مفكرة الإسلامالأرشيف · 2002 – 2016

جذور الإسلام تضرب معقل الكاثوليكية في العالم البرازيل (3)

6 دقائق قراءة نسخة أرشيفية

في حلقة اليوم نواصل الحديث عن أحوال المسلمين وواقعهم منذ مطلع القرن العشرين، وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث بدأت طلائع المهاجرين الجدد تصل إلى البرازيل من بلاد عربية مختلفة- وخصوصًا- الشام؛ بحثًا عن مورد رزق، وجاء المهاجرون الجدد بثقافة دينية تعبر عن عاطفة فطرية؛ الأمر الذي أدَّى إلى انعكاس هذا الضعف الديني على الجيل الأول، وبعد الحرب العالمية الثانية بدأت هجرات المسلمين والنصارى من الشرق الأوسط صوب الأمريكتين ومن بينها البرازيل.

وعمل المهاجرون العرب والمسلمون الجدد كباعة جوالة في الشوارع والأسواق الشعبية (الفيرا) وعمال في المصانع المزارع، إلا أن التجارة طغت على نشاطهم الاقتصادي، ومع تطور الحياة الاقتصادية والتجارية، تمكن هؤلاء- وفي وقت وجيز- أن يصبحوا أرباب مصانع ومحلات تجارية فخمة، ومراكز مهمة في السلطة الوطنية البرازيلية، مثل السيد حسين جمعة رحمه الله الذي رأس الاتحاد الإسلامي في ضاحية باريتوس- ساو باولو، ووضع حجر الأساس لمشروع مسجد في هذه الناحية.

ويشكل المسلمون اليوم في البرازيل ما نسبته0.1% من مجموع تعداد السكان البالغ (170 مليون نسمة)، ولا توجد إحصائيات برازيلية تعطي النسبة الحقيقية لعدد المسلمين فيها، وأكثر تجمعاتهم في ولاية ساو باولو (700 ألف نسمة) وريودي جانيرو وريو كراندي وماتو كروسو وولاية رنا وباهيا.. بعض المصادر تقدر عدد العرب والمسلمين بنحو اثني عشر مليونًا (من بينهم النصارى العرب).

ومن المعلوم أن التوزيع المذهبي للمسلمين في البرازيل يتفق مع نظيره في العالم الإسلامي ككل؛ حيث 90 % من مسلمي البرازيل على المذهب السني، والنسبة الباقية للشيعة.

وهناك بعض الاختلافات في التوجه والمنهج على المستوى الجغرافي من إقليم لآخر؛ فالمؤسسات الإسلامية والجالية المسلمة في ساو باولو على سبيل المثال تحافظ على البعد العربي من خلال مطبوعاتها ومواقعها على الإنترنت، في المقابل يمكن تلمس نزوع "برازيلي" لدى الجالية المسلمة في ريو دي جانيرو.

كما أنه مما يدعو للأسى أن تعيش المساجد في انفصال عن بعضها، وليس هناك نظام "مركزي" يجمع هذه المساجد تحت إشرافه. ولعل ذلك يعيق ظهور قيادة إسلامية برازيلية تتحدث باسم المسلمين في البرازيل، وتجمع كلمتهم، وتحقق مطالبهم، وتحمي حقوقهم.

ويطلق بعض البرازيليين ومن قبلهم أطلقها البرتغاليون على العرب الموجودين أيًا كانت ديانتهم كلمة توركو نسبة إلى تركيا التي كان لها أيام الخلافة العثمانية سفير في ريو دي جانيرو، لكنه عاد إلى تركيا رفضًا لبعض أخلاقيات البلاد التي رآها بعيدة عن الإسلام.

والمطلع على ساحة الدعوة الإسلامية في البرازيل يرى أن الصحوة الإسلامية قد بدأت تتطور رويدًافي البرازيل عامة وفي ساوباولو حيث يقطن حوالي 700 ألف مسلم ينتشرون في مركزها والضواحي، واللافت أن العدد الكبير منهم يعمل في التجارة، فمدينة ساوباولو مدينة تجارية بامتياز، إذ سرعان ما يتعلم الوافد إليها أصول التجارة فيها، ومع هذا فإن منهم من يمارس مهنة الطب والمحاماة والهندسة، لقد حرص المغتربون على تعليم أبنائهم، إلا أن العمل بالتجارة يكاد يستهوي الجميع.

وتعتبر باكورة هذه الصحوة والخلية الأولى لنموها هي الجمعية الخيرية في مدينة ساو والتي تعتبر الجمعية الأم في البرازيل، كما تعتبر أول جمعية خيرية إسلامية تأسست في جنوب القارة الأمريكية، ويرجع تأسيسها إلى عام 1926م، وكان من أهداف هذه الجمعية إقامة المساجد، وأنشأت أول مسجد عام 1957م نظرًا لضعف إمكانات المسلمين المادية، كما قامت بإصدار صحيفة النشرة عام 1933م، ثم صحيفة الذكرى عام 1937م، ثم الرسالة وأخيرًا العروبة التي ما زالت تصدر إلى اليوم.

