الفتاة والموهبة

أم عبد الرحمن محمد يوسف
تُعد الموهوبات ثروةً وطنيةً وكنزًا لأمتهن وعاملاً من عوامل نهضة مجتمعهن في مجالات الحياة العلمية والمهنية والفنية، ومن ثمَّ فإنَّ استغلال قدراتهن استغلالاً تربويًّا يعد ضرورةً حتميةً.
أنتِ موهوبة، ولكن...:
الشخص الموهوب هو (الذي يُظهِر مستوى أداء مرتفع في أي مجال تقدره الجماعة؛ بما في ذلك مجالات الأدب، والقيادة الاجتماعية) [من الموهوبون ولماذا نرعاهم، محمود شكر الجبوري، ص(151)].
تعريف وزارة التربية السعودية:
يُعرَّف الطلبة الموهوبون بأنهم الطلبة الذين يوجد لديهم استعدادات وقدرات غير عادية، أو أداء متميز عن بقية أقرانهم في مجال أو أكثر من المجالات التي يُقدِّرها المجتمع، وبخاصة في مجالات التفوق العقلي، والتفكير الابتكاري، والتحصيل العلمي، والمهارات والقدرات الخاصة. ويحتاجون إلى رعاية تعليمية خاصة، قد لا تتوافر لهم بشكل متكامل في برامج الدراسه العادية.
ولذا، فأنتِ موهوبة بالفعل، ولكن المشكلة أنك لم تبذلي جهدًا كافيًا في اكتشاف موهبتك وتطويرها، والسؤال الأهم: كيف تتمكنين من اكتشاف ما حباك الله به من موهبة، ثم تعملين على تنميتها وتطويرها؟
أولاً ـ اقفزي فوق الحواجز:
1.أخطاؤنا طريق نجاحنا: إن أخطر عائق نحو طريق اكتشاف الموهبة هو الخوف من الخطأ أو الفشل، فلا تستسلمي لهذا الخوف المعوق، واعلمي أن الفشل هو أقصر الطرق للنجاح، فكما يقول "كريسي ويتينج" مقدم برنامج "سجل النجاح"، البرنامج الأشهر بين برامج الإذاعات الأمريكية: (إن الفشل هو السبيل الوحيد للنجاح، والمثل المعروف: وراء كل عظيم امرأة، ينبغي تعديله بحيث يصبح: وراء كل عظيم سجل طويل من التجارب الفاشلة صنع له النجاح في النهاية) [حتى لا تفشل، أحمد سالم، ص(19)].
هذا لأن تجارب الفشل تضيف إلى صاحبها الخبرات اللازمة للنجاح، وتعلمه الصبر والإرادة والعزم والمثابرة، وهي أهم الصفات اللازمة لتحقيق النجاح.
2.الموهبة 99% عرق: فالسلحفاة قد سبقت الأرنب، ذلك لأن الأرنب رَكَن إلى إحساسه بسـرعته، أما السلحفاة فقد بذلت الجهد المنظم، واستغلت موهبتها الحقيقية التي كانت لدى كل العباقرة، وهي الجهد والمثابرة والعمل المنتظم، فالأمر كما قال "إديسون" المخترع الشهير: (إن العبقرية 99% عرق، وواحد بالمائة إلهام)، وكان هو ذاته يعمل لمدة 22 ساعة يوميًّا، حتى أهدى للبشرية عشرات الاختراعات المفيدة.
ثانيًا ـ اكتشفي موهبتك:
إن الحقائق العلمية تؤكد أن كلاًّ منا يملك موهبة كامنة بداخله، لكنه لابد أن يبذل جهدًا في اكتشافها، ولكي تصلي إلى كنزك الثمين؛ فعليك بالتالي:
1- اكتشفي ميولك: فإن المجال الذي تميلين إليه هو غالبًا نفس المجال الذي يكون لديك فيه الموهبة.
2-راقبي درجة سرعة تعلمك: إن سرعة التعلم في مجال ما، هي علامة على قدرتك على النجاح فيه، وعلى أصالة الموهبة التي لديك في هذا المجال.
3-استشيري أهل الخبرة: مثل الوالدين، والمعلمات، ومن تثقين فيهن من الصديقات.
ثالثًا ـ عليك بالتعلم والتدريب المستمر:
فكثير من الموهوبات تذبل موهبتهن وتموت؛ لأنهن لم يصقلنها بالدراسة والتعلم والمران المستمر، فعليك بعد تحديد مجال موهبتك أن تعملي على صقلها وتطويرها، من خلال الاطلاع على الكتب الخاصة بها، والالتحاق بالدورات التدريبية في مجالها، والتعرف على بعض الشخصيات البارزة فيها، ومصاحبة بعض من يشتركون معك فيها من أجل التعاون المثمر، والتنافس النافع.
مهارة التفكير الإيجابي:
أ. تحدثي مع نفسك حديثًا إيجابيًّا:
1.إذا حدث لك شيء لا تحبيه؛ فتيقني أنه مجرد أزمة عارضة عما قريب ستزول إن شاء الله، فإنه لن يغلب عسر يسرين؛ كما قال تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}[الشرح: ٥-٦].
2.حينما تشعرين أنك لن تنجحي؛ فتذكري أن الله قد جعل للنجاح أسبابًا، فإذا أخذت بها وتوكلت على الله؛ فلاشك أن الله سييسر لك سبل النجاح؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[العنكبوت: 69].
ب.ابحثي عما استفدتيه من أية تجربة سلبية:
1. فكِّري في تجربة سلبية تعرضت لها في الماضي.
