الامتحان الصعب 2

لا زال لقاؤنا يتجدد معكِ أخيتي الكريمة، حول الامتحان الصعب ذلك الامتحان الذي يدخله كل مسلم، فمنهم من ينجح فيه نجاحًا باهرًا، ومنهم من يرسب فيه، وعلى الرغم من أن ما يترتب على هذا النجاح شيئًا عظيمًا ألا وهو دخول الجنة، إلا أن هناك من الناس من يأبى ذلك.
إن زهرة حينما ترفع شعار "سمعنا وأطعنا" لأوامر الله تبارك وتعالى وأوامر حبيبه صلى الله عليه وسلم، تكون بذلك قد عرفت سر النجاح في امتحان اتباع أوامر الرحمن وطاعة مصطفاه صلى الله عليه وسلم.
قبول الحق من الصحة النفسية:
إن قبول الحق أيتها الجميلة من آكد العلامات على الصحة النفسية للإنسان، فهو لا يهمه أقوال الناس وكلماتهم وتعليقاتهم عليه سواء أتبع أمر الله أم لم يتبعه، فهو يبحث عن الحق، ثم ما يلبث إلا أن يتمسك به، فالفتاة المسلمة لا تهتم بالهمز واللمز من زميلاتها على سبيل المثال إذا توقفت عن سماع الأغاني ومشاهدة الفيديو كليب، فهي قد أخذت قرارًا وفوضت أمرها الله، ولا يزعزع قلبها بعض الاستهزاء فهي قد علمت جيدًا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من أرضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس ومن أسخط الناس برضا الله كفاه الله مؤنة الناس) [صححه الألباني في صحيح الجامع، (6010)].
(فما أحرى بفتاة الإسلام أن تعود إلى واحة الإيمان والهدى، تقول لله: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة: 285}، فيكون مثلها في ذلك مثل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين قال عنها عروة بن الزبير: (ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها)) [35 نصيحة للفتيات في سن المراهقة، عادل فتحي عبد الله، ص(5)].
عمير بن الحمام الطائع المقدام:
حتى تستوعبي أكثر أختي الحبيبة أهمية النجاح في هذا الامتحان، لابد أن تعرفي حال سلفنا الصالح مع هذا الامتحان، فها هي كتيبة الأنصار تُخرِج لنا جمعًا من أساتذة فن الاستجابة لله والرسول، حتى تبلغ تلك الأستاذية ذروتها في ذلكم الصحابي الهمام: عمير بن الحمام رضي الله عنه، هذا الصحابي العظيم الذي أبى إلا أن يكتب شهادة انقياده لربه، بدمه الزاكي، حتى يكون أول شهيد من الأنصار في سبيل رب العالمين.
ففي ملحمة بدر الكبرى، وبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحَمِّس الصحابة رضي الله عنهم، فكان مما قال صلى الله عليه وسلم: (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض)، فطرقت الكلمات المكسوة بنور النبوة قلب عمير بن الحمام، فلامست قلبًا قد تَخلَّله نور سمعنا وأطعنا، فالتقى النور بالنور، فخرجت كلمات الإيمان تعبر عن صدق صاحبها، قال عمير: يارسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (نعم)، فقال عمير: بخ بخ، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما يحملك على قول بخ بخ؟)، فقال رضي الله عنه: لا والله يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون من أهلها، وهنا تأتي البشارة العظيمة، التي حركت في قلب عمير كل كوامن الشوق إلى فراديس الجنان، قال له صلى الله عليه وسلم: (فأنت من أهلها).
فانصرف رضي الله عنه وقلبه يرقص طربًا، وكيف لا، وقد علم أنه من ساكني الغرف وخيام اللؤلؤ المجوف، كيف لا، وقد حجز مقعد صدق عند مليك مقتدر، في جنات ونهر، فأخرج رضي الله عنه بضع تمرات كانت معه، يتقوى بها على الجهاد في سبيل الله، وبينما التمرات تصعد إلى فمه الطاهر، كانت غلبات الشوق أسرع صعودًا منها؛ فقال رضي الله عنه: لئن أنا عشت حتى آكل هذه التمرات؛ إنها لحياة طويلة!
فألقى التمرات، ومضى يقاتل في سبيل ربه، حتى فاضت روحه الشريفة إلى بارئها، بعدما أُرِيقَت دماؤه الزكية الطاهرة على أرض بدر، لتفوح منها ريح المسك، يوم أن يلقى ربه شهيدًا مرضيًا، قدَّم دمه في سبيل ربه كدليل صادق على صدق الاستجابة لله ورسوله [سيرة ابن هشام، (1/627)، وزاد المعاد، ابن القيم، (3/160)، والسيرة النبوية، ابن كثير، (2/421)].
عندما يعجب الله:
ثم تأملي ـ يا طالبة النور من الله ـ في استجابة بلغت حدًا من الروعة والعظمة، إلى أن يعجب منها الله عز وجل، تُجَسِّد لك عمليًا فنًّا عظيمًا من فنون الطاعة لله والرسول، يُسَمَّى فن الإيثار، هذا الفن العظيم، الذي تَفرَّد به الأنصار رضي الله عنهم، حتى شهد لهم ربهم عز وجل بقوله: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: ٩].فعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود [يعني قد بلغ به الجوع مبلغًا عظيمًا]، فأرسل صلى الله عليه وسلم إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق، ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، وقلن كلهن مثل ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يُضَيِّف هذا الليلة يرحمه الله؟)، فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله.
فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني، قال: فَعلِّليهم بشيء ونوِّميهم، فإذا دخل ضيفنا فاطفئ السراج، وأريه أنَّا نأكل، فإذا أهوى ليأكل؛ فقومي إلى السراج حتى تطفئيه، قال [أي أبو هريرة]: فقعدوا وأكل الضيف.
فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة) [متفق عليه]، وأنزل الله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [تفسير ابن كثير، (8/71)].
السلسلة الذهبية:
عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، قال: ( حدثني عنبسة بن أبي سفيان في مرضه الذي مات فيه بحديث يتسارُّ إليه [أي يُسَرُّ به]، قال: سمعت أم حبيبة تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بُنِيَ له بهن بيت في الجنة)، قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله، وقال عنبسة: فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة، وقال عمرو بن أوس: ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة، قال النعمان بن سالم: ما تركتهن منذ سمعتهن من عمرو بن أوس [رواه مسلم].
عوائق في الطريق:
وأمر ذلك الامتحان ليس بتلك السهولة التي قد يبدو عليها الأمر، فلا يستطيع أن يُكمِل المسير في درب الإيمان إلا أصحاب العزائم حقًا، ولو كانت المعالي رخيصات الثمن، لما كان للقيعان والطين سوق رائجة، ولما تقاعس معظم الخلق عن العيش نور الله.
يوضح لكِ ابن الجوزي ذلك فيقول: ( واعلم أن الطريق الموصلة إلى الحق سبحانه، ليست مما يُقطَع بالأقدام، وإنما يقطع بالقلوب، والشهوات العاجلة قُطَّاع الطريق، والسبيل كالليل الْمُدْلَهِم، غير أن عين الموفَّق بَصَرُ فرس؛ لأنه يرى في الظلمة كما يرى في الضوء.
والصدق في الطلب منار، أينما وُجِدَ يدل على الجادة، وإنما يتعثر من لم يخلص، وإنما يمتنع الإخلاص ممن لا يراد، فلا حول ولا قوة إلا بالله) [صيد الخاطر، ابن الجوزي، ص(119)].
فحياة النور في ظل كتاب الله؛ وسنة رسوله ومصطفاه حلو طعمها، لذيذ عيشها، لكن دون الوصول إليها والتحقُّق بها عقبات ومزالق، تمنع معظم الناس من الانتظام في سلوكها، والثبات في قطعها.
عقبات كئود من دنيا مزينة، وشهوات معجلة، وشيطان ملحاح يجري منك مجرى الدم في العروق، ونفس أمارة بالسوء، تهوى ما يضرها ويؤذيها من مهاوي الردى ومزالق المحرمات، وتستثقل ما ينفعها ويرفعها من زاد التقوى ووقود الطاعات، وعادات جاهلية ما زالت أصولها لم تُقلَع من أرض القلب.
فمن أجل تلك العوائق والعقبات يعود معظم المتيقظين القهقري، بعد أن تغلبهم أهواؤهم، وتقتضيهم طباعهم مما يشتهون مما كانوا قد اعتادوه، كما أخبرك ابن الجوزي عنهم من قبل في أصناف المتيقظين.
ماذا بعد الكلام؟
ـ إن من المعينات على النجاح في هذا الامتحان أختي الحبيبة ثلاثة أشياء:
نية وهمة ورفقة:
ولكن يهون كل ذلك بصدق وإخلاص، هما عنوان فلاح المسافر ونجاحه، وسر نجاته من التعثر في طريق الأنوار، ويؤهلانه لنيل اصطفاء الله تعالى واختياره له؛ ليكلؤه سبحانه برعايته، ويمده بقوته وعونه.
ثم بهمة عالية، وعزيمة صادقة على سلوك الصراط المستقيم، مهما كلف المسافر ذلك من تضحيات، ومهما قابله فيه من أشواك وعقبات، ذلك أن: (المطلب الأعلى موقوف حصوله على همة ونية صحيحة، فمن فقدهما تَعذَّر الوصول إليه، فإن الهمة إذا كانت عالية؛ تعلقت به وحده دون غيره، وإذا كانت النية صحيحة؛ سلك العبد الطريق الموصلة إليه، فالنية تُفرِد له الطريق، والهمة تفرد له المطلوب، فإذا توحَّد مطلوبه، والطريق الموصلة إليه كان الوصول غايته) [الفوائد، ابن القيم، ص(162)].
فطريق الأنوار إذا عدته نية صحيحة وهمة عالية؛ بهما يبلغ المسافر غايته، ويتخلص من كل العوائق، ويجوز كل الأشواك، وتستقر قدمه في حياة النور بتثبيت من المهيمن الذي يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
وأما من لم تنهض همته إلي العيش في حياة النور؛ ( فلا يزال في حضيض، طبعه محبوسًا، وقلبه عن كماله الذي خلق له مصدرًا منكوسًا، وقد أسأم نفسه مع الأغنام راعيًا مع الهمل، واستطاب لُقيْمات الراحة والبطالة، واستلان فراش العجز والكسل) [مفتاح دار السعادة، ابن القيم، (1/46)].
وبإمكانك أيتها الحبيبة أن تجدي أمثال تلك الرفقة الصالحة في دور حفظ كتاب الله تعالى، وفي أخواتك اللاتي يحرصن على حضور الدروس العلمية، فهن خير معين لكِ على درب طاعة الله عز وجل.
المصادر:
· سيرة ابن هشام.
· زاد المعاد، ابن القيم.
· 35 نصيحة للفتيات في سن المراهقة، عادل فتحي عبد الله.
· السيرة النبوية، ابن كثير.
· مفتاح دار السعادة، ابن القيم.
· الفوائد، ابن القيم.
· صيد الخاطر، ابن الجوزي.
· تفسير ابن كثير.