وفي بداية السبعينات، أسست الجمعية أول مدرسة إسلامية عربية سمّيت باسم الحي الذي أنشئت فيه، وهي مدرسة "فيلا كارون"،ثماعقب ذلك أن وفقت الجمعية في الحصول على قطعة أرض اتخذت كمقبرة لدفن موتى المسلمين، وهذه المقبرة تقع في منطقة غواروليوس.

ولقد وصل عدد المساجد الآن في البرازيل أكثر من 60 مسجدًا ومصلى ومن أهمها، مسجد أبي بكر الصديق بسوبرنارد، ساو باولو، ومسجد الشيخ محمد بن ناصر العبودي في مدينة لوند رينا، وغيرها من المساجد.وفي أوائل السبعينيات عقد أول مؤتمر إسلامي في البرازيل بل في القارة الجنوبية،ثم اشترت الجمعية البناء المجاور للمسجد وأقامت فيه طابقين يستخدم للمحاضرات، ولأفراح المسلمين وأحزانهم.

في عام 1979 تم تأسيس اتحاد الؤسسات الإسلامية في البرازيل على يد الحاج حسين محمد الزغبي وبإشراف السفارات الإسلامية في البرازيل ومباركة رابطة العالم الإسلامي، وأهم أهدافه هي العمل على رعاية شئون الجالية المسلمة في البرازيل وتأسيس المراكز والمساجد الإسلامية وتوفير الدعم للهيئات والمراكز الإسلامية بالإضافة إلى نشر تعاليم الدين الإسلامي داخل البرازيل بالموعظة الحسنة.

وقد كانت أهم انجازاته هي تشييد المساجد مثل مسجد كامبيناس ومسجد جوندائي وسان ميجيل ومسجد غوارليوس والشيخ عبودي بمارنجا ومسجد الملك فيصل بلوندرينا ومسجد كولينا ومسجد كامبو ومسجد دورادوسوسانت اماروا بساوباولو، كما عمل الاتحاد على استقدام الكثير من الدعاة والمشايخ للمساجد .

وأيضا شارك الاتحاد في العديد من المؤتمرات داخل وخارج البرازيل كما دعم بعض المراكز الدعوية بالمساعدات المالية شهريًا بالإضافة إلى تقديم الإعانات إلى بعض الجاليات الإسلامية وإقامة بعض المؤسسات التي تعمل على إدارة الشئون الإسلامية ورعاية الفقراء.

وفي عام 1987م تأسس مركز الدعوة الإسلامية لأمريكا اللاتينية، لدعم وتوعية الأقليات الإسلامية ونشر اللغة العربية، وتبع ذلك زيادة في عدد المراكز والجمعيات الإسلامية والتي كانت تهتم في المقام الأول بالبرامج الدعوية، إلى جانب عدد من الأنشطة الحيوية بالنسبة للمسلمين, كالإشراف على الذبح الشرعي، ومنح "شهادات الذبح الحلال" للشركات العاملة في هذا المجال والتي تصدِّر إنتاجها إلى دول العالم الإسلامي والدول الأوربية التي تعيش بها جاليات مسلمة.

كما بدأت الهيئات الإسلامية العالمية تنشط في حقل الدعوة في البرازيل، مثل هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، والندوة العالمية للشباب الإسلامي.

وبالنسبة للمراكز الأخرى في مدينة ساوباولو وفي ضواحيها، فإن عددها قد زاد كثيرًا في الثمانينات من القرن الماضي وإلى الآن. وحتى أنبعض التقديرات تذكر أن هناك أكثر من 100 مؤسسة ومركز وجمعية إسلامية في البرازيل، الكثير منها يتركز في ساو باولو.

هذا ويشهد عدد المسلمين في البرازيل ارتفاعا متزايدًا، وقد ذكرنا من قبل أنه ناهز 3ملايين نسمة. ويقول رئيس المركز الإسلامي لنشر الثقافة:" إن هذا الرقم يشمل المهاجرين القادمين من دول عربية وبينهم عدد كبير يحمل الجنسية البرازيلية. لكننا نلاحظ منذ سنوات أن عددا متزايدا من البرازيليين الذين ولدوا مسيحيين يشهرون إسلامهم."

كما يذكر الأمين العام لرابطة الشباب الإسلامي في البرازيل :"إن عددًا متزايدًا من الشبان يشهرون إسلامهم. وإن عدد المسلمين المسجلين لدى المركز الثقافي الذي يديره في ساو باولو ارتفع من ثلاثة عام 2001 م إلى أكثر من 1500 اليوم.

