كوسوفا صراع بين الإسلام والصليبية
لقد كثرت جراح الأمة الإسلامية النازفة, ولا أعلم حتى الآن جرح اندمل من هذه الجارح بل على العكس فهناك جاح ازداد نزيفها وأخرى أصبحت غائرة من شدتها حتى أصبحنا لا نكاد نلمسها, ناهيك عن ما استجد منها, وقضية كوسوفا من قضايا المسلمين المنسية، وهي جرح دائم ينزف دمًا وصديدا ومازال دخان مأساتها في تصاعد حتى كاد يعمي أبصارنا, فمنذ أفول شمس الخلافة الإسلامية عن البلقان ومأساة كوسوفا وقضيتها عالقة بلا حل حتى وقتنا هذاوبل وازدادت مع مرور الزمن تعقيدًا.
أحبتي في الله سنعرج اليوم على أرض البلقان وندخل كوسوفا لا لنأتي بجديدها فحسب, بل لنذكر من تناسى بتلك القضية ونحك المشاعر الساكنة تجاه هؤلاء الأخوة الذين يشاركوننا ديننا الحنيف فهيا بنا.
يقع اقليم كوسوفو في الشمال الشرقي من البانيا كامتداد طبيعي لها وهو في قلب قارة أوروبا في الجزء الجنوبي من البلقان ويحده من الشمال والشرق صربيا ومن الجنوب الشرقي مقدونيا ومن الجنوب البانيا ومن الغرب والشمال الغربي الجبل الأسود.
ويتبع هذا الإقليم حاليا يوغسلافيا، وله عدة أسماء هي " كوزوفو باللغة الصربية،كوسوفا باللغة الألبانية "أو قوصون ,قوصوه"وهو الاسم العربي التاريخي القديم لإقليم كوسوفو ، كسفو" أما مدن كوسوفو الرئيسة فهي"كوسوفو / بيريشتنا العاصمة و(برليب) و( بيك ) وبوديجوفو، وبريرزن وميتروفيتسا وفريزاي وجيلان وجاكوفا وبييا . ويمر فيها عدة أنهار.
كوسوفو اليوم جزء صغير من إقليم كوسوفو الحقيقي الذي كانت مساحتة 20.000كم2 قبل أن تقتطع كل من صربيا والجبل الأسود ومقدونيا جزءًا منه. وهو إقليم حباه الله من الخيرات الشيء الكثير ويعتبر من أخصب المناطق في البلقان وأغناها بالثروة المعدنية والزراعية.
ويعتبر تركز الثروات الطبيعية في هذه المنطقة بهذا الشكل المتميز السبب الرئيس في جعلها هدفا دائما للطامعين على مر التاريخ. .
كان اسمها "داردانيا" ومعناه بالعربية أرض الكمثري، ويسميها الصرب (كوسوفو)وقد أتى هذا الاسم من الكلمة الصربية "كوس" التي تعني "الطائر الأسود". ويطلق عليها الألبان اسم (كوسوفا), إنها المنطقة البلقانية التي يتصادم فيها كل شيء بكل شيء، الدين بالقومية، والتاريخ بالجغرافيا، ورموز النظام الدولي القديم برموز النظام الدولي الجديد.
تشكل كوسوفو الزاوية الجنوبية الشرقية لأوروبا بمنطقة غرب البلقان. ويشكل المسلمون اليوم الغالبية العظمى من مجموع سكانه. غير أن تاريخ كوسوفو يختصر أيضًا في ذاته التاريخ المضطرب للبلقان ككل، خاصة أن هذه المنطقة الكبيرة التي تشكل الزاوية الجنوبية الشرقية لأوروبا شكلت عبر القرون خط تماس وتوتر ليس فقط بين الكنيستين الشرقية الأرثوذكسية والغربية الكاثوليكية ـ كما يعبّر عنه نزاع الصرب والكروات ـ بل بين العالمين المسيحي والإسلامي أيضًا.
