوات والملذات تتحول في حسه من أهداف وغايات لا يعيش إلا لها، إلى دنس ورجس من عمل الشيطان.

وتَبدَّلت فيه مشاعره وأحاسيسه، فبعد أن كان يوالي ويعادي، ويحب ويكره وفق عصبيته الجاهلية لقبيلته وعائلته، فإذا محبته تصبح لله، وبغضه يصبح في سبيل الله، حتى ليحب أحدهم أخاه المؤمن، ويكره شقيقه أو أباه لأنه الكافر البعيد عن الله تعالى.

وتبدَّلت فيه قيمه وأخلاقياته؛ فإذا كلها قد اكتست بنور شريعة الله؛ فالأرض والمال، والعشب والمرعى، وغيرها من متاع الدنيا، مما كانوا يتقاتلون عليه في جاهليتهم، يعطيها أحدهم لأخيه عن طيب خاطر، ويؤثره بها على نفسه ولو كان به خصاصة، وكل ذلك في سبيل الله.

وتَبدَّلت فيه سلوكياته وأفعاله؛ فإذا هو قرآن يمشي على الأرض، فهذا الفظ الغليظ الذي كان يئد ابنته، ولا يطرف له رمش، أو يهتز له فؤاد، فإذا به من أرق البرية قلبًا، بل يبكي ويتقطع قلبه ألَمًا لرؤية رضيع جائع، أو فقير مسكين لا يجد ما يسد به حاجته.

من أجل ذلك؛ كانوا هم سادة الدنيا والآخرة، وعلى أكتافهم شُيِّدَ صرح الإسلام العظيم، حتى وصل إلينا كما أنزله الله على رسولهصلى الله عليه وسلم ، وعلى دربهم لا بد أن يسير كل مسافر إلى الله، يبغي سعادة الدنيا ونعيم الآخرة.

لا تنقضي غزلك:

إن من علامات قبول العمل في رمضان هو الثبات عليه بعد رمضان، وهذه ورقة عمل لبعض الأشياء التي تثبتين عليها بعد رمضان:

1. ابدئي بحفظ كتاب الله، بكمية ثابتة أسبوعيًا، ولتكن ربعًا من القرآن.

2. حافظي على أذكار الصباح والمساء.

3. ابدئي في مصاحبة الأخيار حتى يكن معينات لكِ على طريقك إلى الله.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 9 سبتمبر 2010
  1. وفاة الصحابي عمرو بن العاصهو الصحابي الجليل عمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سعد القرشي السهمي، أبو عبد الله، أحد رؤساء قريش في الجاهلية وكذلك أحد الرؤساء في الإسلام، وكان في صدر حياته من أعداء الدعوة الإسلامية، وأرسلته قريش على رأس وفد للحبشة لاسترجاع المهاجرين منهحدث في مثل هذا اليوم · 2 د قراءة
  2. الفاتيكان يحذر: المسلمون سيصبحون الأغلبية في أوروباقال مسؤول بارز في الفاتيكان إن على المسيحيين في أوروبا إنجاب عدد أكبر من الأطفال وإلا واجهوا احتمال أن تصبح قارة أوروبا مسلمة. وقال الأب الإيطالي بييرو غيدو إن انخفاض معدل المواليد بين الأوروبيين الأصليين والزيادة غير المسبوقة في عدد المهاجأفريقيا وأوربا · 3 د قراءة
  3. كلي صناعية بحجم فنجان القهوةتوصل مجموعة من الباحثين الأمريكيين لابتكار نموذج أولي لكلي صناعية تقوم بنفس وظائف الكلي الطبيعية، تتكون من آلاف المرشحات المجهرية فضلا عن مفاعل حيوي لمحاكاة التمثيل الغذائي والمياه. وكشف الفريق التابع لجامعة ميشيجيان الأمريكية أنهم اعتمدوا منوعات · 1 د قراءة
  4. جولة في صحافة الخميس 9 سبتمبرحملة إحراق القرآن..معادية "س.س" حنطوية.. مصر: التغيير بعيد المنال.. حرب العراق تنتهي بكارثة أمريكية..فريق قتل سري.. 100 مليون جنيه لترحيل اللاجئين من بريطانيا.. هذه بعض عناوين جولتنا الصحافية ليوم الخميس. حملة إحراق 200 نسخة من المصحف البداجولة الصحافة · 15 د قراءة
  5. الجزائر تمنع تداول مصاحف عليها نجمة داودمنعت السلطات الجزائرية تداول مصاحف رُسِم على غلافها نجمة داود، وسحبت آلاف النسخ منها من المكتبات بعدما كانت معروضة للبيع وطلبت من كل من اشترى نسخة إرجاعها وتعويضه بمصحف آخر أو بإرجاع ثَمَنه. وقال مسئول في وزارة الشؤون الدينية الجزائرية: إنّالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة
  6. زعيم سابق للإسلاميين بالجزائر يطالب القاعدة بهدنةدعا زعيم سابق للمقاتلين الإسلاميين في الجزائر لأول مرة أعضاء جناح القاعدة في شمال أفريقيا إلى إعلان هدنة. وأتت دعوة حسن حطاب الذي سلذم نفسه قبل ثلاث سنوات كجزء من خطة الحكومة الجزائرية التي تهدف لإنهاء عقدين من النشاط المسلح قتل خلالهما حواالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: الولادة الجديدة