ويعتبر بعض طلبة البرازيل أن البرازيليين يتقبلون بسهولة الاختلاف الديني. وهناك 122 مليونًا من الكاثوليك بين سكان البرازيل البالغ عددهم حوالي 196 مليون نسمة، فيما يقدر عدد العرب المقيمين في البرازيل بحوالي 12 مليون نسمة وغالبيتهم مسيحيون من أصل لبناني أو سوري. وهناك مئة مسجد في البرازيل.

ويؤكد تزايد عدد المسلمين أن الصحوة الإسلامية في تحسن وتطور في البرازيل؛ نظرًا لكثرة الجمعيات والمراكز العاملة في الميدان وللخصوصيات التي يمتاز بها الشعب البرازيلي، كذا القوانين التي تضمن حرية العبادة، وممارسة الأنشطة الدينية دون تضييق،إلا أن المسلمين يواجهون اليوم بعض الصعوبات والمشكلات والعقبات في سبيل الحفاظ على هويتهم,ووحدتهم, وكذلك الاستمرار في نشر دعوة الإسلام, وهذا ما سوف نتحدث عنه فيما بعد في حلقة أخرى إن شاء الله.

وحتى نلتقي أترككم في رعاية الله وأمنه.

نُشر في اليوم نفسه

كل مواد 9 أغسطس 2010
  1. جذور الإسلام تضرب معقل الكاثوليكية في العالم البرازيل(2)تعد البرازيل من دول أمريكا الجنوبية الأكثر جذبا للمهاجرين العرب والمسلمين منذ مطلع القرن العشرين،رغم الأزمات السياسية والاقتصادية التي عصفت بها. كما تعتبر من أكثر القوى الصاعدة في العالم استعدادا للتقارب مع العالم الإسلامي. فقد نَعِم هذا النحن والغرب · 9 د قراءة
  2. وفاة ابن حزم الأندلسي28 شعبان 456هـ مفكرة الإسلام : هو الإمام الكبير، المجتهد المطلق، البحر العلاّمة، ذو الفنون والمعارف، أكبر علماء الإسلام تصنيفًا وتأليفًا بعد الطبري، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي، الفارسي الأصل الفقيه الظاهري الصلد، وحدث في مثل هذا اليوم · 2 د قراءة
  3. كيف تخطط لحياتك؟ (5) .. الخطوة الثانية رتب أولوياتكمصطفى كريم والآن هل تسمح لي أن أهنئك؟ فنحن قد أنهينا ـ بتوفيق من الله ـ الخطوة الأولى من خطوات وضع الخطة الناجحة، ألا وهي تحديد الأهداف، ولكن وبعد أن قمت بوضع أهدافك التي ستترجم رؤيتك وتحقق رسالتك، ربما تنظر إلى مهامك فترى وكأنها قد اثاقلت إدارة الذات · 8 د قراءة
  4. تطبيق الاذان الموحد بمصرأكد الشيخ محمد عبد الرازق وكيل وزارة الأوقاف بمحافظة الجيزة، أنه سيتم تطبيق الأذان الموحد بدءًا من أول أيام شهر رمضان الكريم بمساجد حي الهرم بالجيزة ومدينة نصر بالقاهرة. وذلك كمرحلة أولى لتطبيق الأذان الموحد على مستوى مساجد الجمهورية، حسب صمنوعات · 2 د قراءة
  5. جولة في صحافة الاثنين 9 أغسطسفي جولة اليوم نقرا عن العدوان المستمر على بلادنا العربية, واحتمال الحوار بين الغرب وزعيم تنظيم القاعدة,وقائد طالبان الأفغانية,ثم نتبعها بالاتهامات الموجهة لباكستان برعاية الإرهاب. كما نتحدث عن ثلاثة مواضيع متفرقة عن القضية الفلسطينية: إظلامجولة الصحافة · 12 د قراءة
  6. حماس تتهم فتح ومصر وواشنطن بعرقة المصالحةاعتبر الناطق باسم حركة حماس فوزي برهوم أن ما أسماه "تشنج" مصر و"تعنت" حركة فتح و"فيتو" الإدارة الأمريكية هي أسباب عرقلة المصالحة الفلسطينية. وقال برهوم: "قرار استعادة الوحدة هو قرار استراتيجي لدى حماس لكن بعد أن يتم الأخذ بملاحظات الحركة علالعالم العربي والإسلامي · 1 د قراءة

الإبلاغ عن خطأ أو مادة مخالفة

المادة: جذور الإسلام تضرب معقل الكاثوليكية في العالم البرازيل (3)