وتفيد المراجع التاريخية بأن شعوبًا إيليرية"الإيليريون هم السكان الأقدمون لإيليريا التي تشمل اليوم كوسوفو والجبل الأسود" كانت أول من سكن إقليم كوسوفو وسيطرت عليه سياسيًا عبر تأسيسها قبل الميلاد دولة دارينا أو داردانيا. وبعدهم حكم الرومان الإقليم ومعظم البلقان، وجاء بعدهم البيزنطيون الذين تحت ظلهم تسلطت على الإقليم بالتعاقب عدة جماعات محلية، إلى أن دخله الإسلام مع الأتراك العثمانيون الذين فتحوا معظم أنحاء البلقان في القرن الرابع عشر الميلادي. ولقد استمر الحكم الإسلامي في المنطقة حتى بدء تراجع نفوذ السلطنة العثمانية عام 1912م.
كوسوفا:
• المساحة : 11ألف كم2.
• عدد السكان : 3مليون نسمة.
• العاصمة : بريشتينا.
• اللغة:الألبانية ويتحدثها معظم السكان وخاصة الألبان المسلمين,و الصربية,وهناك بعض اللغات الإقليمية التركية الغورانية والرومانية والبوسنية.
• المجموعات العرقية: ألبان 90% ويلقبون بلقب أرناؤوط - 4% صرب و3% أتراك و2% "بشناق" و1% "قوميات أخرى,بينما تبـلغ نسبة المسلمين حوالي 95% من إجمالي تعداد السكان.
• الجامعات : في كوسوفا جامعة واحدة وتضم 13 كلية في كافة مجالات التعليم, وتوجد في مدينة بريشتينا ¬ عاصمة كوسوفا ¬ مقر كلية الدراسات الإسلامية التي تعتبر أعلى مؤسسة تعليمية علمية للاتحاد الإسلامي، وتقوم هذه الكلية بتخريج الدعاة والمعلمين وتدريب أئمة المساجد,كما يوجد أيضًا3 مدارس شرعية.
• عدد المساجد:670 مسجدًا.
نبذة تاريخية:
حكم الأليريون - أجداد الألبانيين- كوسوفو في القرن الثالث قبل الميلاد ثم ألحق بالإمبراطورية الرومانية بعد هزيمة الجيوش الأليرية وأسر الملك الأليري الأخير في عام 168 قبل الميلاد ثم غزا صقلية التي تقع شمال ألبانيا في القرن السادس الميلادي واستولى عليها بعد ذلك القيصر سيمون إمبراطور البلغار فيما بين 891 م– 927م ولكنها عادت إلى حكم الإمبراطورية البيزنطية في القرن الحادي عشر الميلادي ثم احتلها الملك دوشان عام 1331ـ 1355م وضمها إلى مملكة صربيا وأعلن نفسه إمبراطورا على الصرب وبلغاريا واليونان وذلك في عام 1346م .
لكن هذه الإمبراطورية الصربية سرعان ما انقسمت بعد موت دوشان إلى ثلاث دول الأولى تحت قيادة أوريش بن دوشان في شمال صربيا والثانية حكمها جورج برانكوفيتش وهي جزء من مقدونيا وجزء من كوسوفو واستأثر بالشاي بالجزء الباقي من كوسوفو وألبانيا الشمالية والجبل الأسود.ثم فرض الصرب من جانبهم سلطتهم على الإقليم لفترة قصيرة إبان فترة الحكم البيزنطي في القرن الثاني عشر في عهد ملكهم ستيفان نومانيا الذي تمكن عام 1208 م من طرد البيزنطيين وجعل الإقليم مركزًا حضاريًا ودينيًا مسيحيًا للصرب. وبلغت قوة الصرب ذروتها زمن الملك دوشان الذي أعلن نفسه قيصرًا عام 1346م وجعل عاصمته مدينة بريتزين الواقعة غرب مدينة بريشتينا عاصمة كوسوفو الحالية.