2. فكِّري في الدروس والمهارات التي تعلمتيها من هذه التجربة.
3. تخيلي أن الزمن قد أعادك مرة أخرى إلى هذه التجربة، واستخدمي المهارات التي تعلمتيها؛ ستجدين الآن أن مشاعرك وأحاسيسك أفضل؛ لأنك استخدمت المهارات التي تعلمتيها فأصبح تفكيرك إيجابيًّا.
4. تخيلي أنك في المستقبل ستواجهين تحديًا من نفس النوع، وتوقعي تصرفك في هذا الموقف وأحاسيسك؛ ستجدين أن عقلك قد صار بارعًا في التعامل مع مثل هذا النوع من التحديات.
ج. فكري إيجابيًّا قبل النوم:
اشربي قليلاً من الماء يوميًّا قبل النوم مباشرة، وخذي نفسًا عميقًا، وتخيلي نفسك وأنت تحققين أحلامك وأهدافك في الحياة، وتتغلبين على جميع العوائق والعقبات، وكرري نفس الشيء عند استيقاظك من النوم.
والسر في ذلك أن عقلك الباطن لا يفرق بين الحقيقة والخيال، وأنت إذا أكثرت من تصور وتخيل نفسك وأنت تحققين النجاح في سعادة، وأكثرت تكرار هذه الصورة على عقلك؛ ستصير حقيقة عنده، وسيقوم بفتح جميع الملفات التي تؤيد هذه الحقيقة والتي تفيدك؛ مثل: ملف الثقة بالنفس، والعزم، والإصرار، والمثابرة.
وسائل السعادة والنجاح:
· أذية الناس لك تضرهم لا تضرك، إلا إذا وضعتيها في بالك:
من الوسائل التي تعينك على طمأنينة النفس، أن تعرفي أن أذية الناس بالأقوال السيئة، لا تضرك بل تضرهم، إلا إن أشغلت نفسك بالاهتمام بها، وسمحت لها أن تمتلك مشاعـرك [الوسائل المفيدة للحياة السعيدة، الشيخ السعدي، بتصرف(1/12)].
· تقدير الذات:
فهو أول طريق النجاح ودرب السعادة، أن تشعري بأن الله كرمك في الأرض، وأسبغ عليك من النعم؛ {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}[الإسراء: ٧٠]، وسخر لكِ الكون: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[الجاثية:12-١٣]، فثقي بالله ثم بنفسك، وبما أعطاك الله من نعم وملكات.
· افصلي بينك وبين المشكلة:
في طريق الحياة نمر بمشاكل وعقبات، ولكن من المهم ألا يتأثر تقديرنا وقبولنا ذاتنا بوجود المشاكل والتحديات، بل يظل كما هو في أعلى صورة، مهما بلغ بك الفشل فما هو إلا حدث عابر وموقف طارئ، فتَعَلَّمي منه ولا تعيشي في قفصه، واستبشري خيرًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن النصرمع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا)[حديث صحيح].
· الرسائل الربانية:
تعاملي مع المشكلة على أنها رسالة ربانية من الله، وباب خير لما هو أفضل؛ فالله تبارك وتعالى يقول: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}[البقرة: ٢١٦]، ولذا؛ نجد أنه أحيانًا يغلق الله سبحانه وتعالى أمامنا بابًا لكي يفتح لنا بابًا آخر أفضل منه، ولكن للأسف يركز الكثير منا على الباب المغلق ويدع الباب المفتوح! والذي هو: ما هو الدرس المستفاد من هذه المشكلة؟
القصص:
1-يقول المشير "مونتكمري" أبرز القادة العسكريين البريطانيين: (لقد تعلمت في حياتي الخاصة أن هناك ثلاث صفات ضرورية للنجاح: العمل الشاق، والاستقامة المطلقة، والشجاعة الأدبية)[كيف أصبحوا عظماء، د.سعد سعود الكريباني، ص(74)].
2-كان العالِم المسلم، ومؤسس علم البصريات، الحسن بن الهيثم رحمه الله، في كل كتبه يفتتحها بهذه الجملة الرائعة: (أنا ما دامت لي الحياة فإني باذل جهدي وعقلي، مستفرغ طاقتي في العلم لثلاثة أمور:
أولاً ـ إفادة من يطلب العلم في حياتي وبعد مماتي.
ثانيًا ـ ذخيرة لي في قبري ويوم حسابي.
ثالثًا ـ رفعة لسلطان المسلمين) [صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان الهاجري، ص(159)].
3-عن أنس رضي الله عنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له: (أسلِم)، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (الحمد لله الذي أنقذه من النار) [رواه البخاري].
4-دخل الإخشيدي مع صاحب له مقيدين بالحديد، فمرا على رجل له شوي ـ أي مطعم في ذلك الزمان ـ فقال صاحبه: (أتمنى أن يشتريني صاحب هذا الشوي فأشبع لحمًا)، وقال الإخشيدي: (أتمنى أن أحكم مصر بأكملها)، ودارت الأيام واشترى صاحبُ الشوي ذلك المملوك، وحكم الإخشيدي مصر [كيف أصبحوا عظماء، د.سعد سعود الكريباني، ص(23)].
المصادر:
· كيف أصبحوا عظماء، د.سعد سعود الكريباني.
· صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان الهاجري.
· الوسائل المفيدة للحياة السعيدة، الشيخ السعدي.
· من الموهوبون ولماذا نرعاهم، محمود شكر الجبوري.