ولكن الانقسامات السالف ذكرها وصراع دول البلغار فيما بينها سهل تقدم الجيش العثماني في شبه جزيرة البلقان بيد أن التغلغل العثماني السريع أثار مخاوف ا لملوك ورؤساء القبائل فقام الملك الجديد لصربيا بجمع ما يزيد عن مائتي ألف مقاتل من جيوش بلغارية وبوسنية وألبانية تحت قيادته وأستعد بهم لملاقاة المسلمين في سهل كوسوفو فحاربهم السلطان مراد الأول مع ولديه بايزيد ويعقوب بالقرب من مدينة بيريشتينا,وقدر الله للمسلمين الانتصار يوم 28يونية في عام 1389م،وقتل لازار ملك الصرب كما قتل السلطان مراد على يد أحد مقاتلي الصرب.
وبذلك كان هذا الإقليم هو ميدان القتال الحاسم الذي شهد نهاية الحكم الصربي في معركة كوسوفو التاريخية الفاصلة عام 1389م التي انتصر فيها السلطان العثماني مراد الأول على الجيش الصربي تحت قيادة الملك لازار عام 1389م,غير أن الهيمنة الصربية على كوسوفو لم تطل كثيرًا إذ انتهت مع الفتح العثماني للبلقان في القرن الرابع عشر الميلادي.
لقد أنقذت هذه المعركة الألبان من سلطة جيرانهم الصرب السلافيين وأدت إلى دخولهم في الإسلام وتحولهم جنودًا للدولة العثمانية. وفي المقابل حفظ الصرب في تاريخهم القومي والديني بأسى هذه المعركة، وبجانب رفعهم كلًا من الملك لازار وميلوش أوبيليتش بعدها إلى مرتبة القديسين في نحلتهم،و باتوا يعتبرون يوم 28 يونيوـوهو يوم المعركة من عام 1389م عيدًا تذكاريًا قوميًا دينيًا يحيون فيه ذكريات عزتهم القومية ويؤكدون هويتهم الدينية في وجه جيرانهم الألبان.ومنذ ذلك اليوم عمل الصرب على إنهاء الوجود الإسلامي في البلقان، وقادوا تحالفا مع بلغاريا والجبل الأسود واليونان لطرد الدولة العثمانية من البلقان، للانفراد بالمسلمين هناك.
واشتدت المؤامرات على الدولة العثمانية من الخارج، وتمكنت صربيا من قيادة التمرد ضد الدولة في الداخل - في منطقة البلقان واستطاعت أن تستقل أخيرا عن الدولة العثمانية. وأثناء الحرب البلقانية العثمانية سنة 1912م، أعلن الألبان استقلالهم، وكان هذا أكبر خطأ ارتكبه الألبان - رغم أنهم آخر الشعوب التي خرجت على الدولة الإسلامية العثمانية - ومنذ ذلك الوقت بدأت مرحلة تصفية الحساب مع الدولة العثمانية، حيث أعلن "الصليبيون" في البلقان حربهم ضد الإسلام والشعوب المسلمة هناك.
وفي مؤتمر عقدته الدول الغربية المنتصرة في لندن عام 1912م، تم توزيع أجزاء من أراضي بلاد الألبان على المنتصرين. وبعد أن كانت مساحة ألبانيا حوالي 70 ألف كيلومتر مربع، فإنها بعد اقتسام الغنيمة تقلصت إلى حوالي 29 ألف كيلو متر مربع فقط. ثم كانت كوسوفا من نصيب المملكة الصربية آنذاك، ومن يومها بدأت المذابح الجماعية للمسلمين في البلقان عمومًا، وفي البوسنة وكوسوفا خصوصًا.
إلى هنا نتوقف ونكمل المسير في الحلقة القادمة إن شاء الله لنرى كيف دخل الإسلام إلى كوسوفا ومسيرته على تلك الأرض فإلى الملتقى.